4
الحلقة الرابعة: فقهاء المشاركة يذيبون جليد القطيعة بنبراس الكلم
يصل العلوي في سفره مع الرحلة العمرية الى محطة جديدة بعدما قطع مسافة جاب بها في فناء البيئة العمرية والنشأة التي تنشأ عليها، فالمحطة الجديدة بعد laquo;كونية عمرraquo; هي laquo;عمر في المنظور الشيعيraquo; وفي انطلاقته من هذه المحطة الجديدة سيجوب العلوي في عالم التشيع ليرى صورة عمر فيه.
زمن القطيعة
ينفي العلوي حصول اي قطيعة او انشطار في الجسد الاسلامي في عصور الاسلام الاولى، ويشير الى تضارب الآراء التي تتحدث عن زمن ظهور لفظة التشيع.
وفي هذا الصدد، يقول العلوي: laquo;لو اجرى معهد غالوب المعروف بدقته استبيانا في أروقة القطيعة لحصل الاجماع على يوم السقيفة، حيث يشخص عمر بن الخطاب وجها اوجه فيصب على وجهه مصبوب المرويات منذ ذلك التاريخ، فكأن الامة انشطرت بالسقيفة الى شطرين، وعنهما نجمت ثنائية عمر وعلي، ولعل هذه النتائج المفترضة ستكون اخف ضررا من تأصيل الفرقة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن الاسلام ولد مشطورا، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتحرك بجناحين، على غرار الواقع السياسي الراهن، جناح لعلي وآخر لابي بكر، ولا بأس ان يسارع حملة الايديولوجيا الى تسمية احدهما باليسار، وثانيهما باليمين، ويصبح الإمام علي زعيم اليسار، وابو بكر زعيم اليمين، فيسقط التاريخ باسقاطات الحاضرraquo;.
الثنائية
ويوضح العلوي ان الكتابة في عمر اختراق لحملة التنقيص التي تضرب التاريخ الاسلامي والاسلاميين من خارجهم، لقد استفاد الكثيرون الذين يقودون حملة الفصل والقطيعة بدلا من المشاركة من ميراث وافر من فقهاء التنقيص الأوائل، فيرددون ما قالوه من مرويات.
laquo;ان التاريخ الاسلامي العام، وهو مدون بحرفية اكاديمية عالية يصادق على القول بنظرية المشاركة، ولم يتحفظ مؤرخ اسلامي محترف عن القول بها، وان قطعية الامام لم تكن ابدية، وانه جمد او اجل ما كان ينسب اليه من اعتراض على الخليفة الاول، وان لم تكن درجة الاتصال بدار الخلافة قد تطورت الى مرتبة المشاركة الواسعة في الخلافة الثانية فنشأت بين الامام والخليفة ثنائية استعاد فيها عمر ثنائيته مع ابي بكر وكان يصغي للامام علي، والامام لا يضن عليه برأي الناصح، ولا بموقف عاضدraquo;.
ويتفق على حصول تطور الى حد الانعطاف في نظرية المشاركة كل من ابن سعد في طبقاته والطبري في تاريخ الملوك والمسعودي في مروج الذهب واليعقوبي في تاريخه والاصبهاني في اغانيه.
والثلاثة الاخيرون محسوبون على التشيع.
وعند رجال البحث الاكاديمي المعاصر اجماع لم يخرج عنه اسلامي او علماني على القول بالمشاركة، فيلتقي طه حسين بغريمه عباس محمود العقاد، والازهري محمد ابو زهرة بالعلماني عبدالرحمن الشرقاوي، وتنفرد المدرسة المصرية بثقة لم تكتسبها مدرسة معاصرة اخرى، وواحد من عناصر الثقة بها يقوم على نشاطها المحمدي في حقل المشاركة العلوية - العمريةraquo;.
