سناء البيسي
خلف القضبان وفي ساحة محكمة الجنايات وبعد عامين وستة أشهر وتسعة عشر يوما علي حادث اغتيال أمين عثمان باشا كان من بين المتهمين الذين قدموا لسماع الحكم عليهم المتهم محمد أنور السادات متميزا في الصور التاريخية بأناقته البالغة داخل الجاكتة الشاركسكين البيضاء والكرافتة السادة اللامعة والشارب المشذب بعناية بعرض ابتسامته الناصعة البياضrlm;..rlm; ومثل تلك الأناقة تبدت طوال فترة نظر القضية في لقطات المشاوير ما بين السجن ومحكمة الجنايات حيث كان موكب المتهمين يمر بطول شارع محمد علي داخل عربة لوري مفتوحة وفي المقدمة الشاب الأسمر الأنيق بالبدلة الكاملة والكرافتة الرفيعة بربطة غاية في الدقة موضة سنةrlm;1948..rlm; وكان حادث الاغتيال قد وقع في مساء الخامس من ينايرrlm;1946rlm; وبلغ فيه عدد شهود الإثباتrlm;12rlm; شاهدا بينهم مصطفي النحاس باشا والنائب العام عبدالرحمن الطوير باشا وأربعة من ضباط البوليسrlm;,rlm; ووكيل نيابة وسيدتانrlm;..rlm; أما شهود النفي فبلغ عددهمrlm;10rlm; من بينهم منم رؤساء الوزارات علي ماهر باشا وحسين سري باشا وحسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ ووزيران سابقان ووكيل وزارة ومستشار سابق بمحكمة النقض والإبرامrlm;,rlm; وصحفي وضابط بوليسrlm;..rlm; وقد استغرق نظر القضيةrlm;84rlm; جلسةrlm;,rlm; وبلغت صفحات التحقيقrlm;1580rlm; صفحةrlm;,rlm; وترافع عن المتهمينrlm;35rlm; محاميا من مختلف الأحزابrlm;,rlm; وصدر الحكم بإدانةrlm;14rlm; متهما من الستة والعشرين وتبرئة أحد عشر من بينهم اليوزباشي الأنيق محمد أنور السادات أكبر المتهمين عمرا وأكثرهم ثقافة وتجربةrlm;.rlm;
أناقة السادات سمعت عنها بالتفصيل من سويلم الترزي الخصوصي له صاحب المحل الشهير في أول شارع عبدالخالق ثروت المتفرع من سليمان باشاrlm;..rlm; من أنه كان يقوم بشكل دوري بتفصيل جميع ملابس السادات للمناسبات العامة والخاصة من أول الأطقم الكاجوال والسفاري والبليزرات وبدل الاستقبالات الرسمية التي يفضلها مع الكرافتة المنقطةrlm;,rlm; وكثيرا ما اختارها من القماش الكاروهات الاسكوتش الإنجليزي أو المقلم بأقلام فاتحة علي أرضية داكنةrlm;,rlm; وكان يفصل له البيجامات والأرواب المنزليةrlm;,rlm; إلي جانب العباءات الحريرية والصوفية المطرزة والجلاليب البلدية المطورة في حردة الرقبة والمرد لجلسات المصطبة المسترخية التي يدلي فيها بأحاديث ذات ذكريات وشجون مستعرضا الأماني والإنجازات والهموم للمذيعة همت مصطفي في بلدته بالمنوفية ميت أبوالكومrlm;..rlm; ولا أنسي ما قاله لي يوما الزميل الراحل محمود أحمد المحرر البرلماني للأهرام عندما سافر ليغطي زيارة الوفد البرلماني المصري برئاسة أنور السادات رئيس مجلس الشعب إلي إيطالياrlm;,rlm; الذي اصطفاه ليصحبه لأحد المحال الشهيرة ببيع القماش الرجاليrlm;,rlm; فلاحظ شراء السادات لست قطع من كل نوع قماش يقع عليه اختيارهrlm;,rlm; وعندما شعر السادات باندهاش الزميل همس له ضاحكا بأنه يوفر بذلك علي روحه وجع الدماغ من ملاحظات الرجل الكبيرrlm;:rlm; والستة يا ابني بتبان كلها كأنها هي هي البدلة الواحدة ولا من شاف ولا من دري ولا من اشتريrlm;..!rlm;
