حوار مع الناقد والمحقق العراقي قاسم محمد عباس
* مفارقة الطرح الصوفي في الاسلام تكمن في انتصارها للفردانية.
* اعتمد ماسينيون التأويل المسيحي الذي يرفض التأويل الاسلامي العام.
* معتقدات الناس أعطت للأئمة صفات لم تتكلم عنها النصوص النظرية للإمامة.
* تم تجاوز المسكوت عنه في الثقافة الاسلامية.
* الخط الفارسي بكل تدرجاته، يحشدني نفسياً لاستبطان زمن ومكان الكتابة.

حاوره د.أثير محمد شهاب: تعد مهمة التحقيق من المهمات الصعبة التي تتطلب البحث والتنقيب في متون التراث العربي، ولا تتوقف العملية عند هذا الحد، وانما تتجاوز ذلك الى أن تكون عين المحقق ناقدة وفاحصة من اجل حسم الاختيار ( اختيار الانموذج )، لأن الاختيار في جزء كبير منه يحمل صورة المحقق وثقافته وحساسيته في اظهار الكتب المطمورة في السراديب، ويخيل لي ان مهمة من هذا النوع تحمل في طياتها الكثير من الشجاعة والنبل، لاننا في زمن ابتعد كل من يعنيه التراث الى الاهتمام بما هو دونه، والحديث عمّا انجزه الناقد والكاتب قاسم محمد عباسمن تحقيق نفائس الكتب الابداعية الصوفية يحتاج الى التصفيق، لانه ببساطة شديدة قدم للقارىء العربي لقمة سهلة( تخص التراث الصوفي الثمين)، دون ان تشتته المخطوطات التي اغبرت من وجع الايام، وقاسم محمد عباس كاتب وباحث متخصص بالدراسات الصوفية، تخرج من جامعة بغداد منتصف الثمانينيات،وعمل في مؤسسات ثقافية عراقية عدة، وأصدر مجموعة قصصية عام 1995، ونشر له مجموعة من المقالات النقدية، وكتب بحوث عدة في مجالات النقد والفكر، وكما يأتي اهم انجازاته :
1 ـ شرح مبتدأ الطوفان لابن عربي، المجمع الثقافي بدولة الامارات 1998 2 ـ المسائل لايضاح المسائل عمان 1999. 3 ـ كشف الستر لابن عربي عمان 1999. 4 ـ النطق والصمت للنفري عمان 2000. 5 ـتأويل الشطح عمان 2000. 6 ـ الحلاج الاعمال الكاملة بيروت شركة رياض الريس 2002. 7 ـ المجموعة الصوفية الكاملة للبسطامي، دمشق دار المدى 2004. 8 ـ ختم الولاية لابن عربي، دمشق دار المدى 2004. 9 ـ اتحاد العاقل والمعقول لصدر الدين الشيرازي، دمشق دار المدى 2004.

في بداية سؤالي، قلت له وبحرص: ما الذي تعلمته من الغوص في متون التراث الصوفي؟
- قال، والتحليق ظاهر على ملامح وجهه: نبهتني هذه المتون على القيمة الفردية للإنسان خارج مفهوم الجماعة، حتى يمكن القول: إن مفارقة الطرح الصوفي في الاسلام تكمن في انتصارها للفردانية وسط تراث طويل لعمل جماعي ألغى الذاتية، بفهم ان الذي يتم في التجربة الصوفية هو عملية اساسية للبناء استبقت الحداثة في بناء الفرد.
ومساحة كبيرة من متون التصوف الاسلامي تحديدا تعرضت لعلاقة الانسان بالقداسة من منظار مغاير للوجدان العام، وفي لحظات محددة من تاريخ الروحانية الإسلامية وعلى يد صوفية عظام تعرضت هذه العلاقة لنقد وتعديل كبيرين، بهدف تقديم الذات تقديما فاعلاً، الأمر الذي برر لنا اهتمام الفكر الغربي بالمشروع الصوفي الاسلامي بوصفه انتصارا للذات الإنسانية الحرة.
