رئيس الوزراء السوداني السابق يحذر من الهيمنة الثنائية والاستبداد
المهدي: "نيفاشا" ناقص و"القاهرة" أكثر نقصاناً و"أبوجا" غائب و"الشرق" مفتوح
حاوره في الخرطوم: عماد حسن
تمسك الامام الصادق المهدي زعيم حزب الامة القومي المعارض في السودان بمواقفه تجاه اتفاقيتي نيفاشا والقاهرة، وأكد ان موقف المعارضة فرض عليها بسبب الهيمنة الثنائية بين الحكومة والحركة الشعبية، وأن المعارضة الحالية مختلفة تماما، من حيث تصورها ومن حيث وسائلها، عن المعارضة التي نظمت في عام 1995 كتطوير لموقف التجمع الوطني الديمقراطي. ومواقف المهدي في حواره مع “الخليج” تستكشف رؤية الحزب في عدد من القضايا السودانية الشاخصة الآن والمستقبلية، وأن حزبه لا يزال يراهن على ان “المطرودة ملحوقة” وهذه المطرودة هي الديمقراطية والاجماع الوطني والحريات والتعددية الحزبية، كما راهن على ان الانتظار يستند الى ثقة كبيرة بأن قوى كثيرة متحالفة الآن مع “الثنائية” ستحلق بتحالف المعارضة الذي يتزعمه. وأجمل المهدي خلال الحوار رؤيته حول قضايا دارفور “المفصلية” والشرق كجبهة مرتقبة تمضي على خطي جبهة الجنوب واتفاق القاهرة الذي وصفه بأنه “مأمول”، وليس محققاً واتفاق ابوجا “الغائب”، وغضب حزبه من الادارة الامريكية، ورؤيته لمستقبل حكومة 9 يوليو/تموز وما بعدها، وعدد من القضايا في الساحة السودانية.. وتالياً الحوار:
نهاية الاستقطاب.. حكم ثنائي بأحزاب موالية وتحالف معارض جديد
حزب الامة اختار المعارضة، هل سينجح في تغيير ما لم يتحقق في الفترات الماضية من معارضة مسلحة وضمن منظومة التجمع؟
- أولا نحن لم نختر المعارضة وإنما فرضت علينا، لسبب بسيط يفسره بيت الشعر القائل “القاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء”.. عرض علينا اتفاق ثنائي يقوم على التمكين لحزبين، وينفى دور الآخرين بحيث أنه لا يحقق سلاما شاملا وعادلا، ويضع التحول الديمقراطي تحت وصاية ثنائية، هذا الأمر هو الذي جعلنا في موقف لا خيار لنا معه إلا أن نعارض، لأننا قلنا بوضوح فليكن اتفاق الطرفين ثنائيا ونحترمه في حدود الثنائية. ولكن احتراما للآخرين يجب أن توجد آلية جامعة لتنظر في الثنائية وتطورها إلى قومية أو جماعية، لكنهم رفضوا هذا الطلب من دون أي مبرر، ولا يوجد أي مبرر لهذا الرفض، إلا إذا كان الطرفان يعتقدان أنهما وحدهما القوى السياسية السودانية، وهما يعترفان بوجود قوى سياسية سودانية أخرى، بعضها مسلح وبعضها الآخر مدني، لذلك فإن الحرص على اعتبار الثنائي جامعا خطأ كبير ويضع الآخرين المقبلين حتما في موقف المعارضة، ونحن وضعنا في موقف المعارضة، طبعا يجب على أي حكم ديمقراطي أن يتيح فرصة لمعارضة داخل مؤسساته، ومعارضة خارج مؤسساته، عبر أجهزة الإعلام والمجتمع المدني والأحزاب السياسية الى آخره، نحن سنمارس هذه المعارضة بهذه الطريقة.