ولقد كان أكثر ما شعر به السادات من مرارة وإحباط في سجن مصر عامrlm;1946rlm; تركه لمدة ثلاثة أيام ببذلته دون غيار أو صابونة اغتسالrlm;..rlm; وبعد خروجه من السجن في عامrlm;1948rlm; ذهب يتواري في بنسيون رخيص في حلوان حيث نفدت نقوده ليفاجأ بزيارة الصديق القديم زميل معتقل الزيتون حسن عزت الذي لاحظ هبوط معدل أناقته إلي الحضيض بعد أن بلي نسيج البنطلون الرمادي الوحيد من الخلفrlm;,rlm; وغدا بياض الجاكيت الشاركسكين اليتيم مكللا بسواد الزمان والمكانrlm;,rlm; فذهب يفصل له بذلتين ويشتري له عدة قمصانrlm;,rlm; وعندما أعجب السادات باختراع الجوارب السوكيت التي ترتدي بسهولة وبدون حمالاتrlm;,rlm; أي أستيك منه فيهrlm;,rlm; وكانت قد انتشرت في الأسواق في فترة سجنه قام الصديق حسن بشراء أربعة أزواج له اختارها السادات زوجين كحلي وزوجين من اللون الأسود الذي يفضله مع الأبيض ليصنع جمال التضادrlm;..rlm; وعن مدي حرصه علي مظهره في أحلك ظروف حياته بعد خروجه في السجن عامrlm;1945rlm; عندما كانت الخمسة مليمات بالنسبة له عملة صعبة فيسير أكثر منrlm;20rlm; كيلو لأنه لا يملكrlm;6rlm; مليمات أجرة الترامrlm;..rlm; نشأت علي حبي للجمال في كل شيءrlm;,rlm; وكانت ملابسي ضمن الأشياء التي أتطلب فيها الجمالrlm;,rlm; وكانت عندي جاكتة أعتز بها كثيرا ارتديتها قبل اعتقالي مرات معدودة لا غيرrlm;,rlm; فقررت أن أبيعها في محل من محلات وسط البلد التي تشتري الملابس المستعملةrlm;..rlm; وفعلا أخذتها وتوجهت إلي إحدي هذه المحلات ولكني عندما أصبحت علي مسيرة قدمين من المحل توقفتrlm;..rlm; لابد أن صاحب المحل سيتصور أني سرقتها فليس من المعقول أن شابا رث المنظر بهذا الشكل يمكن أن يمتلك هذه الجاكتة الوجيهةrlm;..rlm; خطر لي هذا الخاطر فتراجعت عائدا سيرا علي الأقدام إلي البيت ومعي الجاكتةrlm;..rlm; كنت أعرف أن التاجر لن يسألني من أين أتيت بهاrlm;,rlm; وكنت واثقا من أنه سيشتريها بأي ثمن وأن هذا الأي ثمن مهما كان ضئيلا سوف يفك ضائقتيrlm;..rlm; ولكني فضلت ألا أشوه صورتي ومظهري في نظر إنسان لا أعرفه ولا يعرفني مهما كلفني ذلكrlm;..rlm;
ولأنه أنور السادات كان ما قرأته عنه سجينا وبخط يده من يوميات كتبها علي مديrlm;30rlm; شهرا داخل سجن الأجانب وسجن مصر بمثابة تاريخ وإعادة اكتشافrlm;..rlm; تاريخا وليس تأريخا لمن عبر وأعاد الأرض وقام بالزيارة الصدمة التي استغرقتها الطائرة في أقل من أربعين دقيقة من مطار أبوصير في القناة إلي مطار اللد ليستقل السيارة مع كارتزير رئيس إسرائيل الأستاذ الجامعي ويصل للقدس ضيفا علي فندق الملك داوود ويردد مع خيوط الفجر في صلاة العيد بالمسجد الأقصيrlm;:rlm; صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحدهrlm;,rlm; ونادي بحقوق الفلسطينيين داخل الكنيست في خطاب أعده له موسي صبريrlm;...rlm; من فتح القناة بعد إغلاقها ثماني سنواتrlm;,rlm; والتي قال إنها بعد افتتاحها قد أثبتت أنهاrlm;LuckyStrike,rlm; وانفتح