إن الإستمرار في ضعف النمو الاقتصادي وانخفاض الثقة الإنتاجية، والتي ستؤدي الى ركود لدى الشركات والمستثمرين وستجبرهم على الحفاظ على اموالهم بدل تشغيلها في السوق، جعل الإقتصاد العالمي في خطر ومهدد بالإنتكاسات في أي وقت.
واشنطن: خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي ليصل المعدل المتوقع الى ٣.٢٪ في عام ٢٠١٦ بعدما كان ٣.٤٪، وتوقع بزيادة الركود لتصل الى ٤٠٪ في منطقة اليورو واليابان، واعتبر أن هذه النتائج مقلقة، خاصة وأن الإقتصاد العالمي مازال في مرحلة حرجة، وقد أخذ وقتا طويلا للتعافي والإنتعاش مجددًا. ويقول كوشيك باسو، كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، إن الأزمة المالية تركت الجرح ينزف الى أن أصبح الشفاء مستحيلا".
من جهتها تقول كريستين لاجارد المدير العام لصندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي: "تعاني بعض الأجزاء من العالم من الركود، ما ينعكس على الإقتصاد العالمي الذي يتدهور في جميع أنحاء العالم، خاصة مع استمرار انخفاض معدلات التضخم وإرتفاع أعباء الدين العام".
ووفقا لحسابات صندوق النقد الدولي، فإن إجمالي الدين العام في الإقتصادات المتقدمة من المتوقع أن يبلغ ١.٧٪ في العام ٢٠١٦، أي أعلى من المعدل الذي ساد خلال فترة الكساد الكبير ويقترب من المستويات التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا سيؤدي بالطبع الى استحالة انخفاض النمو.
وقد عمد صندوق النقد الدولي خلال اجتماعه الأسبوع الفائت الى توجيه رسالة واضحة للحكومات مفادها أن الأزمة المالية والركود الاقتصادي سوف ينتشر ما لم يتم اتخاذ إجراءات حاسمة في وقت قريب، وبالطبع هذا الأمر لم يكن مرحبا به.
الأزمة المشؤومة
يقول مطلعين على الأزمة إن بعض الحكومات حذروا من تأجيجها من قبل صندوق النقد والبنك الدولي، ووصفوها بالمشؤومة، ويسألون "لماذا هذا التشاؤوم، فلا يوجد أزمة ولا يوجد ركود"، وقد المحوا في هذه الطريقة الى ان اتخاذ اي اجراء سيؤدي الى مزيد من التشاؤوم، وهذا من شأنه أن يعزز التأثير السلبي.
إلى ذلك، فإن رسالة صندوق النقد الدولي هي في غاية البساطة. البنوك المركزية حول العالم كانت تقوم بجهد كبير لأكثر من سبع سنوات، إلا أن السياسة النقدية، خفض أسعار الفائدة وشراء الأصول من خلال برنامج التخفيف الكمي أصبحت ثقيلة، ولقد حان الوقت للحكومات لإتخاذ خطوات نحو الأمام كذلك يجب على اصحاب الرساميل زيادة استثماراتهم، وعلى جميع الدول أن تفعل المزيد لجعل اقتصاداتها أكثر إنتاجية من خلال تحسين التعليم، ودعم الابتكار والمنافسة.
واعترف موريس اوبستفيلد، كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، أن الصندوق كان يكرر نفسه قليلا على مر السنين في رسالته للإصلاح، ويضيف مازحا: "يمكن وصفها بمرحلة الإحسان"، وقد وجد صناع القرار جميع أنواع الطرق لإيصال رسالتهم حول الحاجة إلى المزيج الصحيح من السياسات النقدية والتدابير المالية والإصلاحات الهيكلية، وهي التي أطلق عليها صندوق النقد الدولي عليها "نهج ثلاثي الأبعاد". وكذلك منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي وصفته بأنه “ ثلاثة أركان للثبات.
