في نهاية »حزيران« يونيو الحالي ينتصف العام الخامس بعد الألفين! وفي ظني أن الشهور الستة القادمة ستحمل في طياتها من الأحداث والتغيرات الجذرية في مسار مصر السياسي ما يجعل تاريخ 2005 علامة فارقة في التاريخ المصري كله والمسألة لا تحتاج الي تنبؤات عرافين أو قارئي كف أو ضاربي ودع لكي نؤكد ما نراه جميعا بأعيننا شاخصا علي الساحة في وضوح شمس النهار!

التوقعات بين التفاؤل والتشاؤم
وإذا كانت التوقعات تجمع علي حتمية التغييرات الجذرية خلال الشهور القادمة إلا أنها تختلف في التحليل وتخيل السيناريوهات القابلة للتنفيذ وتتراوح بين النقيضين: التفاؤل والتشاؤم! المتفائلون ـ وأنا منهم ـ يؤمنون بميكانيكية التاريخ وبأن تردي الأحوال في بلد ما وبلوغه أقصي درجات السوء والانهيار لابد أن يتبعه نقيضه.. فيكون الرد عليه هو الحركة في اتجاه عكسي نحو تحسن الأحوال وتسارع عملية الإصلاح وإعادة الحياة الي ما أصابه الموات في جسد الأمة.. أما المتشائمون فهم من تعودوا مناخ الجمود والرتابة والتكلس وسكنوا فيه الي أحاسيس الزمان الزائف.. التي توهمهم بأن الحركة فوضي والسعي الي التجدد ليس إلا قفزا الي المجهول.. وأن بقاء كل شئ في مكانه بحجة »الاستقرار«
هو الأسلوب الوحيد الذي يضمن السلامة والبعد عن »الخضايض«.. وغني عن الذكر أن فريق المتشائمين هو فريق »الحكام« وبطانة السلطة وكل الهاجعين في أحضانها وفي كتلة الناس الذين تناولوا سم »الخنوع« و»الاستسلام علي جرعات ولقنوا في نوع من غسل الأدمغة Brain wash مقولات »اللي نعرفه أحسن من اللي مانعرفوش«، و»آهي ماشية«، و»اللي يتجوز أمي أقول له يا عمي«، و»اذا فت علي بلد بتعبد التور حش وارمي له«، »طاطي للحكام تخلي من الملام«، .... الي آخر كل المأثورات المريضة التي أفلحت عقود التيبس والتخشب في ترسيبها داخل عقول ملايين البسطاء من أبناء هذا الشعب!

علي أنه بعيدا عن التفاؤل والتشاؤم يتأكد كل يوم لدي جميع المصريين أن هناك ما يحدث.. هناك ما يتفاعل علي السطح ويعبر عن نفسه فيما يتوالي كل يوم من أحداث.. وأن الصخب الذي يترامي الي أسماع في الشارع والصحافة والفضائيات ليس لغطا عاديا ما ينجم عن ظواهر مؤقتة.. بل هو »هسيس« غليان الماء في مرجل ضخم بحجم الوطن كله! ويري المصريون بوضوح أن تصاعد الالتحامات والتناقضات والاستقطاب الحاد الذي يعبر بشكل غير مسبوق عن الانفصال بين الشارع والنظام هي مجرد بدايات وإرهاصات لأمر جلل يوشك أن يتحقق علي أرض مصر.. وأن مظاهرات الاخوان المسلمين وحركة كفاية وما حدث يوم الاستفتاء أمام نقابتي الصحفيين والمحامين وحول ضريح سعد وما أظهرته أجهزة الأمن من عصبية أفقدتها الرشد ودفعتها لانتهاج أسلوب قمعي نازي تجاوز كل الحدود والحرمات بمشاركة ومباركة ثابتة ومشهودة للحزب المتورم المتخم بأعداد غفيرة تعودت دخول كل تشكيل يرأسه الحاكم بحكم خشية السلطة والطمع في قضاء الحاجات وكان علي رأس فرق »البلطجة« التي شكلها مغتصبو حرية الوطن كوادر من »دكاترة« تربوا علي الغوغائية وتسابقوا في تقديم الولاء المشفوع بأشلاء كرامة وأعراض مواطنيهم قربانا علي مذبح السادة المتكنفين بأجهزة السلطة تكييفا مركزيا شاملا.. كل هذا وما سبقه وما سيلحقه »وسنري العجب العجاب في سبتمبر ونوفمبر القادمين اذا كان لنا عمر« دليل علي أمر أساسي خبرناه جميعا في تاريخنا وتاريخ الأمم الأخري فيما قرأناه وتعلمناه..وهو أن النظم التي تنتابها العصبية وتلجأ الي العنف وتحيل التعامل مع الجماهير الي أجهزة الأمن السياسي البوليسية الهيملرية »نسبة الي خالد الذكر الهر هايزيش هيملر رئيس الجستابو في ألمانيا النازية«.. تلك هي نظم تحس باهتزاز الأرض تحت الكراسي فتندفع لتأكل في آخر زادها مطبقة المثل الشهير »كتر م الفضايح.. ما دمت رايح«!