بسياسة نقضها البعض لينقدها البعضrlm;,rlm; وتوسع يغزو الصحراء بمدن كفراوية جديدةrlm;,rlm; وأذن بدفن الملك فاروق في وطنه بمسجد الرفاعي تلبية لرغبة الأميرة فريال ليكون مع رفات أجداده من بعد أن دفن أولا في مسجد الشافعيrlm;,rlm; وأراد أن يواري سوأة عشرات المومياوات الفرعونية في موكب جنائزي مهيب يليق بأجدادنا الملوك تقديسا وأخلاقا ودعاية وزفة سياحية عالمية ليس لعرضها مثيلrlm;,rlm;
وانبري يرد علي أسئلة بربارا والتز المذيعة التليفزيونية العالمية بإجابات أحسن منهاrlm;..rlm; من اختار نائبا له منذ بداية حكمهrlm;,rlm; واتخذ من عثمان صديقا ومن كيسنجر صديقا ومن كارتر صديقا ومن الشاه صديقا ومن العتال الذي شاركه العمل علي عربة النقل أيام الهروب صديقاrlm;,rlm; ومن المستشار الألماني هيلموت شميت صديقا وصدوقاrlm;,rlm; حتي أن شميت كتب في مذكراته عن صديقه السادات فصلا كاملا يقرظه فيهrlm;,rlm; واعتكف العشر الأواخر من رمضان في استراحة سانت كاترين مخططا لمجمع الأديانrlm;,rlm; وسن لكل مناسبة زيها ولكل مقام مقال ولكل مجال مغناطيسيتهrlm;,rlm; وضرب مراكز القوي في مقتل من بعد اكتشافه التسجيل تحت السريرrlm;,rlm; ومكثنا نظن أن الديمقراطية تترفق بالناس فإذا بها عنده لديها المخالب والأنيابrlm;,rlm; ووضع قانونا للعيبrlm;,rlm; وطور في مشية الإوزة الهتلريةrlm;,rlm; وتسلح بعصا المرشاليةrlm;,rlm; والتزم في خطبه لعدة دقائق بما كتب له ليزيح من بعدها الأوراق وينبري يقول ما عنده ويختم بآياته المنزلات من سورة البقرةrlm;:rlm; ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأناrlm;,rlm; ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته علي الذين من قبلناrlm;,rlm; ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا علي القوم الكافرينrlm;..rlm; من داوم علي يدي النبوي إسماعيل النجاح في الانتخابات بنسبةrlm;99.9%..rlm; واغتيل يوم عرسهrlm;..rlm; من عشق الانطلاقة من أسوار التزمت في السجن أو الحرس الجمهوريrlm;,rlm; فهرب من الأول وتفنن في صنع المشكلات للثاني عندما كان ينطلق وحده بالعربة الفولكس ليقسم البعض أنهم شاهدوا مثيلا له الخالق الناطق علي الكوبري وفي زحام الإشارة وعلي الطريق السريعrlm;..rlm; من كانت نقطة ضعفه وقوته في حبه للعمار والتعمير حتي أخذ عليه قولهrlm;:rlm; نفسي كل حتة أرض في مصر تغليrlm;,rlm; وكان مقصده البرئ أن يبني كل جزء من الصحراء ليجد الشباب والفقراء بيوتا تظللهم ولم يكن يدري أن أمنيته ستتحقق علي يد سماسرة العقارات والعمولات وتسقيع الأراضي وتشفيرها وطرحها بالمليارات لأجانب الدولارات والديناراتrlm;..rlm;