ويقول خوسيه فينيالس، رئيس قسم الاستقرار المالي لصندوق النقد الدولي، إن التباطؤ لفترات طويلة يمكن أن يقلل توقعات الإنتاج العالمي على مدى خمس سنوات بمعدل ٤٪، وأضاف: "سيكون هذا بمثابة التخلي عن سنة واحدة من النمو العالمي". ويرجع هذا جزئيا الى ضعف النمو، وايضا الى ترك الاقتصاد العالمي عرضة لمجموعة من الأمراض.
قلق وتوتر
وحددت أحدث التوقعات الاقتصادية العالمية لصندوق النقد الدولي أن الأمور الأكثر إثارة للقلق هي ضعف الأسواق الناشئة، التوتر الصيني، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والإرهاب، كما تشهد الأسر تأثير هذه التهديدات في أجورهم، يعتقد البعض ان هذه التهديدات يمكن أن تؤدي الآن الي تجنب البلدان العولمة والتعاون فيما بينها.
يصف هونغ تران، العضو المنتدب التنفيذي لمعهد التمويل الدولي، الذي يمثل أكبر البنوك في العالم، ان هذا الوضع يدعو للقلق، ويقول: "إذا نظرت حولك، كل بلد له نسخة خاصة به من الشعبوية - ففي الولايات المتحدة تتم من خلال الحملة الانتخابية الرئاسية، وفي أوروبا يحصل مع التصويت على خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي"، ويضيف: "إنه أمر مثير للقلق لأن التأثير هو مزيد من تفكك الهيكل الاقتصادي الدولي بعد الحرب المالية".
كايو ميغال الذي كان يعمل في صناديق التحوط، يقف مع زملاءه في فندق ماريوت في واشنطن، قلقا من الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي لعام 2008، ويترقب المؤتمر الصحفي لوزير الخزانة الأميريكي هنري بولسن الذي أعلن خلاله ان امريكا سوف تشتري حصصا في بنوك بلدان أخرى، وان تنسيق العمل خلال ذاك الأسبوع فشلت في رفع الأسواق.
"أتذكر ذلك جيدا"، يقول ميغال، الذي يعمل حاليا كخبير اقتصادي لايتاو، ثاني أكبر بنك في البرازيل، ويضيف: "كنا نشاهد التلفاز وننتظر أن يعلنوا النتائج القياسية، الا أنهم أعلنوا نتائج ضعيفة، الجميع نظر الى بعضه البعض قائلين: يا إلهي، لن يكون هناك يوم الاثنين. لكن الاثنين جاء، والعالم لم ينهار". ويضيف: "الوضع ليس كما هو الحال في عام 2008، ولكن هذا لا يعني أنه لن تكون هناك أزمة"، ويعتقد أن هذه المرة سوف يكون هناك المزيد من الحذر: "من الممكن أن الاقتصاد العالمي يتزلج على طبقة رقيقة من الجليد، ولقد كان هناك ذعر في الأشهر الأخيرة. مع وصول برميل النفط الى ٢٠$، وانخفاض قيمة اليوان الصيني”، ويطرح ميغال السؤال الآتي: "هل نحن حقا في حالة جيدة - أم أننا جيدون فقط لأن لدينا حوافز ضخمة من البنوك المركزية؟".
الإصلاحات الهيكلية
ويقول أنجيل غوريا، الأمين العام لمنظمة التعاون والتنمية، إن تكلفة التقاعس عن العمل هو "أعلى من كل شيء"، ويضيف: "من الواضح جدا اليوم أن استخدام السياسة النقدية لن تكون خدعة لأننا قد استخدمناها الى حد كبير عندما كنا نطبق سياسة أسعار الفائدة السلبية".
وتقول لاغارد إن ماريو دراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، وجانيت يلين، رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي، ومارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، وهاروهيكو كورودا، محافظ بنك اليابان، لا يستطيعون جميعهم رفع كل الثقل، وهي تعتقد أن الدول تحتاج الى اعتماد نمو السياسات المالية، والإصلاحات الهيكلية، والتي قد تعني تخطي الخطوط الحمراء في السياسة للبعض، وتضيف: "البنوك المركزية هم أبطال، ولكن وزراء الاقتصاد والمالية والإتصالات تحتاج أن تلعب دورها أيضا".