حرارة الصيف وخريف البطريرك!
فلا شك إذن في أننا قد بدأنا صيفا ساخنا بحق ! والصيف الحار في مصر يتوافق دائما مع سخونة الأحداث الكبري.. وكأنه كما يذيب اعصاب البشر يذيب كل التكلسات المتصلبة في مفاصل البلد.. وها نحن بعد مضي كل هذه السنوات التي قاربت نصف قرن أو تعدته نري وطننا أشبه بمن تعرض لحادث جسيم خرج منه وقد وضعت أطرافه كلها في »الجبس« فقبع في مهجعه لا يقوي علي الحركة ولا يخطو من مكانه.. شعب كامل زاد تعداده من ثمانية عشر مليونا فجر الثالث والعشرين من تموز يوليو 1952 الي سبعين مليونا أو يزيد ينطرحون أرضا رازحين تحت ثقل نظام أشبه بقميص الجبس.. فضمرت اعضاء الحركة حتي كادت تذبل وتسقط.. واستعرض جسم »الوطن سكانيا« وزادت وتفاقمت أوصابه وأمراضه حيت ظل قعيدا تقلص قواه شيئا فشيئا ليصبح كيانا ساكنا بلا نأمة حياة تدب في أوصاله!

هل أقول أننا يئسنا وفقدنا الأمل واستسلمنا لتقدر غشوم خيمت ظلمته علينا كاللعنة؟ هل أقول اننا تمهاينا مع »النظام« حتي ظن سدنته وبطانته أننا حقا نذوب عشقا في العبودية وندين بالحياة لمستعبدينا؟ هل استمرأنا دعاوي الملأ حتي اعتنقناها وبتنا لا نرضي عن »فراعنتنا« المحدثين بديلا؟ وهل صدقنا في نهاية المطاف أننا حقا ـ ودون سائر شعوب الأرض ـ لسنا جديرين بالديمقراطية لأننا لم ننضج لها ولم نستعد بعد لفهمها وممارستها؟
.. ربما.. ولكن... يفعل الزمن فعله وينفذ التطور مشيئته وأحكامه! ويتحرك الجسد الخامل.. ويتململ.. ويدير رأسه ليتأمل العالم حوله ثم يعيد النظر الي حاله.. ويأنف أن يظل رهين محبسه.. ويقرر أن ينفض عنه ضلالات العالم السفلي الذي أودعه فيه جلادوه وسالبو حريته.. واستجمع كل ما لديه من قوي ليبدأ في التخلص من قميص »الجبس« يأتي صيفنا الحار في العام الخامس بعد الألفين ليري مصر غير التي توالت عليها أصياف خمسين عاما سالفة.. مصر تتحرك.. تتأهب من رقادها.. تسعي لاستردادها حريتها.. مصر »تفك الجبس« وتذيب بحرارة غضبها وليس بحر صيفها ما ترسب من دهون وجلطات في شرايينها.. وسيأتي الخريف القادم ويشهد مقومات انتهاء النظام البطركي Patriatric الذي يسبغ فيه الحاكم سيطرته »الأبوية« التي لا تقبل التحدي ولا النقاش علي شعبه »خريف البطريرك اسم رواية للكولومبي العبقري غابرييل غارسيا ماركيز.. هل نري العلاقة؟«.
وفي نهايات الخريف سيقطع المصريون الشك باليقين بعد أن يراقبوا هم - ، وقبل مراقبي الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي في لجنة كارتر أو ايما ما كان شكل الرقابة الدولية - ماذا تفعل السلطة الديكتاتورية لحزب النظام الحاكم بالفرصة السانحة للتحول السلمي الي الديمقراطية؟ وهل ستنتهزها حقاً لتنقذ نفسها وتبيض صفحتها الأخيرة وتحظي من المصريين بصك الغفران.. أم ستضيعها وتظل سادرة في غيها.. وتحشد ميليشيات البلطجية بشعارها المبتكر »الإصبع الوسطي المقوسة« ثم تصدر بياناتها المنقوعة في »مباول الكذب والعهر السياسي؟

