ما يجري في العراق من عمليات قتل و إختطاف و تغييب و إرهاب شامل ايس سوى إختلاطات إرهاب ميكروبية إختلطت في ثناياه أوراق و ملفات عديدة، و تاهت في أروقتها الحقيقة، و تكدست كل الملفات في واحد من أعقد المشاهد الأمنية التي يمكن أن يعانيها بلد من البلدان، و محاولة إغتيال الإعلامي العراقي المعروف السيد عماد العبادي التي حدثت في بغداد مؤخرا تعيد للذاكرة المتعبة و المرهقةعمليات إغتيال عديدة طالت الجسم الصحافي و الإعلامي العراقي في واحد من أخطر بلدان الدنيا قاطبة، و المشكلة أنه لم يتسن لأحد أبدا معرفة الجهات الحقيقية و هوية المنفذين بل أن القضايا و التحقيقات بعد إثارتها إعلاميا تسجل في غالب الأحيان ضد مجهول!! و مشكلة ( قيدت ضد مجهول )؟ تظل واحدة من أسوأ ملفات العمل الأمني و الجنائي في العراق الذي يعيش أوضاعا أمنية منهارة و سطوة شبه كاملة لمافيات الدين و الطائفية و السياسة و العشائرية و أهل الأجرام الإبتزازي العادي، لقد قتل السياسي العراقي المثقف قبل أكثر من عام السيد كامل شياع في بغداد علنا و لم تعرف الحقيقة رغم أنه كان يساري الهوى و المبدأ و لا شأن له بالطائفية و لا العشائرية و لا بالثارات و لكنه إغتيل بدم بارد و لم تنجح الأجهزة الأمنية العراقية في حل لغز إغتياله و لا الوصول لمن قتله؟ وكذلك هو حال المئات من الإعلاميين و المثقفين العراقيين الذين ضاعت دمائهم بين الميليشيات و العصابات و الجيوش المتقاتلة في الميدان العراقي؟
لقد أثيرت ضجة كبرى حول عملية محاولة الإغتيال الأخيرة للسيد عماد العبادي التي جرت في قلب بغداد قبل أيام قليلة ورفعت العديد من أصابع الإتهام نحو أحزاب السلطة و خصوصا حزب الدعوة تتهمه بالوقوف خلف الجريمة بسبب الإنتقادات الحادة و الواسعة للعبادي من خلال عمله الإعلامي في إحدى الفضائيات العراقية و الموجهة ضد حزب الدعوة و شركاه وضد رئيس الوزراء نوري المالكي شخصيا! بسبب الجرأة الكبيرة التي عرف بها العبادي و تميز، و لكن مع تطاير الإتهامات ثمة حقائق و مؤشرات لم ينتبه إليها العديد من المراقبين و أولها أن حزب الدعوة و محيطه ليس في مصلحته أبدا تنفيذ تلك الجريمة في هذا التوقيت بالذات و حيث الحملة الإنتخابية على أشدها!
فمهما كانت درجة العداء المتبادل بين ذلك الإعلامي و الحزب الحاكم إلا أنها لا يمكن أن تدفع أهل الدعوة بالتضحية بموقعهم القيادي بسهولة من أجل التخلص من شخص ما مهما بلغت درجة إنتقاداته حدة!! لقد كان واضحا من العملية برمتها من أنها ذات أبعاد توريطية لربما ترتبط بالعملية الإنتخابية، و لكن قبل الدخول في التحليلات و التحقيقات الجنائية علينا أولا أن نعرف من هو عماد العبادي الذي ملأ الدنيا و شغل الناس و أظهرته بعض وسائل الإعلام بصورة البطل الوطني و القومي الذي لا يشق له غبار؟
إنه ببساطة شديدة لا ينتمي أبدا للمعارضة العراقية السابقة، و ليس له أي تاريخ في العمل الوطني المعارض، بل على العكس تماما فطبقا لمصادر وثيقة الصلة به فإنه وهو المنحدر من مدينة الناصرية جنوبي العراق كان ضابطا في جهاز المخابرات العراقية السابق، وهو وفقا لذلك كان مديرا لمكتب صهر الرئيس السابق المدعو صدام كامل شقيق حسين كامل و الذي قتل معه في معركة ( السيدية ) الشهيرة و في حملة التصفية العائلية و برصاص العشيرة و على يد علي حسن المجيد في فبراير 1996، و كان العبادي من المقربين جدا لصدام كامل و من الطبيعي أن يكون متورطا بشكل ما في عمليات قمع سلطوية في تلك الفترة! وهي من الأمور المعروفة في العراق، فكثير من السياسيين العراقيين الحاليين كانوا جزءا مهما من ماكنة النظام العراقي السابق و البائد الأمنية و العسكرية و الإعلامية.. و ذلك من طبائع الأمور، لأن الحكومة العراقية الحالية لم تستورد الشعب من الخارج؟ بل أن تلك العناصر موجودة و تبديل الولاءات في العراق و نقل البندقية من الكتف للكتف عملية سهلة و معروفة على نطاق واسع، وقد ذكرتني محاولة الإغتيال الفاشلة بمحاولة أخرى ناجحة و كانت مجزرة في أواخر عام 2006 و في بغداد تحديدا أيضا و لم يعرف القتلة رغم ضخامة تلك العملية وطبيعة الأسلحة المعقدة و الكاتمة للصوت التي أستعملت فيها، و عدد الضحايا الكبير نسبيا، ففي أكتوبر من عام 2006 إقتحمت قوة عسكرية مدججة بالسلاح مقر قناة فضائية ( الشعبية ) و التي أقيمت بأموال ليبية بهدف التبشير بالفكر الجماهيري الأخضر في العراق؟؟ و قتل في ذلك الإقتحام رئيس تلك الفضائية و رئيس حزب العدالة و التنمية المدعو ( عبد الرحيم النصر الله ) و أخيه و عشرة من الموظفين و المذيعين و الفنيين في تلك القناة؟ و كانت مجزرة بشعة للغاية أستعملت فيها رشاشات كاتمة للصوت و أنجلى غبار ذلك الإقتحام عن مجزرة حقيقية قيل و الله أعلم بأن جيش المهدي كان يقف ورائها و قيل غير ذلك حيث نسبت العملية لفيلق بدر!!.. ولم تعرف الحقيقة أبدا و قيدت ضد مجهول أيضا.. و المفارقة أو الرابط بين الماضي و الحاضر هي أن القتيل المطلوب وهو عبد الرحيم النصر الله و الذي أعرفه معرفة شخصية وثيقة لكونه كان يعيش لاجئا في أوسلو و كان يمتلك محلا لبيع المواد الغذائية في وسط العاصمة النرويجية كان يعمل قبل لجوئه كعنصر أمني في مكتب وزير داخلية صدام حسين وطبان التكريتي !! وقد حدثني بأنه شارك شخصيا في تنفيذ حكم الإعدام بأربعين معتقلا سياسيا دفعة واحدة عبر إطلاق النار عليهم بسبب موقعه الوظيفي الذي يلزمه بالتنفيذ!! و طبيعي أنه في مجتمع عشائري كالمجتمع العراقي فإن صيحات الثأر و رغبات الإنتقام لا يمكن لها أن تهدأ أبدا.. بل يظل الدم أبد الدهر عن الثأر يستفهم كما قال الجواهري؟، و يبدو أن صاحبنا القديم حينما عاد للعراق و انخرط في الهملية السياسية و حصل على الدعم المادي السخي و الكبير من بعض الأطراف العربية قد نسي تاريخع القديم و تناسى حكايات الثأر و حاول القفز على العداوات القديمة و رغبات الإنتقام المكتومة فذهب ضحية طموحاته.. ولم يعثر على القتلة أبدا بل تم حفظ الملف و تناسيه و إقباره بالكامل، فمن سيتذكر مقتل شخص و جماعته في ظل المجازر العراقية الواسعة النطاق التي تحدث في كل حين، و العجيب أن النصر الله لم يتبع سياسة مهادنة مع السلطة الجديدة في العراق بل رفع قفز التحدي و أشهر المعارضة!! و دعى لتطبيق و يالسخرية الأقدار تعاليم كتاب القذافي الأخضر في العراق؟؟؟ فحصل ما حصل... وبالمناسبة فقدكان النصر الله ينحدر من مدينة الناصرية أيضا..!؟ وأعتقد أن الأمر ليس مصادفة بالمرة، فالطريقة المافيوزية في تنفيذ الإغتيالات توحي بأشياء و تكهنات عديدة تبدأ من الثأر و لا تنتهي عند بوابة تخلص رفاق الماضي من أصدقائهم الذين نكصوا و غيروا و بدلوا.
وفي ظل غياب التحقيقات الرسمية الواضحة و المعلنة تبدو الأمور مختلطة و عمليات الإغتيال سوف لن تتوقف أبدا بل ستتصاعد، فاللماضي إرتباطات و ملفات رهيبة لا يمكن أن تنسى بسهولة، و لشهوات الإنتقام في تاريخ العراق قواعد منهجية و فكرية ثابتة فشعار ( وين يروح المطلوب إلنا ) ! يظل ساريا في ضوء الفوضى الأمنية السائدة و الإختلاطات الإرهابية الناجمة عنها... و مالم تتحرك السلطات الأمنية لحسم الموقف فإن كل التكهنات و الإحتمالات ممكنة، و أسواق الأشاعات في العراق و الشرق القديم ناجحة للغاية، سيتم تبادل الإتهامات و ستصدر البيانات الإتهامية.. و لكن هل ستعرف الحقيقة؟... تلك هي المسألة.. والله أعلم.. و تظل القضية مسجلة و مقيدة ضد مجهول حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود.. من الغدر السائد في نفوس العراقيين قبل شوارعهم؟