لقد تمت ترجمة الدين لدى الآخر كشرط لتحقيق الذات وتطورها عبر القداسة ذاتها، والمشروع الصوفي في الاسلام اعاد صياغة هذه الذات على الرغم من استمرار المعتقدات في الوجود، وسمحت للفرد بإعادة النظر في الاتصالات الممكنة مع السماء خارج النبوة والإمامة، الامر الذي انتج تأويلا آخر لقيمة الذات. من ذلك نرى ان فكرة الألوهية ليست ذاتها عبر الزمان والمكان، والصوفي المسلم تنبه لهذا المعنى، وطور مفهوم القداسة لصالح تجربته، وتطور مفهوم القداسة طبقاً للتصوف الاسلامي يؤشر على مسار لتحقيق الذات في الدنيا، أكثر مما هو متعلق بالبحث عن الخلاص في عالم آخر.ولو تجاوزنا القراءة الاستشراقية للعلاقة بين الاسلام الرسمي والاسلام الصوفي، نجد ان المتن الصوفي قدم تجربة وجودية فاعلة رفعت من قيمة طرح المطلق في الاسلام، وانتصرت للذات بوصفها خائضة لهذه التجربة. وهذه كلها شكلت مسار تجربة جديدة اخترقت الشرع، ومست جوهره الذي تخفى في مشكلات تأويلية، كشفت عنها هذه المتون.
*سكت لحظة، ثم قلت له: وما الاغراء الذي جعلك تقبل على جمع الاعمال الكاملة للحلاج؟
- معلوم لدي الكثير من دارسي الحلاج أن المرحوم لويس ماسينيون أول من قدَّم هذا الصوفي في قراءة متكاملة، وان سبقه غيره في اشارات سريعة، وكنت في واقع الأمر اقتفي أثر ماسينيون بدقة للاطلاع على حقيقة تجربة الحلاج، ووجدت ماسينيون قد ركز جهده كثيرا على كتاب "الطواسين" وديوان الحلاج. وعبر تواصلي مع جهود ماسينيون، توزع عملي الى اتجاهين الاول اضطراري، وهو الرجوع إلى عدد غير قليل من المصادر لقراءة آثار الحلاج لتكوين مشهد يقترب أو يتطابق إلى حد ما مع ما خلّفه الحلاج من نتاج.
والاتجاه الثاني انشغالي بمراجعة قراءة ماسينيون للحلاج، وعبر سنوات طويلة تكدست لدي نصوص تفوق الطواسين والديوان حجما وأهمية، فحلمت بجمع هذه الاعمال في كتاب واحد يغني القارئ عن الرجوع إلى عدد كبير من الكتب لقراءة نصوص الحلاج، فخرجت بكتاب كبير تضمن الطواسين، وتفسير الحلاج، والشذرات الصوفية، فضلا عن مجموعة نصوص أخرى قدمت لي مشهداً دقيقاً عن المدونة الحلاجية، وان كان الاغراء الأساس هو القيام بمراجعة لقراءة ماسينيون، التي كانت تقف في طريقها اعتراضات جوهرية يمكن تحديدها باعتراضات منهجية ومضمونية.
سألته باستغراب: بإمكانك ذكر هذه الاعتراضات؟
- اجاب: لا بأس. ما هو منهجي صرف، فإن ماسينيون قد قدم فكر الحلاج على وفق منهج الفلاسفة ومنهج أهل الكلام، في الوقت الذي وجدت فيه عدم امكانية استعمال نموذج الفلاسفة المسلمين، بفهم انهم ينطلقون من فرضيات أساسية ذات نزعة ربوبية، أمثال الفارابي وابن سينا، في الوقت الذي تختلف فيه العلاقة بين الله والعالم عند الحلاج عمّا هو موجود عند أصحاب التوجه الهيلليني.
