إيمان إبراهيم من بيروت: ساعات قليلة بقيت على روزنامة العام 2006، ساعات يستعجل اللبنانيون انقضاءها كما يستعجلون مغادرة ضيف ثقيل. ويكاد اللبنانيون يجمعون على أنّ العام المنصرم كان من أسوأ السنوات التي مرّت على لبنان، حيث أرخت الحرب بظلالها الثقيلة على حركة البلد، ما انعكس ركوداً لم يشهد له لبنان مثيلاً منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل 15 عاماً.
الحركة الفنيّة بدّت مغيّبة قصراً عن لبنان منذ اليوم الأوّل للعام 2006، حيث كان اغتيال الشهيد جبران تويني لا يزال الحدث الأبرز، غابت ما عداه من أحداث، فانكفأ الفنّانون بانتظار الأجواء المناسبة لإطلاق أعمالهم الفنيّة.
وحدها إليسا تجرّأت على كسر جمود السّاحة الفنيّة من خلال إطلاق ألبوم quot;بستناكquot; الذي فاق نجاحه كل التوقّعات، تبعتها كارول سماحة بألبوم quot;أضواء الشّهرةquot;، غير أنّ مونديال ألمانيا خطف الأضواء من نجوم الفن، وأصبح نجوم كرة القدم هم الحدث، ولم يكن مستغرباً لجوء شركات الإنتاج إلى تأجيل كل إصداراتها الفنيّة إلى ما بعد الاستحقاق الكروي، الذي ما أن انتهى حتى اندلعت حرب تموز التي استمرّت 33 يوماً، توقّف بعدها نبض الحركة الفنيّة.
لم يحاول أي من الفنانين تخطّي رهبة الحرب وما خلّفته من مآس، حيث كانت العادة أن تقام مهرجانات لإعادة الحياة إلى بيروت، لكنّ حرب تموز طالت نفسيات اللبنانيين، ووضعت الفنّانين في قفص اتّهام لم يجرؤ معظمهم على مواجهته، فانكفأ بعضهم وتداعت القلّة منهم إلى الدّفاع عن نفسها، وتبرير غنائها في الحرب.
الفنّانة نجوى كرم كانت من أبرز الخاسرين في الحرب، فلم تشفع لها مساهمتها في التبرّع للصليب الأحمر اللبناني بسيّارتي إسعاف، وانهالت عليها انتقادات لاذعة من صحف لبنانيّة بسبب مشاركتها في جولة غنائيّة في تونس، في الوقت الذي كان فيه أطفال لبنان يذبحون بلا رحمة.
ولم ينج معظم فنّاني لبنان من انتقادات مماثلة، من الفنانة ميريام فارس إلى الفنّانة نيكول سابا والفنّان مروان خوري، وكانت حفلة شرم الشّيخ التي أقامها الأمير الوليد بن طلال تتويجاً للامبالاة بعض الفنّانين بما يجري في لبنان، ما دفع ببعضهم إلى القيام بجردة حسابات بعد الهجوم غير المسبوق من الصّحافة اللبنانيّة عليهم.
هذا العام شهد انتكاستان للفنّانة الكبيرة فيروز، أوّلها عندما اندلعت حرب تمّوز في اليوم المقرّر لإطلاق مهرجانات بعلبك مع مسرحيّة quot;صحّ النّومquot;، فأعيدت الفنّانة إلى منزلها على متن طوّافة عسكريّة، وما أن انتهت الحرب حتّى أعلن عن تقديم المسرحيّة على مسرح quot;بيالquot; وسط بيروت، غير أنّ تزامن إطلاق المسرحيّة مع بدء اعتصامات المعارضة المفتوحة، دفع بنجل السيّدة فيروز الموسيقار زياد الرحباني إلى الإعلان عن أنّ المسرحيّة ستقدّم ولو حدث إنزال عسكري. وغنّت السيّدة فيروز بحضور آلاف المشاهدين، لكنّ الغصّة كانت أكبر من نجاح يقام على أنقاض وطن شبه مدمّر.
السيّدة صباح لم تكن بأفضل حال هذا العام، فبعد وعكة صحيّة ألمّت بها، أدخلت ابنتها هويدا إلى مستشفى دير الصليب لمعالجتها من الإدمان، وكان لدخول هويدا إلى المستشفى الذي سبق أن دخلته في شبابها للغرض نفسه أثراً سلبياً على نفسيّة الصبّوحة، التي شاهد الجمهور دموعها للمرّة الأولى على شاشات التلفزيون، حين أطلّت لتطلب مساعدة ماديّة لعلاج ابنتها، قبل أن يتكفّل الرّئيس السوري بشار الأسد بمعالجتها على نفقته الخاصّة. لكنّ هويدا لم تستجب لطلبات الأطباء، فغادرت المصح قبل انتهاء فترة العلاج، حيث تقيم اليوم مع والدتها.