هل ستنجح هذه المعارضة في تغيير ما تعارضونه؟
- قطعاً هي ليست معارضة مطلقة لكل ما اتفق عليه، فكثير مما اتفق عليه نحن موافقون عليه سلفا. وقعنا مع الحركة الشعبية عام 1995 اتفاقاً في اسمرا وما زلنا ملزمين ببنود ذلك الاتفاق، كما وقعنا مع الحكومة اتفاقاً في نوفمبر 1999 سميناه “نداء الوطن” ومازلنا نعتبر أنفسنا ملزمين بذلك، فكثير مما ورد في هذه الوثائق أعيد إنتاجه في اتفاقية السلام وهذا نؤيده تلقائيا، لكن ما نعارضه في اتفاقيات السلام هو التمكين الثنائي وتهميش دور الآخرين، ونعتقد أن واجبنا أن نعارض هذه الجوانب غير المشروعة ونعارضها بصورة مدنية، ونعتقد أننا نوافق على البنود التي يمكن أن نسميها اللبنات الأساسية لوقف الحرب، ونعارض البنود التي نعتبرها أساساً لتكريس تمكين ثنائي غير مشروط، ونعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون فيها حتما ممارسات استبدادية وفساد ونعتقد أن معارضتنا ستكون بالمرصاد لهذا الاستبداد والفساد والاستعداد للانتخابات العامة.
دورالمعارضة
لا يزال السؤال هل ستكون معارضة اكثر او اقل فاعلية من تلك الماضية؟
- نحن نقول: ما تحقق حاليا لم يكن بسبب رحمة أو منحة من أحد ولكنه بسبب المعارضة القوية جدا التي واجهها النظام الشمولي. ونحن لا نعتقد أن ما تحقق - مع أنه لا يزال ناقصا- تحقق من دون التضحيات التي قدمناها،و التضحيات التي قدمناها أسهمت بشكل فاعل وكبير فيما تحقق ولو نظر الإنسان الى الفرق بين ما ورد في اتفاقية السلام، وما ورد الآن في نص الدستور المقدم الى المجلس الوطني فإنه سوف يجد أن هناك تعديلات، ولولا معارضتنا لما تمت هذه التعديلات، هناك بعض التعديلات نتيجة لهذه المعارضة، وستتم تعديلات أخرى نتيجة لهذا الموقف، المهم اننا سنستمر في المعارضة إلى أن يتحقق السلام. ونعتقد أن المعارضة المسؤولة الجادة دائما لها دور كبير، نحن سنواصل هذه المعارضة الى ان يتحقق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الحقيقي، ونعتقد أن الشعب السوداني بأغلبيته يريد منا أن نقف هذا الموقف.
لماذا فعلتم هذا؟
ما هو مصير تحالفاتكم السابقة مع اطراف تنفذ هذه الشراكة الثنائية او تتحالف معها؟ وهل سيقف الحزب متفرجا حتى نهاية فترة الحكومة الانتقالية انتظارا للانتخابات؟
-نحن أجبرنا على هذا الموقف، والسؤال يجب أن يطرح على الناس الذين عقدوا هذه الصفقات، كيف يعقدون مثل هذه الصفقات ويغيّبون هذه القوى حزب الأمة وحزب المؤتمر الشعبي وقوى كثيرة جدا، كما غيبوا حركات مقاومة مسلحة في الغرب والشرق ان هؤلاء جميعا مغيبون الآن، كيف يمكن أن يتم تغييب هؤلاء جميعا وتسمي اتفاقك شاملا “هذا كلام وهمي” والسؤال لهم: لماذا فعلتم هذا بينما كان متاحا لكم أن تجمعوا الآخرين وهم ينطلقون من مواقف عقلانية ومعقولة.
لسنا وحدنا
ليس الجميع يرون ذلك فقد انضم آخرون الى الركب؟
-أنا لا اعتقد ان الاخرين انضموا، ولا اعتقد ان “التجمع” مثلا في نهاية المطاف سيلحق بهذا الاتفاق كما يتوقع البعض. هناك توترات شديدة، وفي نهاية المطاف جزء كبير من قوى التجمع سيقف معنا، ليس مع حزب الأمة، ولكن مع موقف شعبي يتطلع إلى سلام عادل وشامل. من فصائل التجمع حركات دارفور والشرق وهي بعيدة الآن عن هذا الاتفاق، وهؤلاء كانوا بعض فصائل التجمع، بالأمس الأخ نقد تحدث بصورة أقرب إلى لغتنا وليس إلى لغة الانخراط، أنا اعتقد أن هناك توتراً أساسياً داخل الاتحادي الديمقراطي، قواعد هذا الحزب تتحالف معنا في الجزيرة والجامعات من منطلق مشترك، إذن انا لا أرى ان حزب الأمة وحده هو الذي أبعد، فكل هذه القوى في حقيقة الأمر قد أبعدت. أنا أعتقد أن السؤال يجب أن يوجه إلى طرفي التفاوض لماذا حرصتما على احتكار الأمر بينما كان متاحاً لكما أن تشركا الآخرين فيصبح الاتفاق قوميا، وما نحن فيه الآن من موقف أجبرنا عليه، والشعب في أغلبيته يدرك هذا تماما، يدرك انه لم يكن أمامنا خيار.. صحيح أننا لا نتحدث بلغة متطرفة أو إقصائية ولكنها لغة الحرص على الحقوق التي أهدرت.
