العقلاء والاذكياء ازاء توحش السفهاء وتحجّر الاغبياء

" كأني أنظر الى قريتكم هذه قد طبقّها الماء.. وأيم الله لتغرقن بلدتكم.. "
الامام علي (كرم الله وجهه)

مدخل
دعوني استخدم بعض القسوة لمرة ومرات من اجل منفعة وطنية ليس الاّ وأيم الله.. فليس خراب بيتنا من صنع الاخرين حسب، ان لم نفصح بشجاعة وحكمة عن اوزارنا التي جنيناها بحق انفسنا نحن العراقيين.. ولا اقول بأن غيرنا أفضل منا في سلوكياتهم واساليبهم وممارساتهم، ولكن لا يعنيني من امرهم شيئا بقدر ما يعنيني امر العراق وشحوب أهله الطيبين في ارجائه الفسيحة والذين لابد ان يبصروا النور يوما عند نهاية النفق الذي وضعهم الزمن الصعب فيه.. علينا ان نتوغل في اعماق انفسنا نحن العراقيين وان نعرف بعض مواطن الخلل وزوايا الضعف التي باتت جميعا عوامل اساسية في خلق هذا الذي يريد محق العراق وتصفية العراقيين. وبالرغم من التفاؤل الذي نعيش عليه والامل المنشود بولادة العراق الجديد، فان ذلك لا يمكن ان تظهره الى الدنيا كل بلايا الحاضر، وان اي مشروع حضاري للعراق لابد ان يجد الارض المخصبة له لينتعش وينمو ويتطور.. انني اطالب في هذه " الرؤية النقدية " باصلاح ذات البين وبناء علاقات قيمية واخلاقية جديدة بين العراقيين قبل ان نستعرض انفسنا على الاخرين باننا نعيد بناء الدولة.. فلا معنى لبناء أي مؤسسات في الدولة ان كان المجتمع على اشد حالات التنافر، بل وفي اسوأ الاحتقانات.
وعلى كل العراقيين أن ينتبهوا الى أمرين خطيرين اولاهما: ان اي طرف من العراق مهما منح من حق في تقرير مصيره - وربما ابصم معه على ذلك -، فسوف لا يرى وجوده وحياته الا مع كل العراق. وثانيهما: ان اي الغاء او اقصاء بين العراقيين انفسهم سوف لا يعود أثر ذلك الا على الاثنين معا! فان كان العدو رقم واحد للشعب العراقي معروف من قبل الجميع، فلماذا يريد العراقيون في مثل هذا الظرف الصعب ان يخلقوا من بينهم اعداء كثر؟؟ ومن هنا وددت ان اعالج بعض الموضوعات التي اعتبرها خطيرة، خوفا مني مع كل من يشاركني هواجس المستقبل وقتامة المصير على مستقبل العراق لا اكثر ولا اقل. وان الحاجة باتت ماسة وان الضرورة امست ملحة على كل العراقيين ان يبحثوا لهم عن بدائل حقيقية ووسائل قيمية من اجل ايقاف الكارثة التي قد لا يبصرها البعض لانشغالاته في ما هو نفعي وشخصي وآني وهو في نشوة الانتصار!

فنانون في ادارة الكارثة
ليس هناك أقسى على المرء من أن يشهد فصولا جدالية عقيمة لا جدلية نافعة بين ساسة ومثقفين يعّدون أنفسهم من نسل حضارات بائدة، أو يجدون ذاتهم أكبر بكثير من حجومهم بين الامم. ولعل أكبر الادلة على تلك المعاناة هو ذلك التدّني اللااخلاقي الذي وصلت اليه بعض الانفس التي لا متنفس لها الا ان يأكل بعضهم بعضا مهما وصلت حال البلاد الى ادنى مستوياتها ركاكة وفوضى وبوهيمية غير متخّيلة أبدا. ان انفراط عقد حزمة القيم والمعاني الانسانية السامية.. بهذا الشكل لدى اناس تراهم جميعا وقلوبهم شتى، فهم عقلاء وسفهاء ولكن استبد بهم الجنون كونهم ليسوا بمتجانسين ابدا، ولا يعرفون معنى الانسجام ولا يفقهون كيفية السبيل لاغتنام الفرص التاريخية، ولا يعلمون أي قيمة لمشاركة حقيقية ولا يتفقّون ابدا على اي تجسيد للاهداف التي كانوا ينتظرون تحقيقها ولا يعملون ابدا على تقديم للاهم على المهم كما ولا يدركون أي منزلة هم فيها بعد ان افتقدوا عندهم روح التعاون والتآلف والتعايش والالفة والمحبة، وباتوا يركلون انفسهم بأنفسهم ليل نهار من خلال انقسام فاضح والاحقاد تشتعل في صدورهم، والكراهية تعمي عيونهم، وتلك هي لعمري قمة المأساة العراقية التي استمرت قرابة خمسين سنة ووصلت الى ذروتها اليوم. ان كل من يخالفني هذا " الطرح " اما ان ينزع الغشاوة الثخينة التي هو عليها او يقتلع الاقنعة التي مهر في ارتدائها زمنا طويلا.. واما ان يخرج من قوقعته الفكرية والجغرافية ليرى اوضاع بلاده كاملة من فوق، لا ان ينظر اليها من زاوية افقية محددة، فلا يرى من خلالها الا نفسه وعشيرته او طائفته وملتّه في دائرته الضيقة! ولم أكن أتخّيل أبدا ان العصابية ستطول حتى الذين يسّمون أنفسهم بالمثقفين التقدميين الذين كانوا يروّجون عن انفسهم انهم ماركسيون حتى العظم!