ولفتت نظري محاولة ماسينيون لتأسيس قراءة تعتمد منهج الاستبطان والتعاطف، أي اعادة عيش التجربة، وأهمال المنهج الذي ينظم المضمون تنظيما منطقياً. هذا لو أغفلنا الأدلة المتعلقة بفقه اللغة، وأكدنا على الأدلة المنطقية البنيوية، بمعنى ان الاشكال يتعلق بمسائل فلسفية وصوفية وليس باللغة وحدها، أو بالمصطلحات لذاتها. ووجدت نفسي في مواجهة السؤال الأساس في هذا الصدد وهو : كيف يمكن قراءة الحلاج بصفته مفكراً ذا نزعة ربوبية ومتصوفا في الوقت ذاته.
أما الاعتراضات المضمونية، فهي كثيرة سأكتفي منها بما هو رئيس. لقد اعتمد ماسينيون التأويل المسيحي الذي يرفض التأويل الاسلامي العام. بفهم أنه لا يمكن الكلام عن الاتحاد ميتافيزيقياً على أساس انه لا يمكن الايمان بوجود جوهر حقيقي بمعية الجوهر الأصلي، وامكانية أن يؤول الجوهر الحقيقي إلى الجوهر الأصلي وأن يبقى في الوقت ذاته هوهو. فضلا عن انشغال ماسينيون بقضية عقيدة الحلاج الامر الذي تسبب في اهمال فكر هذا الصوفي ورؤيته التي تعد من التجارب الروحانية الكبرى في الاسلام.

* توقف عن الكلام لحظة، ثم سألته بسرعة: من خلال اطلاعي على تحقيقك لأعمال البسطامي، ورسالة ملا صدرا " اتحاد العاقل والمعقول"، اجدك في مقدماتك تميل الى تسليط الضوء على الفكر الشيعي في مقاربة الامور؟ هل الفكر الشيعي يستند في جزء منه على الصوفية؟
- ثمة مفارقة كبيرة تحكم هذه العلاقة بين التصوف والتشيع، وهي اشكالية متعددة الوجوه تناولها استاذي وصديقي البروفيسور كامل مصطفى الشيبي، الذي ناقشت معه هذه العلاقة لزمن طويل، واستطعت اقناعه بالتعميمات التي اوردها في كتابه الشهير ( الصلة )، واعدنا النظر في الكثير من مستويات هذه العلاقة.
هناك أدلة عديدة للرابطة بين الفكر الشيعي والصوفي، أو قيام مساحة كبيرة من الفكر الصوفي على الموروث الشيعي،على العكس مما ذهبت إليه في سؤالك، بخاصة في المسائل التي تنظم العلاقة بين الشيخ والمريد، والامام والتابع له، ولكن الاهم من هذا قراءتي الشخصية لمفهومي الامام الشيعي والولي الصوفي.لأنني أذهب إلى ان فكرة الامامة هي حل لمأزق غياب لحظة لنبي (ص )،أو لنقل توقفها،هذه اللحظة التي أحسَ بفداحتها الرعيل الأول من المسلمين، وهي نضج روحي كبير انتجت لنا استمرار لحظة النبي في شخصية الامام المعصوم،بمعنى جعل النبوة تستمر ( ليس تشريعيا ) في الإمامة، فهذا أمر سمح ببقاء الاتصال مع السماء ممكناً ,لكن عن طريق الامام فحسب. نعم ان المتون الشيعية ترفض هذه الفكرة لكن الواقع العملي سار باتجاه آخر يؤكد ما ذهبت إليه.فالامام نظرياً غير متصل بالوحي ومن مهماته تفصيل ما أجملته النصوص، لكن معتقدات الناس أعطت للأئمة صفات لم تتكلم عنها النصوص النظرية للإمامة. وعند تحول هذه الفكرة من بعدها الروحي إلى البعد السياسي بتنامي الوعي السياسي، أفرز لنا فئة اخرى من المؤمنين، راحت تبحث عن هذا الاتصال في اتجاه آخر، وهو ما يقربنا من اللحظات الاولى لتشكل التصوف الاسلامي، وفي مجمل الاحوال فان الاثنين يشتركان بمصادر غنوصية كانت منتشرة هنا وهناك. وفي تقديري ان لحظة رفض الفكر الشيعي للتصوف الاسلامي هي اللحظة التي حاول الولي الصوفي ان يسلب أو ينافس الامام الشيعي على موقعه وانفراده بالمعنى. وهنا تمت المفارقة، فترى الكثير من الطرق الصوفية ترجع سلسلتها إلى أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع ) مروراً بعلي بن الحسين السجاد (ع )، وترى ان معظم الصوفية كُفِروا على الرغم من ذلك من قبل رجالات الشيعة، وهذا ما حصل مع الحلاج تحديدا، فأول من ألّب عليه الناس وحرض السلطات الدينية والسياسية هم الشيعة من أمثال ابن النوبخت.وابن بابويه.