ليس تأريخا للرجل فليست مهمتي ولا صناعتي ولا أنا المؤهلة أكاديميا أو سياسيا أو حزبيا لهاrlm;,rlm; ولا أنا من خريجات مدرسة الدكتور يونان لبيب رزق الراصدة لتاريخ صفحات جريدة الأهرام المئويةrlm;,rlm; وإنما مجرد واحدة غاوية البحث عن مفاتيح الشخصية للقيام برسمها فقط لا غيرrlm;,rlm; وشخصية السادات علي مدي أيامه وأحداثه أنه لم يكن دمويا في صراعاته أو خلافاته مما جعله متهما في بعض الأحيان بالتراخي الأمنيrlm;..rlm; شخصية رجل منعم بطاقة فن التشخيص التي صنعت مجده وصنعت مأساتهrlm;,rlm; والتي شعر بوطأتها في شرخ الشباب فأرسل صورته للمنتجة آسيا في عامrlm;1939rlm; عندما طلبت وجوها جديدة لغزو الشاشةrlm;,rlm; ونشرت مجلة الهلال صورته كوجه مرشح للتمثيلrlm;,rlm; وأراد السادات وهو علي رأس المؤتمر الإسلامي جمع أعداد الهلال القديم الذي نشر الصورة فكان من غير المستطاعrlm;,rlm; وربما من هذا المنطلق كتب بيجن في مذكراته عنه قولهrlm;:rlm; السادات مثل علي الدورrlm;,rlm; وشخصية الممثل المقنع المقتنع بجوانبه السلبية والإيجابية تلك جعلته في عامrlm;1932rlm; يخلع ملابسه ويغطي نصفه الأسفل بإزار ويصنع نولا للغزل ويعتكف فوق سطح بيتهم في كوبري القبة لعدة أيام تشبها وانبهارا بالزعيم مهاتما غاندي إلي أن تمكن والده من إقناعه بالعدول عن دوره الذي لن يفيده أو يفيد مصر في شيءrlm;,rlm; بل علي العكس من المؤكد أنه سيصيبه بمرض صدريrlm;,rlm; وعندما زحف هتلر من ميونخ علي برلين ليخلص بلاده من آثار هزيمتها في الحرب العالمية الأولي قام بطلنا بجمع أقرانه وهو في الثانية عشرة ليتزعمهم مثل هتلر الذي يجيد طريقة أدائه للزحف علي القاهرة من ميت أبوالكومrlm;..rlm; وأبدا لم يمثل لون بشرته الداكنة لديه أية عقبة لتخطي السدود إلي قمم الأناقة والوجاهة والجاذبيةrlm;,rlm; فقد نشرت مجلة لايف صورته إلي جانب النجم جريجوري بيك وأمير موناكو كواحد من أكثر رجالات العالم أناقةrlm;,rlm; تلك الأناقة التي قد تكون جزءا من أسباب اغتياله عندما رفض ارتداء الجاكت الواقي من الرصاص تحت البدلة العسكرية المحبكة ألمانية الطراز في حضور العرض العسكري ليظل محتفظابوزنه المثالي ومظهر رشاقته التي داوم من أجلهما علي الرجيم والجبن القريشrlm;,rlm; وبقي قوامه حتي النهاية بدون كرش أو سنتيمترا زائدا من الشحمrlm;.rlm;
إن يوميات الشهور الثلاثين التي قضاها محمد أنور السادات في السجن ما بين عاميrlm;1946rlm; وrlm;1948rlm; تعد نافذة تاريخية علي ما قد جريrlm;,rlm; أما ما خرجت منها بإعادة الاكتشاف فقد كان اكتشافي لنفسي من أنني عندما أحببتهrlm;..rlm; الساداتrlm;..rlm; كان عندي حقrlm;.rlm;
من بين أيامه المسجونة كتب فيrlm;20rlm; ينايرrlm;1946rlm; في سجن الأجانبrlm;:rlm; مضي علي الآن ثلاثة أيام وأنا أنام ببدلتيrlm;,rlm; فقد نقلوني إلي هنا مساء الخميس السابق دون أن يحضروا ملابسي وحاجاتي من سجن مصر حيث كنتrlm;,rlm; لذلك كتبت خطابا شديد اللهجة إلي النائب العام في شأن هذا الإهمالrlm;,rlm; وتركي بدون ملابس أو حتي صابونة لأغتسلrlm;..rlm; وقد سبب لي النوم بالبدلة التهابا شديدا في فخذي جعلني أهرش كما لو كنت أجربrlm;!rlm;
rlm;4rlm;فبرايرrlm;1946rlm;