التجمع مرحلة انتهت
حزب الأمة يتهيأ الآن لزعامة تحالف معارض جديد يعتقد أنه بديل للتجمع المعارض، ما هي آليات هذا التحالف وفرصه في النجاح؟
- عندما كونا التجمع الوطني الديمقراطي كان الموقف مختلفا تماما، كما ان التجمع الوطني الديمقراطي تم تكوينه في ظرف استبعد فيه النظام السوداني كل القوى السياسية - غير الجبهة القومية الإسلامية - وأعلن الحرب الجهادية على جيش الحركة الشعبية. ان تلك الظروف هي التي خلقت الظرف الموضوعي الذي فيه كوّنا التجمع الوطني الديمقراطي، هذا التجمع استمر إلى أن بدأ يتصدع عام 9991ک نحن كنا قد وصلنا في عام 1999 إلى رأي هو أن توحيد العمل السياسي ضد النظام في برنامج المواجهة العسكرية لم يعد منطقيا، عندما تأكد لنا أن النظام فتح هامش الحرية، لذلك قررنا أن واجبنا هو أن نحتل هامش الحرية هذا على أساس أن هذا هو الطريق الأقصر، لتحقيق التحول الديمقراطي المطلوب، وقلنا في ذلك الوقت نحن نفهم أن تستمر الحركة الشعبية في عملها العسكري إلى أن تبرم اتفاق سلام، ولكن القوى غير العسكرية يجب أن تتحول إلى قوى مدنية سياسية، وفي ذلك الوقت تأكد أن التجمع بصورته القديمة انتهى..لم يعد واردا.. والحقيقية أنه منذ ذلك الحين صارت الحركة الشعبية تفاوض بصفتها صاحبة الكلمة العليا داخل التجمع وتتوقع من بقية فصائل التجمع ان تبارك ما تتوصل له، وهذا ما حدث حتى النهاية.
لذلك ما حدث بعد عام 1999 هو أن من بقي من فصائل التجمع صار أشبه بقوة مدنية تساعد الجيش الشعبي إلى أن وقع على الاتفاق في يناير/كانون الثاني ،2005 كل ذلك يدل على أنه لم يعد للتجمع أي دور مستقل عن الحركة الشعبية وجيشها، وهذا كله يعني أن التجمع بعد عام 1999 تغيرت طبيعته الأولى التي وحدت كل القوى السياسية في الشمال وفي الجنوب ضد النظام بوسائل شاملة كاملة بما فيها المواجهة العسكرية. المعنى هذا تغير، وما نحن بصدده الآن مختلف تماما، هذه مرحلة مختلفة، اولا ليست فيها مواجهة عسكرية كما كان الامر في التجمع بالبداية وما نصت عليه قرارات اسمرا ،1995 كما أن المعارضة الآن لا تشكل معارضة شاملة في كل شيء.. انها معارضة لبعض وجوه التمكين الثنائي ولاعتبار الاتفاق شاملا وهو غير شامل، فإذن المعارضة التي نتحدث عنها الآن مختلفة تماما، من حيث تصورها ومن حيث وسائلها، من المعارضة التي نظمناها في عام 1995 كتطوير لموقف التجمع الوطني الديمقراطي، والكلام عن بديل شيء في غير محله، التجمع كان مرحلة انتهت.
