«لا يكفي الانتصار في الحرب، بل الأهم تنظيم السلام».
- أرسطو
في خطوة دبلوماسية جريئة، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعوة شخصية إلى كل من اليونان وقبرص للانضمام كعضوين مؤسسين في «مجلس السلام» المستحدث لقطاع غزة. وتهدف هذه المبادرة، التي يترأسها ترامب نفسه وتتوافق مع قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2803، إلى الإشراف على مرحلة ما بعد النزاع في غزة، بما يشمل تثبيت الاستقرار، وإدارة المرحلة الانتقالية، وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة النطاق عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس.
وبحسب ما أكده مسؤولون في أثينا ونيقوسيا، تلقّى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس دعوات رسمية الأسبوع الماضي. وأشار وزير الخارجية اليوناني جيورجوس غيرابيتريتيس، في حديثه عقب اجتماع ثلاثي جمع اليونان وقبرص ومصر في القاهرة، إلى أن أثينا تراجع المقترح بعناية، مع التشديد على ضرورة انسجامه مع القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة.
تبرز اليونان وقبرص كشريكين مثاليين في هذا المسعى. فبصفتهما دولتين حدوديتين في الاتحاد الأوروبي على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، تحافظان على علاقات قوية ومتوازنة مع أميركا، والاتحاد الأوروبي، وإسرائيل، وعدد من الدول العربية المحورية، من دون الإرث الاستعماري الذي يثقل كاهل بعض المشاركين المحتملين الآخرين. كما أن القرب الجغرافي، وقنوات الاتصال الدبلوماسية القائمة، والقدرات اللوجستية المتقدمة، تضعهما في موقع فريد يتيح لهما المساهمة بشكل فعلي ومؤثر.
وبعيداً من العضوية الرمزية، يمكن لليونان وقبرص أن تؤدّيا أدواراً محورية كبوابتين آمنتين وموثوقتين لإيصال المساعدات الإنسانية ومتطلبات إعادة الإعمار. فموانئهما، ومطاراتهما، وخبراتهما البحرية، التي صقلتها سنوات من التعاون الإقليمي والتبادل التجاري، توفّر قنوات عملية وذات صدقية لتأمين ونقل كميات ضخمة من المواد اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية في غزة، وإسكانها، وإنعاش اقتصادها. ويسهم ذلك في تفادي الاختناقات في المسارات الأكثر توتراً، وضمان توزيع فعّال وشفاف في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
يعكس «مجلس السلام» الذي يقوده ترامب رؤية طموحة تقوم على تشكيل ائتلاف دولي متعدد الأطراف يتولى تمويل تعافي غزة وتوجيهه، على أن ترتبط المقاعد الدائمة فيه، وفق ما يُتداول، بحجم المساهمات المقدّمة. وقد وُجّهت دعوات إلى عشرات الدول، من بينها الأردن، ومصر، وتركيا، وهنغاريا، والهند، وباكستان، وغيرها، في مؤشر واضح إلى الطابع العالمي للخطة.
بالنسبة إلى اليونان وقبرص، تمثل المشاركة فرصة استراتيجية لرفع مستوى نفوذهما في جهود بناء السلام في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تعزيز تحالفاتهما مع واشنطن. وبصفتهما وسيطين موثوقين يفتقران إلى تشابكات تاريخية مباشرة في النزاع، يمكن لهما الإسهام في ردم الهوّات وتحقيق نتائج ملموسة، وتحويل الدعوة إلى دور قيادي فعّال على واحدة من أكثر الساحات تحدّياً في العالم.