ويضيف: laquo;ومن الانصاف ان الصفويين لم يبتدعوا نظرية القطيعة، وقد كانت قائمة في مرويات محدودة لكن الصفويين نجحوا في ادلجة القطيعة ووضع مناهج خاصة بها في البحث التاريخي وثبتت لها القواعد القائمة على (الادلة النقلية والبراهين العقلية) ووضعت موازنات لهذا المشروع، تحت تصرف ارفع العقول وابهى الاسماء الفقهية في لبنان، والعراق وايران، ومنح فقيه الدولة الاول الشيخ علي الكركي صلاحيات الشاه، فصار حرامه حرام الدولة وحلاله حلالها، فعارضته المؤسسة الدينية في العراق والبحرين والاحساء والقطيف، واصطدمت بمعارضة كان طرفاها يختلفان في شرعية السلطان الصفوي ويتفقان في نظرية القطيعة، وان كانت المعارضة اقل اندفاعا في هذا الاتجاه، واسلس روحا والطف عبارة، بينما دجج العلماء والمثقفون الصفويون القائلون بروح القطيعة الصارمة والابدية، فنشروا المرويات الغريبة واشاعوا الضعيف من الاسانيد، وكأنهم يستعيدون مرحلة مرت في التاريخ الاسلامي كانت الدولة الأموية تشتط بعيدا في هذا الاتجاه، وكأن التاريخ لا يبدو حيويا إلا بتوازن خاص فينشأ تشيع صفوي وتسنن امويraquo;.
laquo;روزه خونraquo; القطيعة
قبل ان يقفز العلوي للحديث عن بعض المؤثرات التي ساهمت بتعزيز القطيعة يتناول بعض المصطلحات التي صارت مدارا للتمييز او الافتراق، مثل رضي الله عنه وعليه السلام، والشهادة الثالثة من الأذان التي لا تعتبر واجبة عند كثيرين من فقهاء الشيعة، ومفردة الصلاة على الآل والاصحاب كلما ذكر اسم النبي عليه افضل الصلاة والسلام، ولذلك يرجح الصلاة على النبي من دون الآل والاصحاب مستندا الى جملة من الايات القرآنية.
وفي ما يتعلق بهذه الامور يرى العلوي ان الغاءها ليس بهذه البساطة، فاللغة عند اهل المذهب قد توظف للتعبير عن الملامح، قبل المضامين، فإذا صرنا الى الاستغناء عن مفردة خاصة ضاعت الملامح ولم يعد ممكنا التعرف على هوية المتحدث والمؤذن وستنتفي الحاجة الى فقه الخلاف!
أما في يتعلق بالقضية المهمة برأيه والتي يراها تساهم في القطيعة فهي قضية الروزه خون (كلمة فارسية تعني قارئ الحزن)، او بمعنى آخر قارئ مجلس العزاء.
ويشير العلوي إلى laquo;أن المنبر الحسيني ساهم في خلق وحدة نفسية لدى حاضري المجلس، تتجاوز انتماءات الطبقة والعنصر ومستوى التحصيل العلمي، فيبكي الجميع، وفي المقدمة منهم كاتب السطور الذي تتسارع دموعه في اللحظة التي يتنحنح بها القارئ، قبل النطق بالبسملة، وهي لحظة شعورية موروثة تستحضر رمم جدي، وعظام أخي. وعباءة أمي، وشجى الصوت بلحن الفاجعة، ويد مقطوعة الاصبع، وعمامة معلقة بحوافر الخيول، ومن بقي من احفاد الرسول ورؤوس على الرماح، وبنات النبي سبايا فأين منهن عمر؟ وقراره الاول في اليوم الاول من ولايته بعد وفاة ابي بكر بمنع سبي العرب واطلاق نسائهم وان كانوا من أهل الردة.
وقد قال الإمام الحسين لعبدالله بن عمر الذي طالبه بعدم الذهاب إلى العراق، ومقاتلة الخليفة الأموي في الشام: لو كان أبوك معنا لنصرنا. لكن الروزخون يتعامى عن هذا النص.
