في الستينات كانت دور السينما تروج الإعلانات لأفلامها المعروضة بتعليق ملصقات تلك الأفلام على لوحة خشبية كبيرة يرفعها أحد الأشخاص على كتفه يرافقه شخص آخر جهوري الصوت يطوفان باللوحة في شوارع المدن التي كانت صغيرة في العادة بحيث كان الاثنان يقطعانها ثلاث أوأربع مرات في اليوم حيث يسمع جميع من في المدينة الإعلان عن الفلم الذي سيعرضه سينما( الحمراء) أو (صلاح الدين) أو ( الرشيد) وغيرها، وكان الشخص الجهوري يصيح بأعلى صوته ( فلم المصارعون العشرة بالسينما سكوب والألوان الزاهية بطولة ريتشارد هاريسون) أو يعلن عن فلم ( إسماعيل ياسين في الاسطول ساعتان من الضحك المتواصل)..وكانت دور السينما في حقبة الخمسينات والستينات هي المكان الوحيد للترفيه وقضاء بعض أوقات الفراغ،وكان الصبية والشباب في المدن معتادون على مشاهدة جميع الأفلام ولعدة مرات،وأفلام سينما سكوب كانت تجذبنا بشكل أكبر لأنها تبهرنا بألوانها الطبيعية فيما أكثرية الأفلام أبيض وأسود، كما أنها كانت تغطي الشاشة بأكملها على عكس الأفلام الأخرى التي تحتل ربع الشاشة. وكنت من بين هؤلاء الصبية الشغوفين جدا بالسينما الذين إعتادوا على تكرار مشاهدة الأفلام حيث شاهدت فلم(سنكام) الهندي 17 مرة، وذرفت دموعا حارة على فقدان بطل الفلم راج كابور أكثر من الدموع التي ذرفها القادة العرب على ضياع فلسطين!.
يوم أمس ولأول مرة في حياته شاهد صدام حسين على الطبيعة نتائج حكمه الكارثي على العراق بـ(السينما السكوب والألوان الزاهية). ولأول مرة أيضا إستمع صدام الى مواطن عراقي لمدة سويعات، بعد أن كان يرغم العراقيين برمتهم على الإستماع لخطبه وأحاديثه التلفزيونية بخشوع خاصة أعضاء حزب البعث الذين كان يطلب منهم في اليوم التالي كتابة تقرير عن تلك الخطب أو الأحاديث وتمنح لهم الدرجات الحزبية وفقا لقوة ذاكرتهم وحفظهم لأحاديث السيد الرئيس القائد التي كانت تطبع ملايين النسخ منها في ظرف يومين فيما كانت المدارس الإبتدائية يتقاسم طلابها كتبهم المدرسية أو يتبادلونها فيما بينهم على سبيل الإستعارة لافتقار مدارسهم الى تلك الكتب.
لأول مرة جلس صدام مستمعا الى شاهد إثبات في جريمة واحدة من مئات الجرائم التي إقترفها بحق العراقيين،وكان يستمع بصمت وعناية فائقة الى كل كلمة يقولها الشاهد وعينه ترنو الى حبل المشنقة عسى ولعل أن ينقذه هذا الشاهد منها، ولكن حتى لو حدثت هذه المعجزة الإلهية إفتراضا، فماذا عن بقية الجرائم و25 مليون شاهد آخر يشهدون بجرائمه المتعددة في العراق؟.
كان الممثل المصري عادل امام الذي أبدع في دوره بمسرحية ( شاهد ما شفش حاجة) يضحك الناس بأدائه الرائع عندما سيق الى الإدلاء بشهادته أمام المحكمة، وكان (غلبانا) لا يعرف شيئا لا عن (الستات ولا عن السبعات)،لكن شاهدنا في مذبحة الدجيل أيضا( غلبان) ولكنه شاهد الكثير وعاين أكثر،ولعل آثار التعذيب التي رافقته منذ سنين طويلة على جسده قد تكون أهون مما تختزن ذاكرته من الصور المرعبة التي كان يشاهدها عيانا داخل السجون والمعتقلات السرية لنظام صدام.. كان الناس يضحكون على عادل إمام، ولكني أعتقد أن الملايين بكت عندما سمعت الحقائق التي ذكرها هذا الشاهد في المحكمة وهي لم تكن تمثيلية وإن بدا أنه تدرب عليها مسبقا.