لقد علمتني تجربتي المتواضعة في قراءة تاريخ العراق بأن الناس يختلفون فيه من عصر لآخر ومن جغرافية عراقية لأخرى وانا أتأمل ذلك " التاريخ " في خطوطه ومسالكه والوانه، بل وافكر في كل دقائقه وخباياه، فثمة ملتقيات في الذي اسميته في فلسفة التكوين التاريخي بالابوة والبنوة في سلالات الاجيال.. اذ لا يمكن ان يولد التاريخ من فراغ بكل ظواهره واحداثه وبكل نصاعته او بشاعته! وان الكارثة لا يمكن ادارتها من قبل شخص واحد او مجموعة واحدة، بل وانها تتبلور نتيجة تشّظي عوامل مختلفة تلازمت بعد تلاقحها على ان تودي بحياة أي مجتمع مهما كان صلبا وقويا الى حيث الهاوية.. وعليه، لابد من تداركها مهما كلّف الامر من جهد وأتعاب سنين.

ايها العراقيون: لا تغرنكم الاقاويل والمفبركات
ولا يغرنكم قول البعض ان عصر الديمقراطية قد انفتح وان ما نشهده اليوم هو الديمقراطية بحد ذاتها، ذلك لأن الصراع من أجلها ازاء من يريد الاجهاز على بداياتها سيستمر طويلا وربما يتجاوز العام 2009 الذي كنت قد حددته كبداية حقيقية للعراق الجديد ومنذ سنوات خلت، وان لا ديمقراطية في مجتمع تسود فيه النزعات الماضوية والتمذهبات الدينية والعلاقات الرديئة والاهواء الانقسامية والدعايات الماكرة.. بل استطيع وصف " الحالة " بأنها الفوضى القيمية في ادارة الازمة والسياسة الداخلية والعملية السياسية والانتكاسات المريرة في حياة المجتمع بأقسى ممارساتها واعتى فوضويتها عندما تصل هوة الانفصال وقوة الشراسة والتوحش وقعر الغباء والبلادة الى احطّ درجاتها، اذ يغدو الصراع السياسي اقوى معّبر بكل فضاعته عن حجم الاحتقان الاجتماعي.. ليس لدى الافراد او لدى بضعة جماعات، بل الى اعماق الفئات الاجتماعية التي لا تدرك قوة انتاج المعاني ولا تفقه نفع التحولات ومسيرة الحياة، ولم تعد تأبه للنزعة الوطنية التي مهما حاول العقلاء تربيتها في النفوس وترويضها في الصدور، فالتمرد عليها كان وسيبقى اقوى بكثير من هلاميتها واكذوبتها بدليل تعدد الولاءات وزحمة الميول والاتجاهات.. والكل يتكلّم باسم الشعب العراقي، والشعب مذبوح بالامه واحزانه ومصائب يومياته ونقص احتياجاته وخدماته كبشر سوي مثل باقي البشر. فالناس تطالب بكل ما يلزمها منذ ان حّلت فواجع صدام حسين عليهم مرورا برحيله ووصولا الى اكثر من سنتين على ذاك الرحيل ولم يتحقق شيئ حتى يومنا هذا.

من رعب الدولة الى الخوف من المجتمع
وليس لقسمات واسعة من المجتمع الذي لم تعرف الوداعة والهدوء يوما والاجتماع على اهداف وطنية حقيقية الا الانتماءات والولاءات الاخرى التي تتكالب من بينها قوى معروفة ومعينة طمعا في جاه ومنصب ومال ومكافئات ومنح، وسعيا لمنافع شخصية ومكاسب معنوية او سياسية او مادية.. وخصوصا بين السياسيين والمثقفين الذين لا يمكنهم ان يتقّبل احدهم الاخر لاسباب معقدة سايكلوجية وسوسيولوجية بالاساس قبل ان تكون سياسية وفكرية – كما يدّعي المتفلسفون – هل تأمل العراقيون كيف يرفضون بعضهم بعضا لأتفه الاسباب؟.. وان كل الاختلافات السياسية ان بحثنا في اسبابها وجدناها تمتد الى جذور طائفية او قبلية او محلية مناطقية أو شخصية نفعية بنتهامية فالسياسة يتلبسونها زورا وبهتانا ومعها يلوكون حفنة من الكلمات والشعارات باسم المبادئ والقيم سواء كتلك التي كان يمارسها الجلاد ام من سبقه في جلد العراقيين.. ويبدو النفاق السياسي عملة رائجة عند الساسة العراقيين وهم كمن ينزع جلدته الايديولوجية القومية التقدمية ويحلق شاربه الاسود الكث ليغدو فجأة معمما يتكلم باسم " الدين " وهو لا يستطيع تركيب جملة مفيدة باللغة العربية!! اما الجانب الاخر من الصورة الموحشة والحزينة، فهو المعبّر عنه نتيجة التحولات الفجائية المفجعة في اوضاع المجتمع الذي انتقل على مراحل: من خوف الدولة انتقالا الى الخوف من السلطة والحزب الواحد ومرورا بالارتعاش من النظام وانتهاء بالخوف من المجتمع نفسه.. اننا نحصد حقا ما فعلته الحكومات العراقية السابقة التي كان لسياساتها البلدية والمحلية والجهوية والعشائرية والسكانية وآخرها " الحملة الايمانية " بتأثير الارتجاج التاريخي الذي حدث في العام 1979 لخطايا لا تغتفر وعّم جميع المنطقة مما خلط الامور وجعل عاليها سافلها نتيجة ما اسمي وقت ذاك بـ " الصحوة الدينية " والتي راهن عليها اغلب المفكرين العرب، فما كان منها الا ان انتجت: تعصبات دينية وجماعات تكفيرية ومراسيم بدائية او عوامل عاطفية او قرارات بريئة خلطت الاخضر بسعر اليابس وخصوصا في العراق ومنذ زمن ليس بالقصير لم يستطع المجتمع الابقاء على علاقاته القديمة التي حاربها الليبراليون والتقدميون والقوميون والاشتراكيون بدفع المجتمع ليتداخل بعضه بالبعض الاخر مما انتج قيما غريبة واساليب فجّة.. نعم انها مواريث صعبة جدا ستمتد بقاياها الى خمسين سنة من اليوم – كما ارى –!