وفي تطور متوقع، حدث انعطاف في اتجاهات المنبر الحسيني، الذي اعتلاه مفكرون ومؤرخون وكان رائدهم الراحل الشيخ الدكتور احمد الوائلي خريج جامعة النجف وجامعة القاهرة والفقيه المؤرخ والأديب الشاعر ولم يعد معه المجلس الحسيني دعوة للبكاء واستخداما غير مفيد لأحداث التاريخraquo;.
منبر الوائلي وهوية التشيع
يرى العلوي laquo;ان محاولة الوائلي شكلت تطورا نقل المتحدث على المنبر من روزخون الى مؤرخ اكاديمي، خرج من الحوزة الدينية ولم يخرج عليها، فكان يقدم عصارة جهده بكلام تتوازن فيه الجمل بحذر بالغ، وكرس الشيخ الوائلي القول بمنع أئمة أهل البيت، سب الصحابة، واعتمد على روايات التاريخ العام. في مؤلفات الطبري والبلاذري والمسعودي، فضلا عن المصادر التاريخية الحديثة. وهو بين المكتبة والمحاضرة والكتاب.
وقد برز له دور استثنائي، عندما كانت حرب على الارض العراقية - الايرانية تجرف غابات الجنود والنخيل وتزود الاسماك في شط العرب ونهر كارون بلحوم البشر، وعلى الطروس وفي المكتبات ودور النشر، حرب استمرت الى ما بعد توقف الحرب الارضية. وقد دخل الى ميدان الصراع متطوعون لاسعاف الفريقين، وانحدرت السجالات الى قيعان الزيف والزلفى وامتهان الكرامات والطعن في اعراض المسلمين، وظهور مجلدات باهظة الكلفة لاسماء مجهولة، ما بين باكستان ولبنان...raquo;.
ويقول: laquo;في هذا المحتدم، وعند مزدحم الصراع، كتب الشيخ الدكتور أحمد الوائلي (هوية التشيع). وكأنه كان يرد أصلا على مرويات القطيعة. في الوقت الذي يواجه عند الطرف الآخر محاولات لتعجيم التشيع، وطعن الشيعة باسلامهم، فقدم الوائلي اطروحته العلمية بترسيخ الجذر العربي للتشيع، ومسقط رأسه الجزيرة العربية، وزعيمه هاشمي من قريش، ولسانه لسان عربي مبين، ودعوته الى عروبة الخلافة، بخلافة الامام القريشي، ووجوب الاذان وكتابة العقود بالعربية، فاستعرض لائحة بعلماء اللغة والنحو والصرف وهم من أهل التشيع.
والوائلي صعب المراس، والاصعب في الانجرار الى مساجلات الفرق، وكان ينأى بنفسه عن اشكالات العمل السياسي، ورفض زيارة ايران، كما رفضها كاتب السطور، مادامت الحرب قائمة بين البلدين. وحصر حركة كتابه بالعصور الاسلامية المتقدمة، حتى لا ينزل الى مشتجر الخلاف بعد الدولة الصفوية. وهو يبدأ مقدمة كتابه (بالصلاة والسلام على محمد وآله الاطهار، وأصحابه الابرار والتابعين) وفي هوية التشيع الذي صدرت منه ثلاث طبعات في الثمانينات، ينقل من كتب التراجم مثلا ان يحيى بن يعمر كان شيعيا من القائلين بتفضيل أهل البيت، من غير تنقيص لغيرهم، كما في وفيات الاعيان، وفي الاستيعاب ان أبا الطفيل عامر الليثي أدرك من حياة النبي ثماني سنوات، وقيل: انه آخر من مات ممن أدرك من حياة النبي ثماني سنوات، وقيل: انه آخر من مات ممن أدرك النبي عن مئة عام. وكان محبا لعلي ومن اصحابه في مشاهده وكان ثقة مضمونا، يعترف بفضل الشيخين إلا انه يقدم علياraquo;.