فضلا عن اختلاف العلاقة التي تربط بين الامام الشيعي وتابعه،وبين الولي الصوفي ومريده، فالعلاقة بين الامام الشيعي وتابعه علاقة محبة مطلقة، ولا يمكن لهذه العلاقة ان تنتظم من دون هذه المحبة ومعرفة حق الامام، بينما تشترط العلاقة بين الولي الصوفي ومريده بالمعرفة قبل كل شيء، ولا تلغي هذه المعرفة المحبة بالطبع، لكنها الشرط الاول لصحبة المريد لشيخه. هذه بعض مستويات التداخل بين المنزلتين، وقد تعرضت لهذه العلاقة في مقدمة كتابي ( ختم الولاية )، وغيره. وان حاول ابن عربي دمج مفهوم النبوة والامامة والولاية في النبي ( ص )، فالنبي هو إمام وولي ونبي، وحل الفكر الشيعي معضلة النشاط الروحي بقضية العرفان، لتلافي هذه التعارضات الواضحة بين الولي والامام.

* كلما اطلعت على مدونة صوفية اسلامية شعرت بنخبوية التصوف، هل يمكن ان نصنف في الاسلام أكثر من تصوف؟. هل هناك تصوف نخبوي كتابي؟ وهل هناك تصوف شعبي يرتبط بالشفاهية؟
- إن تاريخ التصوف طويل كتاريخ الاسلام، إلا ان عماد التجربة الصوفية، انما هو عمل أساس لبناء الفرد، فالتصوف يؤكد على استقلالية الفرد في جوهره، وهو يواصل سعيه نحو المعنى، على وفق هذه الرؤية فإن التصوف في مجاله الحيوي نخبوي كتابي في الأساس، تم تعميمه في ما بعد لصالح مراحل تأريخية انتج شكلا آخر سمي بالتصوف الشعبي، وحتى هذا النوع من التصوف يوفر مخزونا حقيقيا للحكمة تصاغ باللسان الدارج، يمكن تلمّسه في تزايد طقوس الجماعات الطُرقية عندنا وفي البلدان العربية.
* نشرت أكثر من أربعة كتب لابن عربي، وبدت هذه النصوص في مجملها ترتبط بمعالجة إشكالية التأويل والإنسان، كيف يمكن تحديد *مجال هذه العلاقة؟
- تعرض البحث الفلسفي لهذه الاشكالية قبل ابن عربي بزمن طويل، إلاّ ان الاسلام تناولها أيضا ممثلا في طرح ابن عربي على نحو أوضح، وأعتقد ان ذلك حدث بهدف سدّ الفجوات بين أفكار العقائد، عبر تعميم العلاقة بين الله والإنسان من جهة، وبين الإنسان والعالم من جهة ثانية، فقد حدد ابن عربي طبيعة هذه العلاقة بنوع من التماثل والاختلاف، والمقصود هنا الاختلاف الكيفي لا الكمي كما بين ذلك نصر حامد أبو زيد.
