خيري منصور
بخلاف كل ما قيل عن إحراق نيرون لروما، انفرد مثقف إيطالي بالقول إن ما أزعج الإيطاليين ليس حرق عاصمتهم بقدر ما هو مطالبتهم بالرقص على أغنية كان الطاغية يرددها بصوت أجش، وروما الآن لا تحترق لكنها تضاء بشكل ساطع يخطف الأبصار، فالكبار والصغار معاً، والموائد ليست مستديرة على الاطلاق، والغناء بصوت أمريكي لا يطرب حتى صاحبه، والمطلوب من الناس في هذا الشرق الأوسط الذي لم يعد كبيراً، ولن يكون جديداً، هو أن يستخفهم الطرب ويرقصوا.
والمؤتمرات، سواء كانت في اعقاب حروب كونية، تقتسم فيها الغنائم أو خلال مذابح في قارة الفقراء، غالباً ما تنتهي إلى غير ما يشتهي الموعودون بالخبز والحرية، لأن هذه الثنائية قلما تجتمع، فإما الرغيف أو الحرية، هذا هو الخيار الامبراطوري الأخير في الألفية الثالثة، التي اعادت التاريخ إلى بواكيره أو إلى ما قبله، ما دامت القوة هي الكبسولة التي تختزل وتختزن كل منظومات القيم وهي ما يحتكم إليه في هذه اللحظة الفاصلة.. كانت مدريد عشية حرب شبه كونية قبل خمسة عشر عاماً هي ملاذ من وجدوا أنفسهم في العراء.
وبالرغم من أن مؤتمر مدريد باض اتفاقيات ومعاهدات كرست حالة اللاسلم واللاحرب لكن على نحو جديد، إلا أن العودة إلى المربع الأول في الصراع لم تغادر أشواق الأطراف كلها، بدءاً من المعتدي الذي يسيل لعابه على المزيد من الغنائم والأرض وانتهاء بالمعتدى عليه الذي يصعب عليه وضع نقطة في آخر السطر.
وقد تكون الخرائط الجديدة الموعودة والتي يعاد رسمها بالصواريخ وليس بروث خيول الغزاة أو المنجنيق، هي الطبعة الجديدة والمنقحة لسايكس بيكو، أو لأية استراتيجية امبريالية تستهدف التقسيم، والتشطير وتوزيع الحصص تبعاً لاستحقاقات القوة.
والعرب الذين تحولوا من طرف إلى جسد مسجى على مائدة، وقد أوغل في الغيبوبة بسبب التخدير الشامل لا الموضعي، عليهم الآن أن يعودوا إلى درجة الصفر، سواء تعلق الأمر بالاستقلال أو حرية القرار والمصير، لأنهم قبلوا أن يهمشوا ويطردوا من الحلبة، بعدما اسقطتهم أطروحات الاستعمار الجديد في كمائن عدة دفعة واحدة منها وهم الاصلاح والتمدين، وهو الحق الذي مورست باسمه وتحت شعاراته عدة أباطيل، ومنها الخصخصة القومية التي تجعل لكل زقاق أو حارة عربية أمنها الخاص وفلسفة الدفاع الخاصة من دون اقامة وزن لأهم منجز جيوبوليتيكي في العقدين الأخيرين، وهو التئام الدول الصغرى في سياقات وأنساق تتيح لها الدفاع عن نفسها أمام الحيتان.
وليس صحيحاً أن كل الطرق تقود إلى روما أو إلى سمرقند، أو حتى واشنطن، فالتاريخ لم يصل بعد إلى خاتمته، وثمة متسع لأن يجرب حتى العصفور جناحيه في هذا الفضاء الفسيح.
والقول المأثور عن شبه الليلة بالبارحة وعن مراوغة الثعالب قد لا يليق بهذه المذبحة السياسية التي تمزق الخرائط الورقية بالسكاكين، وتحذف وتضيف تبعاً لأهواء جزاري العصر، الذين يركنون إلى موعظة توارثوها منذ أول استعمار عرفه العالم، وهي أن السلخ لا يهم الشاة إذا ذبحت.