البلادة والتوحّش
لقد عرف العراق ابان النصف الثاني من القرن العشرين عصابات واولاد شوارع ورعاع ومخبولين واصحاب سوابق وذوي عاهات واشقياء من الذين لم تكن لهم القدرة على العمل الا في الاوكار القميئة تحت الارض.. فظهر منهم ساسة وبعض حكام ساهموا عن قصد وسبق اصرار بانتاج كل البلايا والرزايا في الحط من شأن طبقات المجتمع كلها وهدر الكرامات واعدام الشخصيات وتعذيب البشر واذابة اجسادهم.. لقد كانوا مهرة في صناعة مناهج التوحش والتمّرس على اساليب الذبح وقطع الرؤوس وألاذان وجدع الانوف والالسنة ووشم الجباه.. ودفن البشر احياء ومنهم الشيوخ والنساء والاطفال.. ناهيكم عما تبلور من قيم موبوءة بالفاحشة والتمردات والمشاغبات والوشايات والتجسس وكتابة التقارير الحزبية والايذاء المشروع والتهجير القسري والاستئصال العرقي والابادة الجماعية وهتك الاعراض كل ذلك جرى في العراق في سنوات مرعبة عاشها العراقيون وخصوصا ابان اشرس حرب عرفها التاريخ لثمان سنوات عجاف.. بقيت آثارها السايكلوجية (والباثجينية) مطوية كالدمامل لم تتفجر الى السطح، فوجدت اليوم متنفسا لها للتعبير عن اشد الحالات فظاظة وفضاعة وقسوة بعد انفجارها وتدفق قيحها في كل اتجاه..
وعليه، فان العراق بحاجة الى فترة نقاهة تاريخية لمدة عشر سنوات على الاقل وتعد فترة انتقالية ينتقل خلالها من اوضاعه السابقة الى اوضاعه اللاحقة.. لقد كانت كل السياسات التي اتبعت في العراق منذ سقوط النظام السابق في العام 2003 وحتى اليوم خاطئة – مع الاسف - ومزدوجة ومبهمة ومخترقة وفاشلة وقابلة لاستيعاب الاملاءات من دون استخدام حتى مبدأ (خذ وطالب) او اعلان ما يشبه (الاحكام العرفية).. وان الكل يتحث عن ضعف في قدرة القادة الجدد في الحسم واتخاذ قرارات جريئة.. بل وان اساليب ادارية وسياسية تتّبع من دون ان يرضى عليها الشعب العراقي.. ولا يمكن ان يعّلل كل ما يحدث كونه ثمنا للحرية السياسية أو التحرر الفكري، فالسياسة والفكر شيىء والادارة وضبط الاوضاع الامنية شيئ آخر وخصوصا في العراق بوضعيته العادية، فكيف الامر اذا كانت احواله مزرية بالشكل الذي نعيشه، وأقول للعالم جميعا بان أساليب ضبط الدواخل العراقية من اصعب المهام التي تواجه حكام العراق على امتداد التاريخ. وكثيرا ما اقول بأن تعيس الحظ ذاك الذي يحكم العراق.