كيف هو شكل الاختلاف عن معارضة الماضي وحقبة التجمع الوطني؟
- الآن نتحدث عن مرحلة جديدة ستحدث فيها استقطابات جديدة، أنا لا أستطيع أن أتحدث الآن عن الشكل النهائي لهذا الاستقطاب، ولكني اعتقد ان الصورة المبدئية لهذا الاستقطاب في نهاية المطاف ستكون ما بين الحكم الثنائي والأحزاب او الفصائل الموالية له، “أحزاب توالي” هذا القطب، والقطب الآخر سيكون كل القوى السياسية والفكرية المغيبة، والتي تشعر بأن مصالحها والمصالح الوطنية قد أهدرت. سيكون هناك قطبان في تحالف جديد. شكل هذه التحالفات النهائي سيأخذ بعض الوقت للبلورة، لكننا نتوقع ان كثيراً من قوى التوالي للحكم الثنائي ستقف معه، وسيكون هناك قطب آخر لتحالف معارض بالصورة الموضحة سلفا.
انتم غاضبون على امريكا، لأنها خلقت اتفاق سلام ناقصاً، مهدت له باتفاق جبال النوبة والاخير الناجح، الا تعتقدون ان الدور الامريكي باق ولصيق؟
-نحن كنا من الحريصين على الدور الأمريكي ودعمنا اتفاق جبال النوبة واتفاق التفاوض الثنائي في الوقت الذي كان فيه التجمع ينادي بضرورة المشاركة في المفاوضات، قلنا: لا داعي لذلك، فلتتم المفاوضات على أساس ثنائي إلى أن تكتمل، ففي كل مراحل التفاوض كنا نحن ندعم، لكننا كنا نقول إن هذا التفاوض ضروري وليس كاملاً، الدور الأمريكي رحبنا به مبدئيا واعتبرناه مفيدا جدا، لكننا في مراحل كثيرة واجهناه إلى أن عدل موقفه، فمثلا في عام 99 عندما دخلنا في نداء الوطن كان الموقف الأمريكي معارضا لموقفنا ذاك، ونحن كنا معارضين لسياسة المواجهة والاحتواء في آخر عهد كلينتون، وكان واضحاً أن الحكومة الأمريكية فيما بعد غيرت موقفها، وانتقلت إلى موقف أقرب من موقفنا وغيرت سياسة المواجهة، ولا شك أن بداية عهد بوش كان فيها تصحيح للموقف الأمريكي بموقف أقرب إلى موقفنا. الآن الولايات المتحدة تقوم بكثير من المبادرات التي تؤدي إلى نتائج عكسية، كنا ولا نزال نعتقد أن الطريقة التي عوملت بها إيران حطمت خيار الإصلاحيين وفتحت الطريق لخيار أكثر تشددا، لأن أمريكا عندما اقتنعت بضرورة التخلي عن النظم الاستبدادية في المنطقة العربية وأعلنت مشروع الشرق الأوسط الكبير، أغفلت أن الشرق الأوسط ليس مجرد مفهوم جغرافي، فهناك انتماءات قوية جدا، إسلامية وعربية، لا يمكن القفز فوقها، فالتحدث عن كيان جغرافي يتجاوز هذه الانتماءات “وهم”.
وكنا وما زلنا نقول: إن المبادرة الأمريكية بعد أن تحولت إلى ما سمي بالشراكة من أجل المستقبل بعد مؤتمر الرباط ركزت على أن يكون الإصلاح نتيجة حوار بين دول الثماني والدول العربية المختلفة. ان هذا الاطار خطأ وناقص ولابد من أن يضاف إليه البعد الثالث وهو البعد الشعبي والمجتمع المدني لأن هؤلاء أصحاب المصلحة الحقيقية في التحول الديمقراطي. نحن نعتقد أن المبادرة الأمريكية معيبة بسبب نقص هذا الضلع الثالث، ونعتقد أن دعوتنا الى التصحيح ستجد أذنا صاغية وستصحح الولايات المتحدة موقفها.
