محاولة قراءة الأشرطة المغربية التي عرضتها القاعات مؤخرا
تزحف السينما الوطنية نحو رسم ملامح خاصة بها و تسعى إلى التنوع بتنوع أسماء و عينة المبدعين. و قد عرفت القاعات مؤخرا عرض أربعة أشرطة من أربع مناحي.
و مع ذلك فثمة قواسم تشي بالمشترك.
هنا و لهيه
يصبح لكل مخرج مساره الخاص. و قد أبرز محمد إسماعيل هذا المسار منذ الشريط الأول آوشتام. واقعية سوداوية. تركيز على النصف الفارغة من الكأس. إضافة إلى إخلاص متواصل للحكاية البسيطة, الخطية المتوالية.. و دون دخول في متاهات البلاغة السينمائية. فلا مجاز عنده و لا استعارة .. و لا استذكار.. في الوقت الذي تطرق شريطه السابق "وبعد" للهجرة السرية، جاء شريطه "هنا و لهيه" ليجعل من الهجرة القانونية العلنية موضوعا و رسم ملامحها السوداوية عبر مختلف الأجيال.
المهاجر من الجيل الأول يظل بعيش في وهم أنه هناك في المهجر ربى أسرته على القيم التي ترعرع في أحضانها, و ظل يعتقد أن أسرته مثله تحلم بالعودة إلى أرض الجدود,, و إذا به يصطدم لا بواقع رفض أسرته العودة إلى المغرب و حسب، بل بواقع جديد يتغلغل في بيته و هو آخر من يعلم.. و عندما يرغم أسرته على العودة إلى المغرب، يكتشف أنه في بلاده أكثر غربة منه خارجها. والشريط يحاول أن يشير إلى كل المشاكل التي يعرفها المغرب.. لذلك نراه يقحم انتهازية الانتخابات.. الغش في المعاملات و التيار الإسلاموي و الدخول في هذه الحيثيات الصغيرة التي تجعل الشريط يفقد جزءا من الإمتاع و المؤانسة إلى درجة أن الملل يترسب إلى المتلقي، و أن الفيلم يكاد يصبح شريطا تلفزيونيا..
هذا لا يمنع من كون الشريط على غرار الموجة الجديدة من الأفلام المغربية خلوا من الأخطاء التي كانت متداولة على مستوى الربط خاصة. و جيدا صورة و صوتا كما أن أداء الممثلين يبرهن على كفاءة الممثل المغربي، خاصة إذا عثر على من يحسن إدارة الممثلين إذ في داخل كل منهم طاقة تحتاج إلى من يستطيع توظيفها.
ذاكرة معتقلة
من الواضح أن ظاهرة شجب سنوات الرصاص بدأت تعطي أكلها في الأدب و الفن، لاسيما السينما, و في السينما اختياران. اختيار تعامل مع الأحداث بشكل مباشر واضح و هذا ما تجلى في أعمال سعد الشرايبي و حسن بنجلون و اختيار جعل من سنوات الرصاص خلفية استندت عليها الأحداث, و هو ما تجلى في شريط "ألف شهر" لفوزي بنسعيدي و في ضفائر للجيلالي فرحاتي بشريط همه الأول و الأساسي هو إبراز آثار سنوات الرصاص. و قد كتب الشريط بعناية جعلته خاليا من الزوائد، و مؤسسا على التفاصيل. تلعب هذه التفاصيل دور المساعد في العثور على هذه الذاكرة المعتقلة وإذا اختفت التفاصيل اختفى الحس الجمالي الذي يحمل الشريط .
هي قصة معتقل، أفرج عن جميع الذين اعتقلوا معه و بقي هو ضحية لتلاعب من النوع الذي نعرفه جميعا. يفقد هذا المعتقل ذاكرته. و لا هم له هو سقي الورد. و حركة نفخ آلية على الإصبعين تحيل على مهنته الأم. كل ثروته مجموعة رسائل.. و سيكلف شاب كان معتقلا بدوره بمهمة مساعدته على العثور على ذاكرته.
الشريط إذن رحلة عبر هذه السنوات. و ركض خلف ذاكرة ترفض أن تعود. و الشريط يلح على رفض الرجل استعادة ذاكرته لأنها مصدر عذابه إضافة إلى العذاب الذي تلقاه.
لم يعد يهم الرجل شيء. حتى العثور على الذاكرة جاء فقط لإضاءة الحكاية و إخراج المتلقي من حيرته إلا أن ما كان يسعى إليه مبدع الشريط، حققه عبر اللقطات الهامشية الكثيرة و التي بدونها يفقد الشريط قوته. عمليات سقي الورود المتكررة, حصان يعبر الشاشة تائها متهالكا. حوار بين جيلين تحت وابل من المطر. أما الرسائل التي حملت الأحداث كانت خالية من أي إضاءة.مضببة. حافلة بالمشاعر و بتراكم عبارات هي مجرد استعراض لغوي يثير الملل أكثر مما يفيد.. و لا يفيد..
