في موقف تناقلته الألسن بين مصدق للحدث ومكذب له وبين من نسب الحدث إلى كونه معجزة إلهية وبين من طعن في عفة مريم ( عليها السلام ) وكل ما نسب إلى مريم ووليدها من التهم كان مصدره هم الداعون إليها والمحرفون للحقيقة التي سطعت في المكان الشرقي الذي إعتزلت إليه مريم لتواجه المعجزة الإلهية وتكون وجها ً لوجه مع الملك والرسول الذي تمثل لها بهيئة بشرية لذلك قالت كلماتها الخالدة والتي ستبقى قرآنا ً يتعبد به إلى يوم القيامة قالت ماحكاه عنها رب العزة ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) مريم 18..
لتتلقى بعد ذلك الرد من الروح المرسل لها ( إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ً زكيا ) مريم 19.. وقد إختلف المفسرون هل إن المرسل لها هو جبريل أم ملك آخر أعظم هيئة منه أم هو الروح الذي ذكر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم والظاهر إنه جبريل لأنه تعالى سماه روحا ً كذلك في قوله ( قل نزله روح القدس من ربك ) النحل 102.. وقوله ( نزل به الروح الأمين ) الشعراء 193.. وسماه رسولا ً في قوله تعالى ( إنه لقول رسول كريم ) الحاقة 40.. فكل هذه الآيات تؤكد إنه جبريل ( عليه السلام ) ولا خلاف وما ظهوره لمريم بالهيئة البشرية إلا كظهور الممثل الذي يلعب دور شخصية معينة وهو في نفسه مستقل عنها فشخصية زيد التي يلعبها عمرو لا تعني أن عمرو قد تحول إلى زيد على الحقيقة وإنما ظهوره للمشاهد يوحي إنه زيد فكذلك عندما تمثل جبريل في الصورة البشرية لا يعني إنه تحول إلى بشر حقيقي وإنما في نظرها هي فقط ورؤيتها له وإلا فهو باق بطبيعته الملكية كما هو حال المشاهد الذي رأى عمرو وظن إنه زيد لذلك كان الموقف مفاجيء لمريم فما كان منها إلا أن تبادره بقولها ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ).. لأنها كانت تظن إنه إنسان أتى لفعل الفاحشة فلجئت إلى إستحضار الرحمة في قلبه مشترطة ذلك بالتقوى ( إن كنت تقيا ).. لأنها [ أي التقوى ] الرادع الوحيد للإنسان عن فعل السوء كخطابه تعالى للمؤمنين عند ما يذكرهم بملازمة الإيمان لهم في قوله ( بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ) هود 86.. وقوله ( واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) المائدة 57.. وكذلك قوله تعالى ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) المائدة 23..
والتعبير عند الطلب بالأوصاف الحسنة يجعل المخاطب أكثر تقبلا ً لقول المتكلم واستجابته كما قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل ( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا ً شكورا ً ) الإسراء 3.. وتذكيرهم بأجدادهم الذين حملوا مع نوح فيه عناية واضحة.... ثم بعد ذلك تلقت مريم جواب الملك ( قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ً زكيا ً ).. إنه عيسى ( عليه السلام ) الذي إفترق فيه الناس إلى ثلاث فرق.. حيث قالت الأولى: إنه الله كان فينا ثم إرتفع إلى السماء وهؤلاء هم اليعقوبية.. وظنت فرقة أخرى: إن مريم لم تلد الإله وإنما ولدت إنسان وأن الله قد ولد الإله وهذه الفرقة هي النسطورية وذهب الموحدون: إلى أن عيسى هو نبي من أنبياء الله ورسول إلى بني إسرائيل وهو عبد من عباد الله وكما هو ظاهر إن الفرقتين الأولى والثانية قد عدوا عن أمر الله تعالى وتعاليم عيسى ( ع ) التي كان أهمها ما أمر به بني إسرائيل باتباع دين محمد ( ص ) حيث قال كما حكى تعالى عنه ( يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا ً لما بين يدي من التوراة ومبشرا ً برسول يأتي من بعدي إسمه أحمد ) الصف 6.. فإن قيل: هو بشر برسول إسمه أحمد وليس محمد؟..
أقول: هو ذكر صفة النبي وليس إسمه وهذا أكمل في المحامد لأن أحمد على وزن [ أفعل ] التفضيل والإسم يأتي بمعنى الصفة وهذا كثير في القرآن الكريم كقوله تعالى ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم ) الرعد 33.. وسموهم: هنا يعني صفوهم.. أي هل عندكم صفة لأصنامكم من سمع وبصر وحياة ولا يحتمل أن يكون المراد هنا الإسم المتعارف عليه لأن الأصنام لها أسماء كما قال تعالى ( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ) الأعراف 71.. وقوله ( ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) يوسف 40.. وكذلك قوله تعالى ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) النجم 23..
لذا فإن الذين يدعون إنهم أتباع عيسى ( ع ) إن لم يكونوا قد آمنوا بمحمد ( ص ) وما جاء به فإن إتباعهم لعيسى ماهو إلا خلاف ما أراد الله وإن كانوا قد تمسكوا بالكتاب المحرف كما قال تعالى ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) البينة 1.. ثم فسر بعد ذلك البينة بقوله ( رسول من الله يتلو صحفا ً مطهرة ) البينة 2.. والخطاب لجميع أهل الكتاب والمشركين وفيه عموم يقتضي إتباع رسالة محمد ( ص ) علما ً إن صفة النبي ( ص ) ونعته قد ذكر في كتبهم التي لم تحرف بعد كما بين تعالى ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم أهمها ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ً عندهم في التوراة والإنجيل...... الآية ) الأعراف 157..