حملات القطيعة
يحمل العلوي على صاحب كتاب laquo;بحار الأنوارraquo; محمد باقر المجلسي بسبب ما يحويه بعض اجزاء كتابه من روايات موضوعة دفعت الإمام الخميني إلى ايقاف طباعة أجزاء في هذا الكتاب حرصا على وحدة المسلمين، وحفظا للأجيال الجديدة من تسرب ما في تلك الاجزاء من معلومات اليها.
كما ان العلوي يحمل على الذين يؤلفون كتبا بصدد التشهير ودعما لمنهج القطيعة بين عمر وعلي ولذلك يطالب العلوي laquo;وكمحب لأهل البيت ومريد للإمام علي الذي يتعرض تاريخه للتشويه، اناشد السيد الإمام علي الخامنئي من موقعه، ان يؤسس هيئة علمية عليا للنظر في صلاحية الكتاب المتعلق بأهل البيت، وبتاريخ الاسلام عامة، اسوة بما عليه مشيخة الازهر الشريف، واسوة بالخطاب الرسمي في المؤسسات الايرانية الرسمية، التي تمنع الاساءة والتشهير وما يمس وحدة المسلمينraquo;.
جوازات مرور خارقة
يقول العلوي بعد استعراضه أسماء من تيار القطيعة وبعض التخاريف: laquo;واذا كانت نظرية القطيعة قد أقامت في ايران امبراطوريات كبرى، وساهمت في ايجاد وحدة تقوم على التمذهب القومي، فلأن ايران عالم خاص يعيش في شبه قارة، لها عناصر قوة لا تتوافر لاهل التشيع في بلد آخر. وليس لإيران مجال حيوي غير بلاد فارس، فيما المجال الحيوي للشيعة العرب مفتوح على عالم يمتد من ثراء الخليج وينتهي بثراء المحيطات، وسيحول بين ابنائنا وحق الحياة في امتدادهم العربي، قول ابائهم بنظرية القطيعة ما يدفعني إلى التصريح بأن نظرية المشاركة لا تقف عند اندماج الامام علي مع الدولة والمحيط في التاريخ الاسلامي الاول، وانما تدعو إلى اندماج بشري وقومي وانساني واندماج المصالح للمنحدرين من سلالات شيعية مع مجتمعهم العربي، ومن دون ذلك فسيكون عبور شيعي عراقي إلى الخليج كعبور الخليجي السني إلى جنوب العراق في هذه الايام، وهكذا يتحد الحرص على المصالحة التاريخية بالحرص على الصلح الاجتماعي مع الماضي والحاضر.
ان كتاب laquo;اصل الشيعة واصولهاraquo; للإمام كاشف الغطاء وlaquo;مهزلة العقل البشريraquo; لعلي الوردي وlaquo;فصول من تاريخ الاسلامraquo; لهادي العلوي وشيء من هذه المحاولة هي جوازات مرور تخترق جدران القطيعة، التي يستفاد منها في ايران لكنها ستضرب مصالح الشيعة العرب اينما ولوا وجوهم.
وفي منهج الوردي حملة من الملاحظات لعل جيلا سينتبه إلى اهميتها مثلما استيقظ العراقيون بعد الحرب العراقية - الإيرانية على صوت الوردي وعادوا يستنجدون بمناهجه العلميةraquo;.
laquo;روزخون السوربونraquo;
لا يوفر العلوي من نقده خريج جامعة السوربون الفرنسية في الفلسفة الدكتور محمد التيجاني السماوي، فيصفه بـ laquo;روزخون السوربونraquo;، بسبب كتبه التي اساءت إلى السنة والشيعة في معرض حديثه في تلك الكتب عن تشيعه والهجوم الذي قام به على بعض الصحابة، ولذلك يقول العلوي عنه: laquo;كان يكفيه كثيرا ان يتتلمذ على رجل دين ناشئ، وروزخون شاب من قراء الاساطير والناتج المطلوب هو ذاته، واللغة ذاتها، والاسطورة المحشوة في صواوين مسامعنا في طفولة الكرادة، ستغنيه عن علم السوربون ولغتها، وستزوده بمثالب يتطلع الرجل لتسويقهاraquo;. ويضيف: laquo;وإذا كان الدكتور التيجاني يتطلع إلى فقه التشيع، المشبع بروح الثورة والاحتجاج على الظلم، والدفاع عن روح الاسلام، فامامه متسع من العناوين المقصودة، واذا كان معجبا مثلي بتشيع الامام الخميني، فالرجل معرف بكتبه وأقواله، اما تشيعه فسره عند تلميذه الشهيد الدكتور علي شريعتي، وكتبه منشورة وافكاره قيد السجال العلمي في حسينيات ومساجد اصفهان وخرسان وطهرانraquo;.