ان مجرد المناداة بالديمقراطية شيئ عظيم ليس في العراق وحده، بل في بلدان الشرق الاوسط كلها.. ولكن للديمقراطية مستلزماتها وظروفها وعالمها ومناخها الذي غدا لا يمكن استعارته فجأة لنرضي انفسنا او لنرضي الاخرين وكأن العراق خال من العقلاء والفضلاء والاذكياء والحكماء الذين عاشوا طوال حياتهم نزهاء زاهدين حتى في لقمة عيشهم وما كانوا من الطامعين ابدا أو المرتشين او المختلسين او طلاب الولاية، اما ان تسيطر على دفة القيادة وتترك شأن السفينة تائهة في بحر عميق وقد تدري او لا تدري انك فتحت فتحة في قاع سفينتك المبحرة التائهة في البحر وهي مثقلة بحمل ثقيل! فأي ضرورات هذه التي يتشدقون بها وهم يحثون الخطى نحو تفسيخ البلاد تحت مسميات شتى، بل ووصل الامر الى ان تتهم كتل سكانية كاملة بشتى التهم البشعة نتيجة ما فعله نظام جائر، ولماذا غدا " التمذهب الديني " سمة تطلق علانية في تشخيص الناس سياسيا واجتماعيا، والمصيبة ان يأتي على لسان عضو جمعية وطنية مرات ومرات على شاشات الفضائيات. ان هذا كله قد خلق اعداء اضافيين عندما اجدهم يسمعون وهم يتألمون كيف تطلق الاوصاف السيئة على مناطق ومدن واقاليم كاملة من قبل كل الاطراف العراقية. ان قوى بشرية ونخبا مثقفة وفئات سكانية لم تزل اسيرة لما يقوله هذا او لما يردده ذاك في غمرة تدفق اعلامي واسع النطاق! ان المشكلة الحقيقية انما تكمن اصلا في التمترس وراء سياسات دينية اعلامية لا سياسات مدنية قانونية، وان التفرقة غدت تحصيل حاصل عند كل اطراف المجتمع، وهذا لم يحصل في تاريخ العراق ابدا.

التجارب القاسية
لقد علمتنا التجارب المرة ان المخاض صعب جدا في التعامل مع نخب متصارعة واحزاب متناقضة ومواقف متناحرة وبين اقوام غير متجانسة ابدا وبين اناس يبطنون عكس ما يظهرون - بل وكما يقول الصديق امير الدراجي وهو يفلسف سايكلوجية العراقيين السياسية -: ان هناك من لم يزل يحافظ على تقاليد الاختباء والكتمان المفضوح وكتم الاسرار وربما اضيف على وصفه البارع: كأن العراقيين من الخشب المسنّدة في متحف حزب قديم اكل الدهر عليه وشرب.. فكل العالم قد تغّير بعد ان مارس نظرية غورباتشوف في البيروستريكا (اعادة البناء) والغلاسنوست (الصراحة والشفافية) ونحن لم نتغّير ابدا!! وقد بدأ العرب يتغيرون وينادون بالتغيير بعد ان فتح العراقيون الطريق واسعا امام الجميع، ولكن العراقيين يبدو انهم ساروا في طريق الضياع، انه يمكن ان يعيدوا بناء انفسهم وثقافتهم وسياستهم واستراتيجيتهم وبلادهم من دون اي شفافية، والشفافية ليست مصطلحا فارغا كما يجري استخدامه عند كل من هبّ ودبّ من دون اي ضوابط ولا اي ممارسات، فكيف تمارس الشفافية ونزعة الالغاء والاقصاء موجودة عند الجميع؟؟ هل سمعنا ان شعبا يلغي نفسه بنفسه من خلال اقصاء هذا لذاك وقد وصل الامر حتى لالغاء وجوده! بل وان الذي يحدث ان يقوم الساخطون - حتى على انفسهم - بالتطاول على من له خبرات علمية ونضالات سياسية وتواريخ ثقافية.. والمنطلقات أغلبها سايكلوجية وسوسيولوجية، فهي كانت ذاتية مرضية وربما طائفية مهووسة وربما عن قناعات غبية!!
وهكذا، فليس كما يدعّي المتفائلون الذين يريدون خلط الاوراق والبقاء في تهويم النفس والذاكرة واذكاء خصب العاطفة المتوقدة – كما هي كانت اجابة من يسأل عن وضع العراق قبل سقوط النظام وايام الحروب والحصار -: " اننا بخير وصحة وعافية " او " انها شوية مشاكل سنقضي عليها "! لا ابدا ايها الاحبة، فالشرخ يتسع على الراتق يوما بعد يوم، وان الحال يمشي من سيئ الى أسوأ في شرايين المجتمع العراقي نتيجة حدة الانقسامات وتفاقم الاحتقانات، ربما تنهض مؤسسات الدولة من كبوتها ومن انسحاقها بعد عمر طويل وهي تتنفس من جديد في ظل تطور واضح المعالم وانتعاش في الاوصال الاقتصادية ونمو في المؤسسات والخدمات كما تخبرنا اياه اخر التقارير حول انتعاش الاقتصاد العراقي وحتى العملية السياسية مع افتقاد الحالة الامنية وانسحاق الخدمات البلدية والعامة وتدهور حالة التعليم في المدارس والجامعات.. ولكن مشكلتنا الاساسية في مجتمعنا بالعراق ليس في ظل قرارات كارثية مفجعة كالتي اوصلت العراقيين الى هذا المآل عبر السنوات الصعبة المنصرمة ايام حكم الطاغية الجلاد، بل في ظل ممارسات اجتماعية كارثية يتلبسّها سياسيون ومثقفون ومعممون ومشايخ دين ورجال عشائر وحزبيون منتفخون ومغتربون لا يعرفون ماذا يريدون، او انهم لا يتفقون اصلا في ما بينهم على اجندة وطنية يمكن ان نسميها بعراقية مدنية حقيقية! ان المشكلة لا تنتهي بتبويس اللحى او بعفا الله عما سلف، او بادخال انفار الى لجنة صياغة الدستور.. انها معضلات جسيمة سوف لا يتم القضاء عليها بسهولة ان لم تتوقف الاقصاءات والاساءات واذكاء المشاعر الانقسامية وتطّهر الاجهزة الرسمية من الفساد، وان لم يغدو حكم القانون نافذا على ايدي اناس اقوياء.. وان لم تعتمد على ابنائك العراقيين كلهم في الاتفاق على المبادئ بعيدا عن الاستعانة بالخارج سواء كان ذلك الخارج عربيا او اقليميا او دوليا.