وقد تعرض ابن عربي لهجمة عنيفة بتصور انه أشاع أفكار تتعلق بالتماثل بين الله والإنسان، لقد تم فهم هذا التماثل بوصفه تماثلا ذاتياً، والقراءة الكاملة لطرح ابن عربي كشفت عن أن ابن عربي اراد تماثلاً مع صورة العلم الإلهي، ومثل هذا الفهم يلغي أي تماثل بين الذاتين. وهذا ما كشف لي عن المجال الثنائي في فكر ابن عربي، وقد تعرض نصر حامد أبو زيد الى طبيعة هذه العلاقة في دراسته حول ابن عربي، وكشف عن الكثير من اللبس في التوجه الواحدي عند ابن عربي.

* ولكي ابتعد عن الولوج في فضاءات ومصطلحات الفكر الصوفي، قلت له: اين تكمن رؤية المحقق في رأيك؟ الاختيار ام الانجاز؟
- بالنسبة لي في الأقل، أرى ان الاختيار بحد ذاته يعبر عن رؤية ما، ولكن لا يمكن لهذا الاختيار أن يتحقق ويكتسب صفة العمل الذي يمس القارئ دون انجاز متقن، وهذه مسألة خلقت مشكلات كبيرة في الوسط التحقيقي العربي، لذا أعتقد ان تحقيق المتخصص مسألة هامة، فكما هو معروف ان الكثير من المحققين دخلوا في غير اختصاصهم وخلفوا لنا مشكلات فنية وفكرية، بمعنى انه ليس كل من يجيد التحقيق يتوفر على معرفة المجال الاصطلاحي لما يحققه، لذا نشرت الكثير من النصوص عمياء صماء، فقط تم تحويل المخطوط إلى مطبوع يسمح بالقراءة، في حين ظل النص ملغزاً بحاجة إلى إضاءات.
في اعتقادي اننا لا نستطيع تحقيق أي نص خارج مجال عملنا التخصصي، وقد عثرت على الكثير من النماذج الخطية التي حققت على يد من يجهلون المجال الذي ينتمي إليه المخطوط، ولا يعلمون عن اصطلاحاته، وسياقه التاريخي،وأسلوب التفكير داخل نصوصه، الا ما يعرفه القارئ العام، لينشروا نصوصا عديدة حسبت على ما نشر من التراث العربي وهي نشرات لا تفرق عن المخطوط. فضلا عن التركيز على ما هو سائد ومتدوال في نشر النصوص، وتم تجاوز المسكوت عنه في الثقافة الاسلامية، هناك عدد كبير من النصوص الاشكالية، ذات الطرح الجريء والمغاير، لا يسمح بنشرها في كثير من البلدان العربية، مع ان هذه النصوص نتاج ثقافتنا الاسلامية، وكانت متداولة في مساحة كبيرة، من مثل نصوص الملل والعقائد، والنصوص الجنسية، وغيرها.
لقد تم اخفاء هذه النصوص، ولم يتوفر للباحث أو المحقق الاطلاع على هذه النصوص. من هنا ارى ان الاختيار هو الأصل في هذا العمل، يتوجب ان يدعَّم بانجاز متقن ودقيق يوصل النص أو يقربه من الأصل الذي كتبه مؤلفه.