طلعت علينا جريدة المقطم وفيها خبر نقل كيلرن من مصرrlm;,rlm; ولما كنت أبغض هذا المخلوق الذي أدمي كرامة مصر كلهاrlm;,rlm; فقد صممت علي أن أحتفلrlm;,rlm; وأرسلت في شراء دستة جاتوه باسم المسجونة ليلي الهندية ووزعتها علي ليلي والسجانات واستبقيت لنفسي ثلاث قطع احتفل بأكلها علي فنجان شاي المساءrlm;,rlm; وقد استمتعت بأكلها أيما استمتاعrlm;,rlm; خاصة أن المعازيم تركوها لي من النوع الدسم المملوء بالكريمةrlm;,rlm; وفي نحو الساعة الثانية صباحا استيقظت علي مغص وإسهال مروعrlm;,rlm; واتضح أن الجاتوه كان تالفاrlm;,rlm; وقد جئ به من دكان في شارع محمد عليrlm;..rlm; إنني أقرر لوجه الحقيقة أن بغضي لكيلرن قد تحول إلي حقد دفين منذ هذه الليلةrlm;!rlm;
rlm;14rlm;فبرايرrlm;1946rlm;
ليلي الهندية تحب السجين رقمrlm;19rlm; هذه هي العبارة التي يرددها السجن كلهrlm;,rlm; قالتها لي سنية السجانةrlm;,rlm; بل أكثر من هذا تقدمت ليلي للمأمور بطلب إعطاء المسجون رقمrlm;19rlm; فسحة أطول لكي تتمتع بالتحدث إليه ومناجاتهrlm;,rlm; وقد دفعني الفضول لرؤية هذا الحبوب وبكل عناء تمكنت من أن أراه لمدة نصف دقيقة فوجدته يستحق إعجاب ليلي فعلاrlm;,rlm; إذ كان شابا أشقر ذا أنف رومانيrlm;,rlm; وشعر أصفرrlm;,rlm; وتقاطيع متناسقة في رجولةrlm;..rlm; وقد علمت فيما بعد أنه يدعي محمد إبراهيم كاملrlm;.rlm;
أول يوليوrlm;1946rlm;
اجتمعنا نحن المتهمين في قضية أمين عثمان نفكر في كيفية جعل حياتنا هنا شيئا محتملا بقدر الإمكان وانتهينا إلي القرارات الآتيةrlm;:rlm;
rlm;1-rlm; يصير توزيع جميع الأطايب الحلويات وما شابهها التي تأتي لأحد المتهمين علي الجميعrlm;.rlm;
rlm;2-rlm; علي كل من يري امرأة جميلة في شباك سجن النساء أن يخطر الباقين لمشاهدتها أثناء الطابور والغزل ممنوع ويكتفي بالمشاهدةrlm;,rlm; أو المصمصة فقطrlm;.rlm;
rlm;3-rlm; إصدار مجلتين أسبوعيتين تتضمنان الحوادث العامة والتعليق عليهاrlm;,rlm; ونقد المتهمين أنفسهمrlm;,rlm; والتعليق علي ما يدور من حوادث السجن بخلاف أي مواد أخري يراها رئيسا التحريرrlm;.rlm;
rlm;10rlm;يوليوrlm;1946rlm;
المكان كخلية النحلrlm;,rlm; فبينما أخذ المتهمون في استحضار الكتب والمؤلفاتrlm;,rlm; نجد رئيسي تحرير المجلتين المزمع إصدارهما وسيم خالد و محجوب الجابري يتفنن كل منهما في اختيار الأقلام الملونة والورقrlm;..rlm; وقد سرت إشاعة أن المقالة الجيدة أو القصيدة الموزونة ثمنها سيجارة ولاشك أن ضخامة التمويل هذه تبشر بإنتاج صحفي رائع فالسيجارة هنا أندر من الذهبrlm;.rlm;
بداية أغسطسrlm;1946rlm;
استيقظنا لنري في غرفة كل منا إعلانا من هيئة تحرير الهنكرة والمنكرة وهو الاسم الذي اختاره وسيم لمجلته يحوي أقذع الشتائم لهيئة التحرير الأخري ويتهم محرريها بأنهم مأجورونrlm;,rlm; وأن محجوب شوهد مع الضابط النوبتجي في خلوة أمنيةrlm;.rlm;
نهاية أغسطسrlm;1946rlm;
قاتل الله البروباجنداrlm;..rlm; اليوم نظمت هيئة تحرير الهنكرة والمنكرة موكبا في طرقة السجن يتقدمه محجوبrlm;,rlm; ومن خلفه مدحت يعزف علي مندولين مصنوع من أستيك الكالسونات ومشدود علي علبة فواكه فارغةrlm;,rlm; وسعيد يحمل طبلة مصنوعة من كرتون مشدود علي صحن المياه المنصرف لناrlm;,rlm; وسار الموكب والمسجونون يصفقون ويهللون إلي أن وقعت الطامة وجاء ضابط السجن علي هذا الضجيجrlm;..rlm; وكان من نصيبنا أن أقفلت علينا الزنازين طيلة اليوم وهددونا بقفلها طيلة الأسبوع إن عدناrlm;..rlm; ألا قاتل الله البروباجنداrlm;!rlm;