الحلم بعراق مخصب ومتحضر وجميل
لقد عشنا وعاش العراقيون على مدى اعمارنا بعقودها الخمسة المليئة بالمآسي والاحزان والكآبات والتخلف والاضطهاد والتمييز والمحسوبيات والمنسوبيات والوساطات والرعب والتشرد.. يحلمون في الماضي الصعب بوطن مدني حضاري جميل ومخصب وغني وقوي ومولد ليس للتشيؤات الراقية والجنائن المعلقة حسب، بل للمعاني الرفيعة والمخلوقات الجميلة.. لقد كنا نحلم حتى اليوم بالتلاؤم والتعايش والتواد والتراحم والتلاحم واسقاط الذرائع واكتناز القيم واهتبال الفرص والانطلاق نحو اهداف موحّدة لوطن كان ولما يزل ذبيح الانقسامات المذهبية والطائفية والسياسية والعرقية والمناطقية والعشائرية.. والمصيبة ان الكل ينفي عنه صفة التموقع والتمذهب والتشظي والاقصاء.. ولكن الممارسات والتصريحات تدلل على غير ما يعلن!! ولكن مع كل الاسف، بدل الانطلاق الحضاري والتفكير المدني والبرامج الواقعية رحنا نغرق انفسنا بعضنا بعضا وقد جعلنا الماضوية التي يرفعها السفهاء والاغبياء والمشعوذون والدجالون والانتهازيون والكذابون والمفبركون وموزعو الاتهامات عنوانا للامل المنشود وبات هذا لا يطيق ذكر ذاك.. بعثيون معروفون بكل قسوتهم ورهبتهم انخرطوا فجأة في تنظيمات دينية، ومؤسسات كان النظام السابق يرعاها رعاية خاصة، اصبحت عناصرها تصفق للتيار الجديد، وشعارات واعلانات جديدة لم نكن نسمعها في الامس وتعاف النفس ان تتداولها اصبحت اليوم على كل لسان، وكأن العراقيين كانوا يكذبون على انفسهم طوال القرن العشرين وهم يكتبون وينشرون ويخطبون او يصفقون او يهزجون او يبالغون او يعملون او يرقصون او يغنون اغنيات الرئيس القائد او يدبكون في حضرته او يكتبون التقارير حتى على ازواجهم.. الخ من السفاهات ولكنهم اليوم تخلوا عن كل الماضي الصعب، وغدا العراق مجموعة من الفرقاء المتنافرين المتنابذين بفعل محاصصات هذا او توافقات ذاك.
وكل المشكلات تحّل او ان تجد لها حلولا مع مرور الزمن في العراق، الا مشكلة الكراهية والاحقاد وفرض الاستحقاقات غير الوطنية التي لم تجد لها حلا منذ مئات السنين. اعرف اناسا عملوا مع الجلاد ردحا، ثم تمردوا عليه في عز بأسه ونالتهم الملاحقات واذى الاجهزة الخاصة بعد ذلك وخصوصا في خارج العراق، وكان ان تجمع حولهم الناس من اجل فعل شئ من اجل انقاذ العراق.. ولكنهم باتوا اليوم وقد نبذهم الوضع الجديد لا لأي سبب الا لكونهم كانوا يوما في خانة الجلاد.. ولكنهم تمردوا عليه في وقت كان الجميع يسبّح بحمده!.. ولكن هناك من يأبى ان يسامحهم.. اذ انهم اصلا كانوا قد احرقوا اوراقهم السياسية منذ ذلك العهد ولم ينفع تمردهم ولا حتى مشاركتهم الانتفاضة في العام 1991!!

الظاهر ليس دليل الباطن
ان هناك نزعة مقيتة وكارثية لا يمكن استئصالها بسهولة فهي راسخة في الاعماق، وندرة من العراقيين تعترف بها، بل وان اصحابها كثر وان لم تجدهم امامك او بصحبتك او حتى من ورائك.. نزعة ان يبطن المرء عكس ما يظهر، ويستخدم هذه الالية في العمل الجمعي والحزبي والتنظيمي وحتى الاعلامي. ولقد أودت هذه النزعة بجملة من المآسي للعراق عندما وجدت نفسها في الاحزاب العتيقة التي أدّعت التقدمية والمدنية والعلمانية والديمقراطية.. ولكنها بغت على العراق دولة ومجتمعا، لأنها قيّدت شروط نجاح المنتمين لها باستخدام آلية حفظ الاسرار والاشتغال تحت الارض او في الاوكار الحزبية. لقد بقيت هذه النزعة راسخة في المجتمع السياسي العراقي حتى اليوم، ولا ادري هل ان الجيل الجديد بات يمارسها بكل حرفية ونجاح كمن سبقه في هذا النهج ام ان جيلا جديدا سيظهر لا يمت بأي صلة الى نزق الماضي! انك تراه يظهر لك نفسه في احلى ما يكون الظهور عندما يتلاعب مناورا باسم الديمقراطية والشفافية والتعددية والاعتراف بالاخر.. ولكنه في ذاته يبطن غير ذلك، فكيف يمكن للسياسة العراقية ان تعرف الشفافية والمصارحة اذا كنت تتعامل مع خصوم ألداء وهم يظهرون عكس ما يبطنون! فاذا كان قول الامام الشافعي (الظاهر دليل الباطن) يصلح في كل هذا الوجود، الا انه لا يصلح في ارض العراق ولا عند اهل العراق – كما قال أحد ابرز مثقفينا العراقيين القدماء -.