الفنّانة جوليا دفعت ثمن مواقفها السّياسيّة هجوماً لاذعاً، حيث طالتها شائعات تدخّل مكتبها الفنّي لنفيها، بدءاً من اتهامها بالمشاركة في الاعتصامات المفتوحة، وتكسير مبنى الإسكوا في بيروت بعيد حصول مجزرة قانا في تموز الماضي.
جوليا قامت هذا العام بمبادرة طيّبة من خلال تقديمها سلسلة حفلات في العالم العربي، يعود ريعها إلى عوائل الجرحى والشّهداء، بعد أن غنّت قصيدة quot;أحبائيquot; المستوحاة من خطاب السيّد حسن نصر الله، وصرّحت علناً عن مواقفها من الحرب الدّائرة مع إسرائيل، ما دفع ببعض الصحف إلى اتهامها بالعمل لصالح فئة من اللبنانيين، لترد عبر quot;إيلافquot; نافية التهم، مؤكّدة أنّ فنّها لكل لبنان.
الفنّانة ماجدة الرومي كانت نجمة هذا العام، حيث أحيت عدّة حفلات ناجحة، توّجتها بغنائها في الشارقة ضمن حفل quot;تيرجع بحرك أزرقquot;، الذي خصص ريعه لتنظيف البيئة البحريّة التي تضرّرت جرّاء العدوان الإسرائيلي على لبنان.
هذا العام شهد صعوداً صاروخياً للفنانة رولا سعد التي أعادت تجديد أغاني السيّدة صباح، في ديو فهمه البعض بأنّه استغلال من رولا للصبّوحة، ما دفعها إلى الاستعجال بإطلاق ألبوم جديد، لتثبت أنّها قادرة على إثبات نفسها بعيداً عن الفنانة الكبيرة التي لم تنكر يوماً أفضالها عليها، غير أنّ اندلاع الحرب وما تلاه من تظاهرات واعتصامات دفع برولا إلى تأجيل طرح الألبوم أكثر من مرّة.
على الصعيد الشخصي لم يحمل العام 2006 إلى رولا إلا المزيد من القضايا التي جرّتها رغماً عنها إلى المحاكم، فضلاً عن استغلال بعض الصّحف لقضايا عائليّة حرصت رولا على إبقائها طي الكتمان منذ انطلاقها.
النجاح كان حليف الفنّانة ميريام فارس هذا العام، بدءاً من تتويجها بلقب quot;أفضل فنّانة جماهيريّة في مصرquot;، وصولاً إلى نجاح ألبومها الأخير الذي حقّق نسبة نجاحات عالية.
إليسا أثبتت هذا العام أنّها نجمة بكل المقاييس، حيث عادت من لندن بجائزة quot;world music awardrdquo; التي أجّجت من حولها شائعات واتهامات حول شرائها الجّائزة، فكان ملفتاً صمتها المهذّب، الذي لم تخرقه سوى بكلمات مختصرة quot;إذا كانت الجائزة مدفوعة فليشتروا مثلهاquot;. وبعيداً عن الجائزة والاتهامات التي طالت إليسا، فقد حقّق ألبوم quot;بستناكquot; نجاحاً كبيراً فاق كل التوقّعات.
نانسي عجرم حافظت على نجاحها، وكان ملفتاً تعاونها مع المخرج سعيد الماروق في كليب quot;إحساس جديدquot;، رغم ما أثاره من شائعات عن خلافات بينها وبين المخرجة نادين لبكي.
الحظ عاكس الفنانة نوال الزغبي هذا العام، حيث تزامنت حرب تموز مع صدور ألبومها الجديد quot;ياما قالواquot;، ما أثر على انتشاره بالشكل المطلوب، كما تعرضت نوال مع أولادها لحادث سير كاد أن يودي بحياتها، نجت منه بأعجوبة. غير أنّ نوال استعادت بريقها في نهاية العام، مع ارتفاع مبيعات ألبومها بشكل قياسي في مصر.
هذا العام شهد ركوداً في الإنتاج التلفزيوني، حيث شهدت المحطّات اللبنانيّة شحاً في إنتاج برامج المنوّعات التي استعاضت عنها ببرامج سياسيّة. وكانت خطوة المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال في إطلاق برنامج quot;ستار أكاديمي4quot; ملفتة في هذه الأجواء، مع لجوء معطم المحطّات الإخرى إلى تأجيل أو إلغاء برامجه، لكنّ السؤال هل كانت خطوة المحطّة لصالحها؟ الجواب سيظهر حتماً خلال أسابيع، مع أنّ كل البوادر تشير إلى أنّ المزاج العام في لبنان، لم يعد يحمل برامج منوعات لا تحاكي المرحلة بسوداويتها وتداعياتها بانتظار انتهاء هدنة ما بعد الأعياد.
فهل سيحمل العام 2007 السلام للبنان بعد سنتين قاسيتين؟
بانوراما 2006 الفنيّة...حصاد لبنان
هذا المقال يحتوي على 959 كلمة ويستغرق 5 دقائق للقراءة