هل تتوقعون موقفاً آخر في مستقبل الايام من الادارة الامريكية تجاه السودان؟
- نعتقد أن الولايات المتحدة فيما يتعلق بأمر السودان أغفلت أمرين مهمين، أولا أغفلت أن يكون الاتفاق جامعا وقبلت أن يكون الاتفاق الثنائي اتفاقا نهائيا كما أغفلت التركيز على التحول الديمقراطي وقبلت بأن يكون السلام على حساب الديمقراطية. في رأينا أن كل هذه المواقف مواقف خاطئة وقصيرة النظر، ونحن نعتقد أنها في النهاية ستكتشف هذا الخطأ وستصحح موقفها، وحتى إذا لم تفعل ذلك، فالشعب السوداني هو صاحب المصلحة الحقيقية في هذا الموضوع كله، ونعتقد أن أمريكا وغيرها من المهتمين بالمنطقة سيحسبون الحسابات على أساس ما تنادي به القوى الشعبية الفاعلة وليس على أساس أوهام المنتفعين.
ماذا تم في اللقاء الاخير بينكم والرئيس عمر البشير؟
- لا تعليق
هل تراهنون على ان ما وصفتموه ب”الحكم الثنائي” سينتهي إلى إقامة انتخابات حرة ونزيهة تنتظرونها؟
- لو ترك الامر للحكم الثنائي وشأنه لن يتيح الفرصة لإقامة انتخابات حرة ونزيهة ولكن بالوسائل المختلفة يمكن أن يفعل ذلك.
ما هي هذه الوسائل؟
- نحن نستند الى الشعب السوداني ونعتقد أن الأسرة الدولية عاقلة ومقيدة بمواثيق تحكي تطلعاتنا وتعكسها وتتماشى معها، ونحن نأمل أن يطير طائر المستقبل بجناحين بإرادة الشعب، ودعم الأسرة الدولية لتطلعات الشعب المشروعة.
قلتم في ندوة ان “المطرودة ملحوقة” وهي تطلعات الشعب، علام يستند انتظاركم وهل سيطول في ظل هيمنة هذه الثنائية وما يعتقد من تحقيقها لنجاحات واختراقات وتفكيك لمعظم القوى السياسية؟
- في رأيي ان الهيمنة الثنائية ستجد نفسها في مشاكل كبيرة بين قياداتها وقواعدها وبين طرفيها، وهما يدخلان هذا التحالف بدرجة عالية جدا من عدم الثقة والتناقض، قلت من قبل هناك “تاءات” تلتصق بهذا التحالف هي التباغض والتناقض والتحالف المضاد، كل هذه الأشياء ستلعب دورها. على كل حال هم وشأنهم، ولكن ما دامت لدينا أهداف تمثل تطلعات الشعب المشروعة فسوف تجد الدعم الكبير شعبيا، وفي النهاية سيجد الدعم والتفهم والتأييد من الأسرة الدولية.
نداءات الحزب المتكررة لسلام شامل وعادل..
- مقاطعاً: السلام الشامل الكامل العادل والتحول الديمقراطي الحقيقي.
هل لا يزال متمسكا بها؟ وما هي آليات تحقيقها والوصول الى الهدف؟
- العمل الشعبي الفكري السياسي الدبلوماسي وعلى كل الأصعدة.
حتى امس هناك خلافات وسط حركات دارفور المسلحة، بينما الحكومة تراهن على إنجاز في ابوجا يلحق بركب ما حققته حتى الآن، ما هي توقعاتكم لنتائج مفاوضات أبوجا؟
-توقعاتنا ببساطة شديدة أنه مستحيل الاتفاق مع أي طرف آخر ضمن سقوف نيفاشا. أي اتفاق مع حزب كالأمة أو مع التجمع “حقيقة” أو مع حركات المقاومة في دارفور او في الشرق مع هذه القوى “حقيقي” يجب أن يكون بتوسيع ماعون نيفاشا، ورفع سقف نيفاشا، فأي محاولة لاعتبار الحلول في أبوجا أو في اسمرا أو الخرطوم أو القاهرة ضمن سقوف نيفاشا، هي محاولة “أن يلج الجمل من سم الخياط”، مستحيلة، لكن إذا قبل ما نقول به، خذ مثلا جماعة أبوجا وهم سيطالبون بالمعاملة بالمثل مثلما حدث للحركة الشعبية، في الرئاسة وفي الوزارة وفي الثروة وفي غيرها، وما دمت قد قسمت على اثنين فلا تستطيع أن تقسم على أربعة أو ستة، كما ينبغي، إذن أنت مطالب برفع السقف بالنسبة لما قسمته، كذلك أنت تتحدث عن الثروة وقسمتها على اثنين، يجب أن تفكر في قسمتها على أكثر من اثنين، كذلك انت قلت إنك عقدت اتفاقاً في القاهرة، هو اتفاق “مأمول” وليس “محققاً”، فما تم في القاهرة هو “تمرين احتفالي” وليس اتفاقاً حقيقياً، والدليل على هذا أن أطراف التجمع لا تزال تعتبر أن موضوعها لم يتحقق، وكذلك بالنسبة لكل الأطراف الأخرى.