الجليد يذوب والجدران صلبة يابسة
ربما قال أحدكم بأن الزمن كفيل باذابة الجليد والصقيع، وان يتعلم ابناء العراق كيف يتعاملون بعضهم مع البعض الاخر، ولكن الامر ليس بهذه السهولة، فما يقوم بين اجناس العراق لا (اطياف) العراق جدارات صلبة لا يمكن اعتبارها طبقات جليد.. بل انها من الحديد الصلب فأي اسوار وجدران تذيبها حرارة الشمس، بل ويهدمها اصحابها أنفسهم بأنفسهم! لقد تربينا في بيئة طبقية معروفة لا تعرف الكراهية بين الاديان او المذاهب الا لمما فالحب واسع بين مثل هذه المكونات بالرغم من كل الاختلافات، ولكنها كانت تعرف الكراهية بين الطبقات وتعرف الاحقاد بين اهل الداخل واهل الخارج.. نتيجة الاسفاف الذي يحصل ونتيجة الاحقاد الدفينة بين من هم فوق وبين من هم تحت، اي بين الاغنياء والفقراء او بين ابناء الحضر وبين المتريفين او البدو او بين الشيوخ وبين الفلاحين.. ولم نلحظ ونحن ابناء الشمال الا المحبة في ايام الجامعة لابناء اقصى الجنوب او طلبة الفرات الاوسط، وكانت التفرقة (سياسية) على اساس الولاء للنظام خصوصا وان اغلبهم كانوا من اصلب الشيوعيين! وفي ايام الجيش الكارثية الصعبة في السبعينيات، لم اشهد اي نعرات (حتى وان كانت موجودة) اللهم الا بين جنود مسيحيين ويزيديين من طرف وبين مراتب وضباط صف عرب متوحشين يسخرون منهم ويتضاحكون على اسمائهم.. ولأول مرة اكتشف البشاعة الطائفية وانا في خارج العراق عندما التفت نحوي صديق بغدادي كان يرسم لي لوحة وأنا جالس لا اتحرك ونزل منحدرا بكلامه ضد بعض العراقيين، فسألته: لماذا؟ قال: لأنهم كيت وكيت، وبدأ ينحر تاريخهم ويسفه تقاليدهم.. فاهتززت لما سمعته منه وما كان مني الا ان اسفّه كلامه واشعره بأن تفكيره خاطئ كوننا ابناء وطن واحد شئنا ام ابينا!! فعقّب ساخطا: ومن قال لك انهم يحبوننا انهم لا يطيقون وجودنا.. انهم يسحقون اقداح من يشرب الشاي منّا في مقاهيهم، ولا يستخدمونها ثانية! اجبته: ولكنهم اناس بمنتهى الطيبة والوداعة والسماحة. قال: انتم لا تعرفونهم وبدأ يقّسم على مزاجه.. وفجأة يشاركه الاخر نفس النغمة التي ذهلت بعدها، وعرفت ما لم اكن اعرفه او اترّبى عليه!

افتقاد القواسم المشتركة
منذ تلك اللحظة البائسة، بدأت اشعر بأن القواسم المشتركة تكاد تكون مفتقدة بين العراقيين على عكس ما نجده لدى شعوب اخرى.. وقلما يلتقي ابن هذا المكان مع ابن ذاك الاخر باعتباره ابن حقيقي للعراق يبثه نجواه ويشاركه همومه ويسّره اسراره، بل ان العراقيين لا يعطون اسرارهم لأحد، ولكنهم مهرة حين يتدفقون في التّلوك واغتياب الاخرين.. اذ يبدو ان كل جنس يريد احتكار (العظمة) لنفسه، وبالتالي يريد العراق لنفسه وغيره لا يستحق ان يحيا عليه.. ولقد نجح صدام حسين في ان يكون (مثلا) نموذجيا حقيقيا لهذا التصّرف الاخرق عندما قرن نفسه بالعراق وانه هو العراق واذا قال صدام قال العراق واذا عطس صدام مات العراق واذا تأفف صدام اظلم العراق.. بل ووصل الامر ان يغدو صداما احد مصادر الالهام الالهي في انقسام العراق وتفكك العراقيين باستثناء من يواليه، فمن يواليه ويناصره ويهتف له ويرقص في حضرته كان عراقيا ومن سكت حتى، او عارضه او حتى انتقد بعض قراراته وسياساته الهوجاء، نزعت صفة المواطنة عنه وذهب الى بئس المصير..