وقوله ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ً سجدا ً يبتغون فضلا ً من الله ورضوانا ً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل..... الآية ) الفتح 29.. وقوله ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) البقرة 146.. الأنعام 20
وهذه الآيات التي مرت جميعها شاهدة على أن الكتب المنزلة قبل القرآن فيها البشارة والصفة التي لا شك فيها ولا ريب في تحديد شخص النبي ( ص ) والآن لنبدأ بتفسير السورة [ سورة مريم ].. ولنأخذ فقط الآية التي تهمنا في هذا المقال ونؤجل ما بعدها إلى مناسبات أخرى.. الآية هي ( واذكر في الكتاب مريم إذ إنتبذت من أهلها مكانا ً شرقيا ً ) مريم 16.. الخطاب للنبي ( ص ) أي أذكر يا محمد ما كان من أمر مريم و ( إذ ) بدل إشتمال من مريم وهي زمانية أي وقت إعتزلت إلى المكان الشرقي إذكر ما جرى لها في الكتاب واختلف المفسرون أي كتاب هذا فذهب بعضهم إنه القرآن وقال آخرون إنه السورة والصحيح هو الكلام الذي كتب في سياق الآيات التي تبين أحداث القصة لأن الكتاب هو ما يكتب وقد مر عليك في الجزء الثاني من [ أخطاء في كتب التفسير ].. وقد يسمى بعض الكتاب كتابا ً كما يسمى بعض القرآن قرآنا ً كما ذكر تعالى ذلك في قوله ( قل أوحي إلي إنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ً عجبا ً ) الجن 1.. وهم لم يسمعوا إلا بعض القرآن والنبذ أصله الطرح والإلقاء كما قال تعالى ( فنبذوه وراء ظهورهم ) آل عمران 187..
وانتبذت: يعني إعتزلت أهلها وتباعدت.. والمكان الشرقي: كما ذهب الكثير من المفسرين يعني المكان الذي يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها.. وهذا الرأي وإن كان صحيح في نفسه إلا أن هناك وجها ً آخر وإن كان قد غفله المفسرون إلا إنه يناسب المكانة التي حضيت بها مريم ( عليها السلام ).. وهو أن المكان الشرقي يعني الجهة الستراتيجية التي تؤدي بالعبد أو الأمة إلى الطريق الصحيح والصراط المستقيم الذي ينال العبد من خلاله مرضاة الله تعالى لأن الشرق يعني الخير والبركة والسعادة والنجاة وكل ما هو أرقى وأفضل لذلك فإن مصطلح الشرق في القرآن الكريم يعني هذا ويشهد لما ذهبت إليه قوله تعالى ( والصافات صفا ً * فالزاجرات زجرا ً * فالتاليات ذكرا ً * إن إلهكم لواحد * رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ) الصافات 1- 5.. ولم يقل المغارب مقابل المشارق كالعادة لأن المقام مقام تمجيد لله من قبل الصافات وهم صفوف الملائكة فهم ذكروا جهة الخير فقط كما إستدل إبراهيم ( ع ) في جهة الشرق حيث قال تعالى على لسانه ( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ) البقرة 258.. وهذا نظير تعبير القرآن الكريم باليمين لأن اليمين يقصد به الخير والبركة وليس الجهة المكانية لذلك حين قص تعالى للنبي ( ص ) عن تكليمه لموسى ( ع )..
في قوله ( فلما أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ) القصص 30.. وحين إلتفت تعالى للنبي ( ص ) غير مجرى السياق ولم يقل له وما كنت قرب شاطىء الوادي الأيمن بل جاء بإسم آخر للوادي أو الجبل قائلا ً له ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ) القصص 44...
هنا نسبه إلى الجهة الغربية لماذا لأنه لا يليق في كلامه تعالى مخاطبة النبي ( ص ) بقوله لم تكن بجانب الخير والبركة فهذا لا يليق بساحة النبي ( ص ) فتأمل ذلك لأنه يجعلك مطمئن إلى ما ذهبنا إليه...
ويؤيد هذا قوله تعالى ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين * في سدر مخضود ) الواقعة 27 - 28.. وقوله ( كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين ) المدثر 38 - 39.. ويقصد هنا أهل الإيمان الحق لا أن هناك جهة معينة.. لذلك فإن التخاصم الذي يحدث في النار بين الأتباع وأسيادهم يؤكد هذه الحقيقة كما قال تعالى ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) الصافات 27 - 28.. أي من طريق الخير والبركة والكلام الجميل الذي يردده هؤلاء وكأنهم من أولياء الله ولكنهم ليس كذلك وإنما هو تزيين منهم لم يكتشفه الأتباع إلا في الآخرة وهؤلاء هم الذين يدعون أن أقوالهم تمثل الحق الذي يرتضيه تعالى وللأسف فهم كثير في هذا الزمن الذي يحسبهم فيه الجاهل بأمرهم كأنهم أولياء الله ولكن الحقيقة ليس كذلك وحين إرتدائهم لباس التقوى ونشر الأفكار الهدامة بين الناس نجد أكثر الناس يعتقد أن هؤلاء هم الذين ستنقذ البشرية على أيديهم وهذا ما عبر عنه القرآن على لسان الأتباع بأنه اليمين ولكنه بالقول دون الفعل واليوم نجد بعضهم إدعى نصف النبوة حين أعلن للملأ إنه يلتقي بأهل البيت والأولياء الصالحين وليس في عالم الرؤيا وإنما حقيقة على حد قوله والأدهى وأمر من هذا هم المصدقون له وأخيرا ً ربما لا تتفق معي في ذلك لكن ستتفق معي عندما أقول لهؤلاء ليس كل ما يعرف يقال... سنعود قريبا ً إلى..... [ أخطاء في كتب التفسير ]..
والله الموفق...
عبدالله بدر إسكندر المالكي
[email protected]