أنا أقول: إن اتفاق نيفاشا قام على بناء ثنائي ووضع سقف ثنائي حزبي، هذا السقف -في رأيي- يحول دون التحاق أي قوة ذات معنى به، ما لم يرفع السقف ويوسع الماعون، هذا كل ما كنا نقوله: “اتفاق نيفاشا مقبول بين اثنين، ولكنه لا يصلح أن يكون اساساً لاتفاق الآخرين المغيبين، وأنا لا أدري كيف لا يكون هذا واضحا للعقلاء من الطرفين، لقد اتفقا على ما يلزمهما ولا يلزم غيرهما. وطالما هما “في غفلة” فإنهما يعتقدان أنهما لسبب ما عندهما من قوة، وبسبب المباركة الدولية يمكنهما ان يغفلا الآخرين ويهمشا الآخرين ويغيبا الآخرين. طالما هما في هذه الذهنية، ففي رأيي لن يتحقق سلام عادل وشامل ولن يتحقق تحول ديمقراطي حقيقي وسيدركان في مرحلة ما ضرورة مراجعة هذا الموقف. وفي المثل السوداني “الني يرجع للنار”، لا بد من العودة إلى ما هو صحيح، ونحن لا نقول: إن الاتفاق غير ملزم لهما، إنه ملزم لهما، ولكنه غير ملزم لغيرهما.
كل شيء وارد
هل من الممكن أن يتحول الشرق إلى جبهة عسكرية أخرى؟
-كل شي وارد.. وللأسف الاقتداء بالحركة الشعبية جعل الكثيرين يرون أن تحقيق المطالب يكون في النهاية برفع السلاح. نحن نعتقد أن هذه القدوة “خطرة جدا''، ولكنها للأسف صارت جزءا الآن من الثقافة السودانية.
الاجواء الحالية وتلك التي ستصاحب عودة قرنق والحكومة المعلنة في 9 يوليو/تموز المقبل والتي توصف بالشحن والاحتقان السياسي هل هي حقيقية، وما هي رؤيتكم لما بعد التاسع من يوليو/تموز؟
- كنا نتوقع من الحركة الشعبية، والحكومة الإنقاذية أن تجعلا من هذا التحول أمراً يجد ترحيباً شاملاً، وكان هذا ممكناً، ولكنهما فضلتا ان يكون هذا بابا لاستقطاب جديد، نحن نأمل أن يكون الاستقطاب الجديد مفضيا إلى “حكم ومعارضة” يتبادلان الرأي والعمل على أساس سلمي حضاري يتجنب أي مواجهات، ويتجنب العنف ويخلق مناخاً من الممكن ان يكون قدوة لبلاد كثيرة الآن تفكر في التحول الديمقراطي وعليها أن تعترف بالرأي والرأي الآخر، الحكم والمعارضة، ونحن نهيئ أنفسنا ليلعب السودان هذا الدور النموذجي في داخل بلادنا وفي المنطقة.
اتفاقات ناقصة
في رأيك هل لا تزال الأزمة السودانية قائمة رغم زخم ما يحدث؟
- كما ترى، هذه اتفاقات ناقصة، والاتفاق الناقص لن يحسم الأمر نهائيا. مثلا اتفاق نيفاشا ناقص واتفاق القاهرة أكثر نقصانا، واتفاق أبوجا غائب، الشرق ما زال الأمر مفتوحا، اذا توافرت النظرة الشاملة العامة كان يمكن لهذه الاتفاقات أن تنقل السودان من الحرب إلى السلام والشمولية، إلى الديمقراطية بصورة قومية مرضية من الجميع، للاسف فضل الطرفان خيار الاستقطاب، وهذا لمصلحة ذاتية حزبية لهما، انا -في رأيي- أنهما قدما المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية.