وهكذا، غدا المجتمع العراقي وقد تنافرت اعضاؤه وتشظيت بنيته بحيث لم يحتفظ حتى القليل بعلاقاتهم ومصاهراتهم وصداقاتهم التي لا تخل من مرارات واحقاد وكراهية هي الاخرى.. والا هل هناك من يفّسر لي تصنيف صدام حسين للمحافظات العراقية فهذه محافظات بيضاء وتلك محافظات قذرة؟؟ وما ذنب الناس في هذه المحافظات العراقية حتى توصف بالقذرة؟ وما ذنب العراقيين الذين يسكنون في المحافظات البيضاء ويمتهنهم محافظون وقياديون أتى بهم من محافظات قذرة؟ لقد كانت هذه هي الكارثة بعينها، ولكن هناك من يسكت عنها حتى يومنا هذا ولا يفصل بين مصدرها وبين وجودها، اي بين صاحبها وبين واقعها! نعم انه باق على النهج الذي اتبعه صدام نفسه حتى يومنا هذا. كان على البعثيين من العراقيين ان يقولوا: لا لصدام.. ومطلوب منهم ان ارادوا العراق ان يعلنوا براءتهم من كل ذاك التوحش وكل تلك السياسات.. ربما اجد العذر لأي عربي في ان يدافع عن سيد الطغاة وتوحشاته كونهم جعلوه رمزا لكل التاريخ الكاذب الذي تمتلئ اعماقه بالدماء القانية.. ولكنني لا اعذر اي عراقي ابدا ان لم يعلن براءته من التوحش وسفاهة الجلادين في عهد الطغاة المجانين! ان اعلانا كهذا سوف لن يجعل صاحبه من انصار النظام الجديد، بل لحاجة ينتظرها العراقيون منذ وقت طويل.

الافتراق: سبيل للعودة
كنت استغرب واشمئز عند كل من يستخدم التسميات الطائفية في تحديد الهوية العراقية، وبتنا اليوم ضمن افرازات اخشى القول انني ما زلت اعتبرها تافهة.. فأنا اعتز بما هو اثمن ولكن الواقع المرير في العراق قد فرض على الجميع في زمن تعيس كهذا في القرن الواحد والعشرين ان يؤسسوا لهذا " النهج " الانقسامي ، وبقدر ما الوم من يصّنف نفسه " طائفيا " ويدخل العملية السياسية والمؤسسية على هذا التقدير البليد وعلى هذا " التصنيف " المثير للقرف، فانني الوم كل من يسعى الى التخندق وراء متاريس التمذهب وتحويل الدين الى " سياسة" وكم مشوا في طريق لم يدركوا الاشواك فيه مذ اسسوا لهم مؤسسات فهذا خلق لهم " بيتا " فرد عليه الاخر بـ " هيئة "، وكأن احدهم يقول للاخر: هذا حدنا وياكم!.. ربما كان من تقاليد الشيعة القديمة عموما اعتبار المرجعية المتجدّدة التي تعاصر كل جيل من اجيالهم فيعتبرونها سندا لهم في الحياة، فهذا أمر يميز اهل الشيعة في كل العالم على عكس اهل السنة والجماعة الذين لا مرجعية معاصرة لهم ابدا، ولا حتى مرجعية تاريخية موحدة لهم فمنهم: الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية ازاء توّحد الشيعة الامامية الجعفرية الاثني عشرية، ولم يحصل ان انقسم الشيعة على انفسهم الا مؤخرا عندما تم تصنيف مرجعية الاصل العربية في النجف الاشرف ومرجعية الفرع في قم الايرانية.. ولكن الانخراط في الاحزاب السياسية الليبرالية والراديكالية، الوطنية والقومية والاممية في القرن العشرين لم تكن مقتصرة على طائفة دون اخرى.. ان الفجيعة ان تسيطر الاحزاب والهيئات الدينية من هذه الطائفة او تلك لتلغي ليس الادوار المعاصرة، بل لتلغي التاريخ بمجمله وتزيّفه وكأن ليس هناك اي شهود اثبات او اي وثائق دامغة.. لقد ذهلت وانا اسمع حتى التقدميين العراقيين عندما اخذ يعزف المعزوفة نفسها ويردد الاقاويل نفسها التي يشيعها الانقساميون ويطلق الاحكام الجاهزة على هذه الملة وهذه المدينة وهذه المنطقة.. من دون اي شعور بالذنب.. فاذا كانت تكريت – مثلا – قد انتمى اليها صدام حسين، فهل كل التكارتة اصبحوا باناس لا وجود عراقي لهم؟ واذا كانت مدينة (الثورة) قد تّسمت بمدينة الصدر، فهل كل ابناء المدينة اصبحوا في عداد المتمردين؟ واذا كانت الموصل فيها مشكلات قومية واجتماعية، فهل معنى ذلك ان نلغي الملايين من هذا الاقليم او ذاك؟ ان الحسبة الوطنية ليست هكذا، وان الحسبة العشائرية ليست هكذا.. وان الحسبة الاجتماعية والسياسية ايضا ليست هكذا.. انها حسبة سايكلوجية كانت وانها انما تغذيها نوازع شريرة لا تمّت للقيم العراقية الاصيلة بصلة.