من جهته يشك المكسيكي في قدرة البلدان على الخروج من تلك الورطة، ويقول جوريا: "كثير من الناس يتحدثون أيضا عن السياسة المالية لكن دعونا نمضي قدما”، واضاف: "إن الدين العام الإجمالي في منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD قد ارتفع من ٦٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي الى ١١٠٪ وهذا يمثل عائق آخر”، وهو يعتبر أن هذا الأمر من شأنه أن يزيد من أهمية الإصلاحات الهيكلية والتي تتمثل في التعليم، والمنافسة، وفرص العمل، والهياكل الضريبية، والبنية التحتية، فالجميع على حد قوله يريد للإقتصاد أن يتعافى، اضافة الى أن الرؤية الاقتصادية العالمية لصندوق النقد الدولي أيضا ليست قصيرة المدى.
إن الإصلاحات من جانب العرض (أي تلك التي تأتي من الاستثمار وإزالة الحواجز على إنتاج السلع والخدمات) جاءت لتعزيز الطلب الكلي وبالتالي تحقيق النمو. إن بعض الإصلاحات هي بالتأكيد أكثر فعالية من غيرها مثل تحرير سوق المنتجات، الذي يزيد من المنافسة، ويجعل الشركات أكثر إنتاجية، والذي ينظر اليه على أنه شيئ جيد، ولكن حتى أنواع الإصلاحات التي تحقق ذلك يمكن أن يكون لها آثار سلبية على المدى القصير.
وكان أوليفييه بلانشار، كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي قد تحدث في ابريل/ نيسان الماضي قائلا: "إن الإصلاحات الهيكلية هي ليست معجزة، والآثار هي في كثير من الأحيان غير مؤكدة، وليس هناك مقاس واحد للحل يناسب الجميع".
وتعتقد بوناما شوهان بول، القائمة بأعمال رئيس الخبراء الاقتصاديين لمنطقة أفريقيا في البنك الدولي أن أهم الإصلاحات للقارة هي دراسة وتعزيز التجارة عبر الحدود من خلال بناء طرق أفضل، وضمان وجود الطاقة، وزيادة "تعبئة الموارد المحلية"، وهي طريقة أخرى للقول "زيادة الضرائب"، إلا أن هذه المتطلبات تختلف في شرق آسيا أو أوروبا، على سبيل المثال، كما أنها تثير المشاكل التي تطرحها العديد من الإصلاحات الهيكلية، لأن بناء الطرق وتوسيع شبكات الكهرباء تكلف أموالا، وزيادة الإيرادات الضريبية غير مستحبة سياسيا في تلك المناطق.
ويقول أوغوستو دي لا توري، كبير الاقتصاديين لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في البنك الدولي: "يجب على صندوق النقد الدولي ابلاغ الدول بضرورة القيام بالإصلاحات الهيكلية"، لكنه يعتبر أيضا أنها ليست مفيدة للغاية، ويضيف: "ما هو مطلوب أيضا هو تقديم المشورة حول كيفية تفعيل هذه الإصلاحات بطرق أقل إيلاما اجتماعيا".
وفي هذا الصدد تؤكد غوريا أن الإصلاحات الهيكلية تستغرق وقتا ويلزمها التحلي بالصبر، ولقد نفذتها المانيا منذ ١٠ سنوات، وكانت مستقرة نسبيا خلال الأزمة، كما قدمت اسبانيا الإصلاحات قبل بضع سنوات، وعاشت فترة صعبة الا أنها بدأت تحصد فوائدها الأن، “انها تحتاج الى الصبر، والاتصالات، والشجاعة من قبل القادة لبناء جسر بين قرارات صعبة والوقت للحصول على نتائج جيدة".
مما لا شك فيه أن صندوق النقد الدولي يقوم ببعض المبادرات لحث الحكومات على القيام بالإصلاحات الهيكلية، لكن مما لا شك فيه أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة صعبة.