* وأي الخطوط اقرب الى نفسك؟ السبب؟
- اجد راحة كبيرة وأنا أقرأ المخطوطات التي كتبت بالخط الفارسي، والرقعة، والنسخ الدارج، فالخط الفارسي بكل تدرجاته، يحشدني نفسياً لاستبطان زمن ومكان الكتابة، وهذا وضع نفسي توفره العملية الفيزيائية في القراءة، فضلا عن ان هذا النوع من الخط في اعتقادي يفوح بزهو المعاني واختيال الحروف، وهذا الخط يكشف عن روح الحرف وهو يجاهر بالمعنى، أما الرقعة فيوفر لي تتابعاً حسياً بما أقرأ، فضلاً عن تواضعه الهندسي الذي يتطابق في أحيان كثيرة مع ما ينقله من معنى، ويتجسد في كتل حرفية تعبر كل كتلة عن هوية الحرف بوضوح. فيما يتعلق بالنسخ الدارج يعيدني إلى أجواء النساخين وهم يزورون المخطوطات على عجل حين يكثر اللغط في أسواق الوراقين عن كتاب جديد وضعه أحدهم، فتتحرك المقالم وترتج دواة الحبر للسرعة التي ينجز بها الناسخ كتاباً، فوضوح حروف هذا النوع وسلاسته تنسجم وتشريح الحروف التي تظهر بواقعية دون اختيال، أو تضخيم أو زهو، يعود بي هذا الدارج من النسخ إلى تقشف الحياة، وتواضع تفاصيلها وان كانت أسباب ظهوره وشيوعه غير ذلك.

* قلت له – في اخر الحوار: قبل ان اغادر.... اجدك دائما ترجح الافكار الصوفية على غيرها في التحقيق، هل هذا نابع من الايمان بفكر الصوفية ام الانحياز؟
- تركز عملي ولسنوات طويلة على اظهار نصوص صوفية بعينها، واعتقد انني لا انجح لو ذهبت الى مجال اللغة أو تحقيق الدواوين الشعرية. أنا أؤمن بطبيعة التخصص الذي تفرغت له،فقد زرت مكتبات عديدة في العالم تتضمن المخطوطات، ولم تلفت نظري الا مخطوطات التصوف والعقائد، هذا على المستوى الشخصي. أما على المستوى العام فيتركز ايماني بالطرح الصوفي الاسلامي، وهو ما دفعني للتوغل في مدوناته، فالمشروع الصوفي في الاسلام مشروع حيوي وفاعل رفع الطرح الاسلامي إلى مستوى عال في قضية المقدس والمطلق. وأعاد قراءة جوهر الشرع قراءة مغايرة سمحت بكشف الحقيقة، عبر تجارب روحية لصوفية عظام من أمثال الحلاج والنفري والسهروردي وابن عربي وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وغيرهم، هؤلاء الذين كشفوا عن العمى الذهني لفكر ظل لقرون طويلة ينغلق على ذاته متوقفاً عند الظاهر من النص. فعاش هؤلاء الصوفية تجربة وجودية عظيمة سمحت بمناقشة كل ما هو مسكوت عنه عبر منهج مغاير للسائد، وعبروا عن توصلات جديدة لقيمة التجربة الشخصية، ولم يسمحوا بدمج مفهوم التجربة الذاتية بوعي المجموع، وانما انفتحوا على قراءات ملموسة تطابقت خلالها اللغة مع التجربة، مخلفين لنا كبريات الآثار الصوفية التي تعد من ألمع الكتابات الروحية توهجاً وتأثيرا امتد ظلها للشعر والأدب المعاصرين. الاسئلة التي اثارها النص الصوفي أسئلة واقعية لونت الفكر الاسلامي بمساحة من السلام والأمل في مواجهة العنف والقسر، تركت هذه الاسئلة انطباعا عن عمق وعظمة هذا الدين، وكشفت عن ان المعنى لا يحجر عليه، واخترقت هذه الاسئلة تاريخا طويلا من الايمان بظاهر اللغة، لتخلف لنا منهجا جوانياً مشبعا بالحضور الإلهي. هذه الأسئلة كانت اضطرارا بالنسبة لي لاعادة النظر في جوهر الشرع. الذي قتل معظم هؤلاء باسمه، وهم طائفة من الرجال عاشوا وعيا ما فوق شخصي وغامروا برؤوسهم من أجل الظفر بجوهرة الجمال الإلهي.