تساؤلات هل نجيب عليها؟
انني أسأل من باب اعادة بناء الروح العراقية المتوثبّة والمتجددة دوما: هل لنا ان نستعيد اقوال الامام علي (كرم الله وجهه) عندما وصف العراق والعراقيين؟ هل لنا ان نمتلك قدرا من الجرأة والصراحة لنتكلم ان سمحت بذلك قوة ثقافتنا عن مثالبنا واخطائنا نحن العراقيين قبل ان نسبح بحمد بعضنا بعضنا؟ هل يمكن القضاء على الدناءة ليغدو كل صاحب منصب مترفّعا عن المال ويكتفي براتب بسيط؟ فهل جاء لخدمة العراق والعراقيين ام جاء يلهث وراء المال؟ هل يمكن القضاء على الشقاق في العهد والوفاء للمبادىء؟ هل يمكن استئصال حالات طاغية من النفاق، بحيث يغدو الناس بطبيعة واحدة لا يحملون اكثر من دين؟ هل يمكنكم ان تجعلوا مياهكم عذبة بعد ان بقيت دهورا طوال مالحة زعاقا اجاجا؟؟ هل يمكنكم التخلص من احتكار كل من يقيم بين ظهرانيكم وتطلقوا ارتهاناكم له؟ هل يمكن لكل الاطراف ان تفتح صفحة جديدة لها نقاوتها في التاريخ؟ هل وصل بنا الامر ان لا نستمع لبعضنا البعض سرا وعلانية.. بمكاشفات بريئة ولكننا نسمع لهذه الدولة او تلك القوى؟ هل كان الارهاب سيجد منفذا له على ارض العراق – كما ارادوا له ان يكون – لولا وجود الارضية الصالحة كي يعشش عليها، وينمو ويكبر فيها؟ هل عرف العراق الحروب الاهلية حتى يدفع العراقيون به الى اتونها وكل طرف ينفي كذبا وبهتانا عن نفسه ذلك الدفع؟
لقد عاش لبنان على امتداد قرون طوال جملة من الحروب الاهلية بحكم محاصصاته الطائفية والقبلية، ولكن العراق لم يعش ذلك ابدا ولم اقف على اي حرب أهلية، ربما كانت هناك نزاعات عشائرية او خصومات محلية.. اما الحرب الاهلية، فلم يعرفها العراقيون ابدا، فلماذا تذكون النار اليوم تحت الرماد؟ مطلوب من كل الاجناس العراقية احترام بعضها البعض، ومطلوب من كل من يتّهم ان يعلن براءته للاخر، ومطلوب من كل المتصلبين والمتطرفين والمتعصبين ان يمارسوا المرونة ولو لمرة واحدة! ومطلوب من كل المثقفين العراقيين ان يتوقفوا عن نحر العراقيين بكتاباتهم الفجة التي تشيع الكراهية والاحقاد تحت عناوين التحليلات السياسية (وكل يحتكر العراق لنفسه)! عليهم ان يلتفتوا الى المشاركة في اصلاح المجتمع وتربية الاجيال والقطيعة التامة مع الماضي الصعب! على العراقيين ان يتبادلوا اجمل عباراتهم في ما بينهم التي الفوها منذ عهد قديم وهم وحدهم الذين تميّزوا بها عن غيرهم في هذا الوجود.. ان كلمات (عيني) و (اغاتي) و (جبدي) و (رويحتي) و (حبي) و (يا بعد روحي) و (اروحلك فدوة) و (حبيبي)... الخ لابد ان تكون حقيقية نابعة من القلب بدل ان تموت في ساحة شنيعة من الكراهية والاحقاد وبلايا الانقسام! علينا ان نحافظ على كل الاجناس والاطياف العراقية القديمة بكل ما تحفل به من عادات وتقاليد وقيم ومعان بعيدا عن كل السفاهات والشناعات والاقصاءات واطلاق الاحكام الجاهزة والسريعة.. علينا ان لا نتنكر للعروبة ومواريثها الحضارية، فالعروبة التاريخية شيئ والايديولوجية القومية شيئ آخر.. على العراقيين ان يستعيدوا مشروعهم الحضاري في هذا الوجود اذ كان لهم دور اساسي في الحضارة العربية.. وعلى العراقيين ان يكونوا امناء في نقل الحقائق التاريخية لا ان يعمدوا الى تشويهها! على العراقيين ان يضعوا مفاتيح قوية على افواههم، فالكلام الجارح والمطلقات على عواهنها والاحكام المسبقة والافتراءات البلهاء التي لا حقيقة لها.. هي التي ستقود العراقيين الى ان ينهوا أنفسهم بأنفسهم! انني اعتقد بأن اصلاح المجتمع برمته لابد ان يكون في اجندة كل العراقيين الوعاة والوطنيين والبناة الحقيقيين لا الجهلاء المتوحشين، وان يكون متوازيا مع اعادة بناء الدولة.. فلا يمكن ان يبدأ العراق الجديد مشروعه التاريخي والحضاري من دون اي منهاج لاصلاح المجتمع من كل الادران التي علقت به.. فهل سيحدث ذلك؟ من دون تشاؤم، ان ذلك سيستغرق وقتا طويلا ان بقي العراق حيا لا يموت على ايدي ابنائه – لا سمح الله –، أو يغدو قرية تغرقها المياه – على حد ما قاله الامام علي كرم الله وجهه - وعند ذاك سيصفق كل خصوم العراق وسوف يرقصون.. فهل يعي اخوتي من العراقيين ما اقول؟