ألا ترى ان مساعي حلحلة مشاكل السودان انتقلت من الخارج إلى الداخل.. أين حزب الأمة من هذا؟
- مثلما قلت أن حزب الأمة سيلعب الدور المهم.
كيف؟
- أكثر من خطابه للشارع، نحن أصدرنا كتباً ومنشورات وعقدنا ندوات وأقمنا ورش عمل ولقاءات صحافية.. نحن أكثر حزب رؤاه واضحة للشعب السوداني، قد يعترض احد ويقول: ان رأي هذا الحزب غير سليم لكنه لن يقول: انا لا اعرف رأي حزب الامة، فليست هناك قضية لم يبد فيها حزب الأمة رؤاه للشعب السوداني.. أي قضية بادر الحزب ببيان وندوة وليلة ودعوة وكتاب وورشة حولها.
رجل الشارع يريد موقفا من حزب الامة؟
- يقف معه.. الشعب السوداني في النهاية كان يتوقع تحولاً ديمقراطياً قومياً سليماً، يؤيده ويفرح به ولكن في غياب هذا يجب العمل على تصحيح وتصويب الصورة.
هل يمكن أن ينسحب ما حدث في مشروع الجزيرة على المؤسسات القومية الاخرى، وهل سيكون حزب الأمة أو أي قوى معارضة اخرى “حائط سد” لمجابهة مثل قانون مشروع الجزيرة؟
- نعم، نحن نعتقد أن مشروع الجزيرة مشروع مهم. قانون جديد مهم، إعادة هيكلة المشروع شيء مهم، الإصلاح المؤسسي شيء مهم، ولكن هذا لا يمكن أن يأتي في رؤية أحادية من حزب معين، لا يمكن لعاقل أن يقول: ان مشروع الجزيرة وهو شيخ المشاريع المروية وما يحدث فيه يؤثر سلبا أو إيجابا على كل المشاريع المروية الأخرى وهو يشكل 40% من الأراضي الزراعية السودانية المروية.
لا يمكن ان يقول أحد إن أمره يمكن أن يحسمه نظام مختلف على تنزيله للجميع وخاضع لإرادة حزب واحد خصوصاً وأن قوى كثيرة ترفض مشروع القانون منها حزب الأمة والحركة الشعبية والحزب الشيوعي، هؤلاء على الأقل يرون أن الاستعجال في إجازة القانون خطأ وأن القانون يجب أن يخضع لدراسة ومشاركة أوسع. من جهة أخرى هناك كلام على أن اتحاد المزارعين الحالي هو الذي يقف وراء هذا القانون، وهو اتحاد مختلف على شرعيته، وهناك انقسام أساسي وسط المزارعين، وهناك الآن تحالف المزارعين، يدعم هذا التحالف حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي وآخرون في الجزيرة. فإذن هذا التحالف يمثل إرادة عريضة في الجزيرة وهؤلاء يرون ضرورة التريث ريثما يتخذ اتحاد شرعي للمزارعين ليمثل المزارعين في هذا الموضوع. كذلك هناك أطراف أخرى يجب ان تبين رأيها، منها مثلا ملاك الأراضي، سكان الكنابي في الجزيرة الذين يمثلون العمال الزراعيين، العاملين في المشروع هؤلاء جميعا أصحاب مصلحة في مستقبل المشروع ينبغي أن يؤخذ رأيهم، خصوصاً وأن فصيلين من هؤلاء من أهم الفصائل في الجزيرة وهما اتحاد المهندسين الزراعيين ومهندسي الري يريان أن هذا القانون غير سليم وغير صحيح ويريدان المشاركة في صياغة القانون البديل. مع هذه القوة الهائلة الفكرية والسياسية، كيف يمكن لعاقل أن يواصل إصدار قانون من المجلس الوطني الحالي الذي انتهت مدته الحقيقية ومد له لإجازة الدستور الحالي فكيف لهذه “الكلفتة والتعجل المخل” أن تؤدي إلى إدارة سليمة لمستقبل المشروع.