* »مفيش فايدة« !!.. يقولها صديقي الذي يفوقني في الحكمة وبعد النظر ويضيف »أنهم« يدافعون بالرمق الأخير! و»حلاوة الروح« تجعلهم أكثر عصبية وتفقدهم ما بقي لديهم من آدمية.. لذا فسنشهد منهم أضعاف ما شهدنا يوم استفتاء الأربعاء الكئيب.. ولن يكتفي »دكاترتهم« بهتك الأعراض وضرب البونيات وتمزيق الثياب.. بل ربما بلغت رفساتهم ونطحاتهم مسايل الدماء!

الأعذار الأقبح وذنوب لا تغفر
بأي منطق وطبقاً لأي مشورة خرج علينا الدكتور المتحدث باسم رئاسة الجمهورية معلنا الرأي »الرسمي«. الذي نفترض بالطبع انه رأسي الرئيس فيما جري من اعتداءات همجية علي المواطنين في يوم الاستفتاء .. وهو رأي يعلق علي الأحداث بنغمة تهوين واستخفاف مؤسفة حقاً فحواها انها »حوادث فردية« تم تناولها بنوع من المبالغة.. وذلك بدلاً من ان يدلي سيادته ببيان صارم شديد اللهجة يعبر عن أسف الرئيس الحقيقي لما جري ويعد بالضرب علي أيدي مرتكبي هذه
الأحداث وأيدي محرضيهم! أما التصريح أو البيان بالصيغة التي خرج بها فيدل دلالة واضحة وقاطعة بأن الرئيس لا يتلقي مشورة مخلصة صادقة.. فالرأي السائد في »الأوساط« المقربة في الحكومة وحزب السلطة أن ما حدث »ربما« كان خطأ تسبب فيه »حماس« بعض كوادر الحزب.. ولكنه ليس نهاية العالم و»إيه يعني لو أربعة أو حتي عشرة انضربوا ولا اتقطعت هدومهم أو هتك عرض النساء منهم؟.. هناك آلاف لم يحدث لهم هذا..«.
بالضبط هذا هو المنطق الذي صدر عنه البيان.. ولا يمكننا ان نرد عليه إلي ان نهتف »ياللعار!« .. أي نظام هذا الذي لا يدرك ان سحق كرامة مواطن واحد هو سحق لكرامة الوطن كله؟.. فأي مصري في حد ذاته.. وأي مصرية في حد ذاتها تلخيص للوطن.. ومصغر رمزي له!
أليس مزرياً ومخجلاً حقاً أن يكون الرئيس الأمريكي جورج بوش هو من يغضب لما حدث وهو الذي يطلب التحقيق ومعاقبة الجناة ويحذر من تكرار المهزلة في الانتخابات القادمة سواء كانت انتخابات الرئاسة أو انتخابات البرلمان؟! ألا نشعر بفداحة ان »يعنف« بوش »النظام المصري« منبها الي تصريحه القديم بان مصر جديرة بان تقود التحول الديمقراطي في المنطقة وان ما حدث يتناقض مع هذا تماما؟
الي اي مصير يدفعنا الحزب الوطني الديمقراطي بعقلية العناد الأحمق التي تقوده وتقودنا الي الهاوية؟ أيدفعنا لكي يكون ملاذنا الأخير هو سيد البيت الأبيض نطالبه بأن تمد بلاده يد المعونة للشعب المصري لكي يحصل علي حقوقه السياسية كاملة غير منقوصة ويتخلص من »الاحتلال الداخلي« الجاثم علي أنفاسه؟ أهذا ما يريده المتشدقون في الحزب بان يكون الاصلاح من الداخل؟ أليس الداخل الذي يقصدونه هو »داخل الحزب ودائرة السلطة فقط«؟ وأن الاصلاح الذي يتحدثون عنه ليس أكثر من تغيير اللافتات وصك الشعارات الجديدة؟