ولم يوفر العلوي كتاباً آخرين يعدون أنفسهم من laquo;المستبصرينraquo;، فكلهم يعدون من دعاة تيار القطيعة.
ويلفت العلوي الى ان الذي laquo;عجل في اصدار هذا الكتاب على سوء صحة كاتبه ان الفضائيات العربية صارت تنقل شهادات لعلماء الدين من الشيعة يتنافسون على مسبة بعض الصحابة، وكأنهم بهذا يوفرون (الدليل الشرعي)، والمسوغ الفقهي للانتحاريين الذين يستهدفون المدن والبلدات الشيعية بالسيارات المفخخة (نكالاً) لهم على شتمهم هذا، ألا يعني هذا ان السلم الأهلي في العراق يرتبط بالكتابة التاريخية ابتداء من العصر النبوي وابطال المناهج والوسائل والمستحدثات التي قدمها الشيخ علي الكركي ومدرسته؟ دون ان نغفل المدرسة الأموية التي سبقت السلطان طهماسب في أسلوب السب والشتم بأكثر من عشرة قرونraquo;.
فقهاء المشاركة
يعتبر العلوي ان المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء كان من رواد نظرية المشاركة، فينقل عنه نصاً ينم عن تطور فكر هذه المرجعية الشيعية: laquo;لما ارتحل الرسول من هذه الدار إلى دار القرار، ورأى جمع من الصحابة ألا تكون الخلافة لعلي (ع)، إما لصغر سنه، أو لأن قريشا كرهت ان تجتمع النبوة والخلافة لبني هاشم، زعما منهم ان النبوة والخلافة اليهم يضعونها حيث شاؤوا، أو لأمور أخرى لسنا في صدد البحث عنها ولكنه باتفاق الفريقين امتنع أولا عن البيعة، بل في صحيح البخاري في باب غزوة خيبر انه لم يبايع إلا بعد ستة أشهر، وتبعه على ذلك جماعة من عيون الصحابة كالزبير وعمار والمقداد وآخرين.
ثم لما رأى تخلفه يوجب فتقا في الإسلام لا يرتق، وكسراً لا يجبر، فكل واحد يعلم ان عليا ما كان يطلب الخلافة رغبة في الامرة، ولا حرصاً على الملك والغلبة والاثرة، وحديثه مع ابن عباس بذي قار مشهور، وإنما يريد تقوية الإسلام وتوسيع نطاقه ومد رواقه وإقامة الحق وإماتة الباطل، وحين رأى ان الخليفتين - أعني الخليفة الأول والثاني - بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثرا ولم يستبدا، بايع وسالم وأغضى عما يراه حقا له محافظة على الإسلام ان تتصدع وحدته، وتتفرق كلمته، ويعود الناس إلى جاهليتهم الأولى، وبقي شيعته منضوين تحت جناحه ومستنيرين بمصباحه، ولم يكن للشيعة والتشيع يومئذ مجال للظهور لأن الإسلام كان يجري على مناهجه القويمة، حتى إذا تميز الحق من الباطل، وتبين الرشد من الغي، وامتنع معاوية عن البيعة لعلي وحاربه في laquo;صفينraquo; انضم بقية الصحابة إلى علي حتى قتل أكثرهم تحت رايته، وكان معه من عظماء اصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) ثمانون رجلاً كلهم بدري عقبي كعمار بن ياسر وخزيمة ذي الشهادتين وأبي أيوب الأنصاري ونظرائهمraquo;.