و قد سعى الجيلالي فرحاتي إلى توظيف كل ما يساعد على إعطاء الشريط الدلالات التي يعني تبليغها .. فالإيقاع كان بطيئا و الإنارة كانت تأتي لكشف المدى النفسي و لإضاءة الحالة. و استطاعت رحلة الذاكرة داخل معتقلها أن تسلط الضوء على مخلفات فترة ما من تاريخ المغرب المعاصر.
استطاعت مكونات الشريط أن تخدم مضمونه و استطاع الممثلون أن يصلوا حد الإقناع في أدائهم و قد بدا جليا الجهد الذي بذلوه من أجل مساعدة المتلقي على استيعاب الحالات التي سعى الشريط إلى تخليدها في الأذهان. كما يحفل الشريط بكثير من الهمسات الشاعرية عبر زوايا التقاط الصورة . زمنها. الإنارة التي تغلفها. مضمون القول. طريقة أداء القول.
النظرة
هو أول شريط للسينمائي الشاب نور الدين الخماري. شريط من فصيلة أخرى، رحلة صراع يتفاعل داخل شخص أجنبي عاش فترة من حياته كجندي فرنسي, اعتقد أنه قتل شخصا و ظلت نظرة الشخص تمارس عليه نوعا من التعذيب لم يستطع التخلص منه إلا بعد قيامه برحلة إلى المغرب و عثوره على الشخص. شريط النظرة، اختار أن يمنح البطولة لنظرة، تحملها صورة فوتوغرافية ، و جعل من الصورة لا مجرد ذكرى و حسب، بل أيضا زخما من الأحاسيس التي تقض المضاجع.
و أراد نور الدين الخماري عبر كتابته للشريط أن يرسم مسارا متوازيا بين الحكي الحالي و بين الاستذكار. و بذلك رافق المتلقي. يظل الشريط في عملية البحث و اكتشفا معا حقيقة. ومن لواضح أن الشريط رصدت له إمكانيات ساهمت في تحقيق المستوى الذي أدركه انطلاقا من الحكاية مرورا بالصورة إلى الأداء، حيث برزت كل الأسماء التي يحملها ملصق الشريط لاسيما عبد الله ديدان و خالد بنشكرا.
باب البحر
لكل سينمائي بصماته .. و أصبح جليا التعرف على أسلوب داود أولاد السيد ، الذي تعرفنا عليه منذ شريطه الأول "باي باي السويرتي" وقبل ذلك عبر أشرطته القصيرة حيث تلعب الصورة دور الصدارة. و" باب البحر" شريط و اختار كذريعة قضية الهجرة السرية إلا أنه حقق اختلافا حيث جعل الباحث عن حلم ما وراء البحر فتاة. و كاد الشريط يلامس الوثيقة من خلال وصفه للحياة اليومية الرتيبة في طرفاية. إذ لا تعكس هذه الحياة سوى الملل و الدعارة و التسكع و الفراغ بمعناه المشحون ولاسيما الأحلام المجهضة قبل الأوان.
و في الشريط ملامح من العبث يتعرف عليها المتلقي في كتابات يوسف فاضل . و قد استطاع الممثلون و خاصة محمد مجد الذي ساعدته سحنته مصحوبة بتجربته على إعادة إنتاج الشخصية بشكل مقنع و المساهمة في رسم هذا العبث إلى جانب الإيقاع البطيء للشريط و كسل الكاميرا حتى و إن كانت بعض اللقطات تجعل الاستفهام يكبر..
فهل قصد مبدع الشريط قصدا إلى جعل النهاية ضبابية أم تراه أنهكه مسار الشريط فجاء بها سريعة. مفتعلة. موحية أكثر مما يجب.
نقط التقاء الأشرطة ألأربعة
وفي محاولة بسيطة للقيام بمقارنة بين هذه الأشرطة رغم اختلاف مناحيها ، نجد أنها تشترك كلها في الفضاء المتحرك، و بناء الأحداث على تيمة الرحلة. فشريط هنا و لهيه رحلة انطلاقا من عنوانه, و شريط الذاكرة المعتقلة رحلة متعددة ..مجسدة تقوم به رفيقة المختار السجين للبحث عنه، و رحلة المعتقل المطلق السراح عبر ماضي السجين السياسي من أجل العثور له عن مأوى. و رحلة السجين عبر ذاكرته و الرحلة الكبرى التي تشمل كل هذه الأسفار.أي الرحلة الإبداعية للمؤلف انطلاقا من الكتابة السينمائية إلى الأداء بينما نجد في شريط النظرة رحلة عبر هذه النظرة و عبر ضمير رفض لصاحبه الراحة، و جعله يقوم برحلة عبر الزمن بحثا عن لحظة فرح.
نفس الرحلة يرسمها شريط باب البحر و هي رحلة فتاة تبحث عن الفردوس المفقود و رحلة عبر الحياة اليومية الرتيبة لمنطقة معزولة و عبر آفاق حياة شخوصها الفارغة إلا من محاولة الكسب بأي ثمن و قتل الوقت بالخمر و الدخان .. و...و ...
تشترك الأشرطة الأربعة في قتامة الأجواء و سوداوية الواقع و في المعاناة التي تشكل القاسم المشترك الأكبر فيها برمتها. وهذا يدل على أن السينما المغربية تعيش مخاضا الغرض منه الخروج من سذاجة التناول.