روى لي أحد القادة الكرد، كيف أنهم كانوا يواجهون الصد من العديد من الأوساط والشخصيات الدولية عندما يعرضون عليهم مظلومية الشعب الكردي في العراق والجرائم التي يقترفها النظام الصدامي بحقهم وكانوا لا يصدقون هؤلاء القادة ويعتقدون أن ما يروجون له إن هي الا دعايات إعلامية،ألا ساء ما يحكمون.
وقال هذا القيادي" في مؤتمر دولي دعينا اليه أواخر الثمانينات التقيت العديد من الشخصيات الدولية التي حضرت للمشاركة في المؤتمر، فانتهزت الفرصة لأتحدث إليهم عن جرائم صدام بحق أبناء شعبي، وعندما تحدثت الى الكثيرين منهم عن عمليات الأنفال وإعتقال 182 ألف مواطن كردي من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال وسوقهم الى صحارى الجنوب لدفنهم هناك، كادوا أن يشكوا في عقلي، ويردون علي بالقول ( لا نصدق أن يكون هناك حاكم في العالم يسوق هذا العدد الهائل الى حتوفهم هكذا بدم بارد، أليسوا من شعبه فكيف يفعل بهم هذا)؟؟وأظهرت المقابر الجماعية لرفات هؤلاء الضحايا بعد سقوط النظام حقيقة (إدعاءات) القادة الكرد، وإنخداع اولئك السياسيين بدعايات صدام التي صرفت لأجلها الملايين من براميل النفط العراقي في كوبونات رشوة وشراء الذمة. كما روى لي صديق كان يقيم في السويد، أنه أثناء عرض صور الأطفال والنسوة الكرد الحافيات والشيوخ المسنين الذي هاموا على وجوههم في الجبال النائية في أواخر شتاء عام 1991 عندما فشلت الأنتفاضة الشعبية في كردستان وهاجمت قوات الحرس الجمهوري الصدامي المدن الكردية المنتفضة فهرب أكثر من مليوني مواطن كردي الى الجبال خوفا من إنتقام جماعي لقوات صدام،وكانت صور هؤلاء الهائمين تنقل عبر شاشات التلفزيون في أنحاء العالم فيما سميت بوقتها بــ(محنة الأكراد)، قال الصديق" كنت جالسا مع شخص سويدي في المقهى نتفرج على تلك الصور المؤلمة، وقلت له: أنظر الى ما يعانيه شعبي من ظلم وجور صدام. فرد علي السويدي ببساطة-:الذنب ذنبكم! فدهشت لذلك وسألته: كيف؟ فرد علي: لماذا انتخبتموه مادام هو هكذا بلا رحمة؟؟!! لم يكن السويدي هذا يعرف أنه لا وجود لشيء اسمه الانتخابات في المنطقة العربية وظن أن صدام انتخبه شعبه فعليه أن يتحمل سوء أفعاله..وهذا إنطبق عليه المثل الدارج( عرب وين طنبورة وين).
المهم، بقيت عادة ترويج أفلام سينما الستينات في العراق عبر اللوحات الضخمة الى اليوم الذي وصل فيه صدام الى الحكم أواخر السبعينات،فافتقدنا هذه العادة، لأن حال العراقيين منذ تلك الفترة تحول الى (سينما ) حقيقية يتفرج عليها الناس في شتى بقاع الأرض.
وآه من عصرالستينات، عصر العباقرة والرجال العظام في شتى مناحي الحياة، عصر الأصالة والإبداع، عصر الجمال والكمال، قبل أن يتسيد على العراق شراذم الناس وحثالات المجتمع وشقاوات بغداد ممن يمثلون اليوم أمام المحكمة يتفرج عليهم الناس..
لقد ذهب الزمن الجميل وقد نكون نحن الآن في الوقت الضائع..
شيرزاد شيخاني