نظرية النطف الكسروية
يستحضر العلوي النقاش الذي اجراه المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي للرواية التي تقول ان الإمام الحسين تزوج ابنة كسرى يزدجرد بعدما سبيت مع شقيقتين لها، تزوجتا عبدالله بن عمر ومحمد بن ابي بكر. فيرى ان التسويق لهذه الرواية للاستدلال على ان الإمام زين العابدين (علي بن الحسين) جده كسرى يزدجرد هو من أجل ان تستمر نظرية النطف. لكنه في المقابل استثمر اضطراب الرواية وتعارضها مع بعضها للطعن بها، فيشير إلى السبي لبنات كسرى إذا حصل في عهد عمر فإنه سيحدث عام 18 للهجرة وفي اقصى حد عام 22، والإمام زين العابدين ولد عام 38 للهجرة وقيل 37 للهجرة أي بعد الزواج المفترض بعشرين عاما، حتى ان احدى الروايات الموضوعة تشير إلى ان الامام علي تحدث مع ابنة كسرى الفارسية بلهجة أهل خراسان في الوقت الذي كان ابنة كسرى يزدجرد تتحدث باللغة البهلوية الساسانية، وهذا يدل على أن الكلام الفارسي الذي وضعه الراوي في الرواية يعود إلى عصره لا إلى زمان المدة المفترض!
والأكثر غرابة ان الامام علي في الرواية يحدثها بالفارسية وهي تجيبه بالعربية!
محمد باقر الصدر وشريعتي
يقول العلوي: laquo;كان الإمام موسى الصدر من دعاة المشاركة الأقوياء، ومن رافضي منهج القطيعة ومنتقدي رجاله، ومروجيه. فلم يكن غريباً عليه اقامة مجلس تأبيني بوفاة الدكتور علي شريعتي، تناقلت وقائعه الصحافة اللبنانية، مما اثار استياء آية الله السيد مرتضى العسكري، فكتب إلى السيد موسى الصدر رسالة يلومه بعنف لإقامة مجلس فاتحة على علي شريعتي، فكيف يجرؤ السيد الصدر على تكريمه في بيروت؟
اما موسى الصدر فكان جوابه، انه بعث برسالة السيد العسكري كماهي مقرونة برسالة شخصية منه، إلى السيد محمد باقر الصدر في النجف الاشرف، الذي كتب بدوره رسالة تعنيف إلى السيد العسكري قائلا له: laquo;من جعلك قيما على الفكر الشيعي منتصرا لموقف الحزن على رحيل علي شريعتي، الذي سبق له القول بعد الاطلاع على رسالة للسيد محمد باقر الصدر في (الولاية) ان التشيع اذا طرح بهذا المفهوم فالمستقبل لهذا الطرح العظيمraquo;.
والسيد محمد باقر الصدر كان في ذلك الوقت يتزعم الاتجاهات الجديدة للحوزة العلمية. وربما تنفس خصومه الصعداء لإقدام صدام حسين على إعدامه مع شقيقته بنت الهدى، فحُرم الإسلام من أخطر مفكريه المعاصرين والداعين إلى فهم جديد للتاريخ الإسلامي بما يعزز المشتركات، ويضعف المنهج التقليدي لفقهاء القطيعة بين المسلمين.
إن الشيخ خيرالله البصري، وهو من بناة العمل الإسلامي في العراق، يحتفظ بشهادة مثيرة عن هذا الالتباسraquo;.
يقول علي شريعتي في كتابة laquo;التشيع العلوي والتشيع الصفويraquo;:
laquo;ان المجلسي وهو أبرز وجوه التشيع الصفوي يرسم للإمام السجاد صورة أعتقد ان أعداء آل علي الذين نصبوا لهم السيف يخجلون من نسبتها اليه، فإن العزة والوقار والهيبة وإليها صفات معروفة لبني هاشم لا تنكرها حتى الجاهلية، وان المجلسي ينقل أخباراً مثيرة للغثيانraquo;!