* قال صديقي الحكيم: هدئ اللعب! وخفف الوطء وحاول ان تنظر الي رأس الذئب الطائر! سألته عما يعني فأجابني: المناخ خطر والوقت حرج وملتبس.. وتلفيق القضايا.. وتسجيل المكالمات .. وفرق التأديب.. كلها »آليات« السلطة البوليسية في التعامل خاصة إذا حوصرت وضيق عليها الخناق .. وتذكر جمال بدوي .. وعبدالحليم قنديل.. و...
وقاطعته: لا أعتقد انهم يرغبون الآن بالذات في إضافة مآثر جديدة تضاف إلي سجلاتهم ومع ذلك .. فالمثل يقول: أذا خفت ما تقولش.. وإذا قلت ما تخافش.. وخليها علي الله!

اللي يشتري يتفرج
منذ سنوات خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي حدثت موجة من هجوم فرق المسرح الهزلي وأصحاب »كومبينات« التجارة المسرحية علي سوريا ولبنان.. وكان أبطال هذه الموجة مجموعة من الممثلين »الكوميديانات« أرباب ما تسمي بمسرحيات الصيف التي لم تكن تقدم إلا أردأ وأسوأ وأرخص أنواع فن الزغزغة الفجة والكوميديا المرتجلة الغليظة.. ونجوم هذه العروض معروفون.. وقد توالت هجماتهم حتي صار المسرح المصري »فضيحة« متكررة في القطر الشقيق وسلقتنا كتابات النقاد هناك بألسنة حداد حتي اضطرت وزيرة الثقافة السورية وقتها د. نجاح العطار الي اصدار قرار بمنع أي عروض مصرية من هذا النوع في سوريا! هذه الموجة عادت للظهور من جديد .. هذه المرة ترمي نفسها علي شواطئ الخليج! فقد نشط السماسرة ومتعهدو »الترحيلات« الفنية في تنظيم رحلات »فنية« تتكون لكل منها »كومبينة« من الممثلين يقودها مخرج خبير بمسرح »الهلس« الي مدن السعودية أو دول خليجية أخري.. حيث تقام في الصيف هناك مهرجانات عديدة للتسوق في الأسواق التجارية.. وكنوع من تنشيط الحركة في السوق يقدم لرواد السنتر عرض تمثيلي يشاهد فيه ممثلين مصريين بينما يتسوق ويلعب .. أي أنه يشتري ويتسوق.. وبالمرة يتفرج علي »الأراجوزات« ممن ينتسبون الي الفن المصري يقدمون له أي تمثيل.. ليضحك ويهرش ويتجشأ.. وينام إذا أراد.. هكذا وصلت تجارة الفن إلي حضيض المسخرة والنخاسة الفنية.. ومنذ ثلاث سنوات أو أكثر تتابع رحلات السادة الممثلين والمخرجين .. يرسلهم مقاول »الترحيلة« ليسلوا »المتسوقين« و»المتسكعين« مقابل ريالات أو دراهم يعودون بها مقابل كرامتهم وكرامة الفن في بلادهم!

ماذا أقول؟
أنا لا تحضرني الآن إلا كلمة واحدة.. إخص!!
إخص مهداه مع التحية إلي نقابة المهن التمثيلية »وبعض من أعضاء مجلس إدارتها علي رأس الرحلات المكوكية عبر البحر الأحمر!«.
ونفس »الإخص« نهديها إلي الصحف التي تتابع أخبارهم وتسمي سفرياتهم »رحلات عمرة«! .. وهي »العمرة« التي أصبحت »موضة« الفنانات والفنانين.. وأسرارها لا تخفي علي أريب! لكن الله أمر بالستر.. ومنكم لله.. ولضميركم.