rlm;26rlm;أكتوبرrlm;1946rlm;
دام الإعداد للمجلة شهورا وفي العدد الأول لم يفت أصحابها العناية بباب الأخبار ومنها هذه الانفراداتrlm;:rlm; دخل أحد اللصوص حجرة عمر حسين أبو علي لتأدية واجبه كالمعتادrlm;,rlm; ولكنه لم يعثر في الحجرة علي آثار المأكولاتrlm;,rlm; فرق قلبه لما تبين حالة الفقر المدقع التي كانت تظهر علي الحجرة وخرج تاركا فيها موزة وثلاث بلحاتrlm;..rlm; للهrlm;..rlm; قال لنا فريق سابق إن السيجارة في السجن أثمن من فردة كاوتش برهrlm;..rlm; تتناقل الألسنة هذه الأيام أن أنور السادات وقع في غرام سجن النساءrlm;..rlm; والحب أعمي كما يقولونrlm;..rlm;
rlm;20rlm;فبرايرrlm;1948rlm;
استخف بنا الفرح بعد الحكم الابتدائي بالبراءة فنظمنا مهرجانا لسهرة في قصر هارون الرشيد واشتركنا جميعا في التمثيل والإخراج والغناء والاستمتاع في آن واحدrlm;,rlm; وكان توزيع الأدوار كالآتيrlm;:rlm; أنور الساداتrlm;:rlm; الخليفة هارون الرشيدrlm;,rlm; وحسين توفيقrlm;:rlm; السياف عبداللهrlm;,rlm; والسيد عبدالعزيز خميسrlm;:rlm; القهرمانة وكبيرة القيانrlm;,rlm; وسعيد توفيقrlm;:rlm; كبير الحجابrlm;,rlm; ومدحت فخريrlm;:rlm; شهرزاد الراقصة المغريةrlm;,rlm; وعمر أبو عليrlm;:rlm; اسحق الموصليrlm;,rlm; وأحمد وسيم ومحمد كريم ومحجوبrlm;:rlm; فتيات الكورسrlm;,rlm; والجوهريrlm;:rlm; بائع اللبrlm;,rlm; ومرادrlm;:rlm; الخواجة ورئيس وفد الفرنجةrlm;,rlm; وتبدأ السهرة بصوت القهرمانة ومن خلفها ترديدات الكورسrlm;,rlm; ويطرب الخليفة فيستعيد النغم مثني وثلاثا ولا يتمالك عندما يأخذ الطرب بمجامع نفسه من أن يندفع ويرد علي الكهرمانة والقيانrlm;:rlm;
أنا جيت لكم والله يا ولادrlm;..rlm; أنا أحبكم أوي أوي يا ولادrlm;..rlm; أنا جيت لكم أنا جيتrlm;..rlm; دا الاتهام لخبيطrlm;!!rlm;
ويطلب الخليفة من القهرمانة أحدث مواويل الموصلي في الصبر والسلوان فتنشد مع القيانrlm;:rlm;
نامت عيونك وعين الله ما نامتrlm;..rlm; ما في ولا شدة علي مخلوقها دامتrlm;..rlm; وإن دامت الشدة ما يدوم صاحبهاrlm;..rlm; راحت ليالي الهنا ياليتها دامتrlm;..rlm;
وتندفع الراقصة المغرية شهرزاد علي نغمات الموالrlm;,rlm; ويصيح الخليفة في حبورrlm;:rlm; هدهدوني هدهدوني اطربوني اطربونيrlm;,rlm; وينتهز بياع اللب الفرصة فينادي علي بضاعته بصوت نشاز فيأمر الخليفة بإخراجه من المكانrlm;,rlm; ويحل وقت العودة إلي الزنزانات فينتهي الحفل بين رنين الضحكاتrlm;,rlm; وباسم الثغورrlm;,rlm; وبالغ البهجة والحبورrlm;..rlm; وغضب السجانين وصك الأقفالrlm;!rlm;
يونيوrlm;1948rlm;
فجأةrlm;..rlm; ودون أن يعلم أحد هرب حسين توفيقrlm;,rlm; لقد وصلنا الخبر أول ما وصلrlm;,rlm; علي وجه السجانين والضباطrlm;,rlm; ثم انهالت علينا القيود والتشديداتrlm;,rlm; وعدنا إلي سالف العصر والأوانrlm;..rlm; لقد كان حسين شرا في وجودهrlm;,rlm; وشرا في هروبهrlm;,rlm; ففي وجوده كان خير من يثير عنف المناقشات وزعيره يكهرب الجوب بالتكهنات والخرافاتrlm;..rlm; ثم هرب فكان سببا فيما نزل بنا من كبت وإرهاقrlm;,rlm; اللهم سامحه وألطف به وبناrlm;.rlm;
