السعوديون والعراق: اللعب في الشوط الإضافي؟
لم يستطع السعوديون، بكل دهائهم وحنكتهم الدبلوماسية، الوقوف في وجه الرغبة الأمريكية في احتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين .ولذلك فقد آثروا أن يكونوا جزءا من "خطة الهجوم "على العراق، فقد تم إبلاغهم بـ"خطة الهجوم "قبل غيرهم كما يذكر الصحفي الأمريكي بوب وودورد في كتابه الشهير "خطة هجوم "الذي فضح فيه نوايا الإدارة الأمريكية في احتلال العراق.
كان احتلال العراق شاهدا على أزمة وعلى تحد كبير يواجه بقايا النظام الإقليمي العربي ممثلا بالسعودية ومصر وسوريا، ولكن السعوديين لم يحسنوا إدارة الأزمة وتركوا الرياح تجري بما لا تشتهي السفن السعودية،فقد بدا عليهم الانفعال والارتباك معا، وسرعان ما تبين أن ثمة قشعريرة باردة تسري في أوصال النظام السعودي، مع كثرة التعليقات والتلميحات التي يبديها قادة البيت الأبيض ومحافظوه الجدد، فقد صور النظام التعليمي السعودي على انه مصنع للإرهابيين، وان النظام السعودي لا يسمح لمواطنيه بقليل من الهواء، هذا عدا عن حرية المرأة في السعودية التي قيل الكثير في تغييبها، وأن النظام السعودي منذور للتغيير على يد قادة البيت الأبيض، بعد أن يستقر لهم الحال وبعد أن يتمكنوا من نشر رسالتهم الخالدة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
على مدى عامين، بعد احتلال العراق، انكفأت السعودية على نفسها، وتكورت داخل تلابيب دبلوماسيتها الهادئة التي وجدت نفسها منساقة تحت الرغبة الأمريكية في شرق أوسط جديد .كانت السعودية تعلم أن وجود نظام عراقي تابع لأمريكا ويقف فوق أهم بحيرة نفطية في العالم، سوف يفرض عليها أمورا عدة، تراجع دورها الإقليمي العربي، وتراجع علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية الى الدرجة الثانية بعد الزواج من الضرة الجديدة، والانجرار الى علاقات مشاحنة جديدة، حرصت السعودية دائما على استبعادها.
من الانكفاء الى المبادرة، كانت الأمور تسير دائما في ذات الاتجاه، فالواقع العراقي يهدد بتذرر البلد بين شيعة وسنة وأكراد لهم حصة الأسد في كردستان وحصة النمر في العراق كله، وهذا من شانه أن تكون له انعكاسات سلبية داخل السعودية وتحديدا على حدودها الشرقية النفطية، فالنفوذ الإيراني في العراق الذي يهدد بسحب البساط من تحت أقدام الأمريكيين الذين حاربوا نيابة عن إيران كما كتب الكثير من المحللين الاستراتيجيين، من شأنه أن يجعل إيران على حدود السعودية وهذا ما قاله الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية الذي قال :إننا حاربنا لمدة عدة سنوات لإبعاد إيران عن العراق، بصورة أدق أيضا عن السعودية، فلولا العراق وحرب الخليج الثانية التي تجرّع الإمام الخميني كأسها كما ذكر في رسالته الشهيرة عند انتهاء حرب الخليج الأولى، لكانت السعودية أول المتضررين من فكرة تصدير الثورة الإيرانية.
يعرف السعوديون عن كثب حقيقة النفوذ الإيراني في العراق، الذي يتدخل من اكبر الأمور الى أصغرها، ويدرك السعوديون جيدا أن حكومة الجعفري هي حكومة موالية لإيران مائة في المائة، وان الميليشيات الطائفية الشيعية تتلقى دعمها وتمويلها من إيران، ويدركون جيدا أنهم عاجزون تماما عن حماية حلفائهم التاريخيين في الوسط العراقي او حتى إمدادهم بما يحتاجون،فتهمة مساندة الإرهاب جاهزة للاستثمار جيدا من قبل الأمريكيين.
لقد أصبحت الكرة في الملعب السعودي، وهذا ما يثير القلق الذي عبر عنه وزير الخارجية السعودي، فراح يحذر من النفوذ الإيراني، وينبه الأمريكيين الى غفلتهم، داعيا العرب الى الصحو من نومهم وهم الذين يغطون مع السعودية في سبات عميق، وهذا ما أثار حفيظة الحكومة العراقية ممثلة بوزير داخليتها جبر صولاغ، الذي راح ينعت وزير الخارجية السعودي بأبشع الأوصاف التي يستعيرها من قاموسه الاستشراقي الأعجمي .واصفا إياه بأنه لا يزيد عن كونه بدويا من أهل الجمال، وأين هو من حفيد حمورابي جبر صولاغ؟.
واقع الحال، أن السعودية تتحرك على الأرض بعيدا عن المهاترات التي لا تعيرها اهتماما، وأنها تقف وراء المبادرة العربية التي يقودها أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى وحيث وصل وفد الجامعة الى العراق،في إطار مهمة مصالحة وطنية، والذي من المقرر أن يزورها- أي عمرو موسى- في آخر هذا الشهر.
في رأيي، أن واقع الحال العراقي، يتطلب من دول الجوار الجغرافي العربية بالأخص والمعنية بمستقبل العراق، أن تقرن مبادراتها بالعمل على أرض الواقع العراقي، بدعم مادي ومعنوي للقوى العراقية، السنية والشيعية المتضررة من الاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني معا،وهذا يتطلب حالة من التواصل مع قوى التغيير اللا طائفية واللاعرقية في العراق والتي تطمح الى عودة العراق الى البيت العربي، من هنا أهمية المبادرة السعودية التي تأتي في الشوط الإضافي أو المستقطع كما يقال في المباريات الرياضية والتي تقطع مع حالة الانكفاء والارتباك التي عرفتها الدبلوماسية السعودية في العامين الأخيرين، تأتي إدراكا لواقع عجز الأمريكيين عن إدارته، فوقفوا محرضين ومتفرجين عليه، فهل يقبل السعوديون التحدي.... ذلك هو السؤال المطروح عليهم فإما أن يكونوا راكبي جمال حقا كما جاء في الاتهام البذيء لوزير الداخلية العراقي، وإما أن يركبوا زمام المبادرة فيغيرون واقعا عراقيا ما زالوا يتفرجون عليه؟.