rlm;7rlm;يوليوrlm;1948rlm;
انتهي اليوم الدفاع وتأجلت القضية إلي جلسةrlm;24rlm; يوليو بالحكمrlm;.rlm;
rlm;20rlm;يوليوrlm;1948rlm;
منذ يومين ونحن مشغولون بالأحلام التي هطلت علينا كالمطر ويظهر أن الحالة النفسية المسيطرة علينا كان لها الأثر الأول في تكاثرهاrlm;,rlm; فقد رأي مدحت أنه يلبس ثيابا بيضاء ويركب حصانا أبيض ويسير به الهويني في نادي سبورتنجrlm;,rlm; ولما التقينا رفض أن يكلمنا لأنه من الأسياد ونحن فلاحونrlm;..rlm; وقد نال جزاءه علي ذلك بأن فسرنا له الحلم ألعن تفسيرrlm;..rlm; ورأي عمر في المنام أنه معزوم في مأدبة بها ما لذ وطاب لكنه كلما مد يده ليتناول لونا تحول في يده إلي لب أو حمص حتي انقطع قلبه علي حد تعبيرهrlm;,rlm; وفجأة رأي العزومة تنقلب إلي عنبر السجنrlm;,rlm; والطعام يتحول إلي يمك السجن فاستيقظ مهموماrlm;..rlm; ورأي محمد كريم في المنام أنه قد نبت له ذيل وأنه كان يبكي خجلا من أن يعرف زملاؤه ذلكrlm;.rlm;
rlm;24rlm;يوليوrlm;1948rlm;
قال القضاء كلمته ليقرر أني برئrlm;,rlm; وها أنذا أكتب هذه الكلمات من بنسيون في حلوان جالسا وفي رأسي زحام كبرج بابلrlm;..rlm; لكني أرددrlm;:rlm; اللهم لك الحمد حتي ترضيrlm;.rlm;
الساداتrlm;..rlm; فلاح ميت أبو الكوم الذي هرع طفلا حافيا بالقميص البفتة في ذيل جدته أم الأفندي فوق الجسر للحاق بمركب البلاليص الراسية في كفر زرقان لأن العسل وصلrlm;..rlm; المطارد الذي قام عاملا باليومية بقطع الرخام في محجر جنوب بني سويف ليقوم بنقله بنفسه إلي الأهرامات ليبني استراحة فاروقrlm;..rlm; اليوزباشي خريج السجون الذي اختبره شكري زيدان للتأكد من أنه الكاتب الحقيقي ليوميات الثلاثين شهرا في السجن قبل الإذن بنشرها فأعطاه مهلة النصف ساعة الباقية علي دوران المطبعة ليمط فقرة كتبها في سطرين إلي عامود ونصفrlm;,rlm; فأنجز مهمته في عشر دقائق فقطrlm;,rlm; فقام بتعيينه براتب شهري وليس بالقطعة كالآخرينrlm;,rlm; وذلك في وظيفة المراجع في دسك دار الهلال خلفا لإحسان عبدالقدوسrlm;...rlm; السادات الذي عمل بالسياسة منذ عامrlm;1939rlm; عضوا في أول تنظيم سري للضباط كان اغتياله فيrlm;6rlm; أكتوبرrlm;1981rlm; بسبب قوله المأثور المطبوع بختم الساداتrlm;:rlm; لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين الجملة التي قالها أثناء خريف الغضبrlm;...rlm; ويمضي علي الذكريrlm;26rlm; عاما أسافر فيها للعريش وشرم الشيخ وأقيم في فندق طابا وأقارن اسماعيليةrlm;67rlm; بإسماعيليةrlm;73rlm; وأزور مدن العاشر وrlm;6rlm;أكتوبر والسادات وأقف أتطلع علي رمال شاطئ فايد للمدن العالمية العائمة في تهاديها عابرة القناة فأستشعر خريف الحبrlm;..rlm; وأردد دعاء الساداتrlm;:rlm; ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا بهrlm;..rlm; واعف عنا وارحمناrlm;..
