عندما قام صدام حسين بتوقيع اتفاقية 5 آذار (مارس) 1975 في الجزائر، أيام كان نائبًا للرئيس، مع شاه إيران، فإنه لم يُدرك بأن هذا التوقيع سيفتح عليه أبواب الجحيم، وسيقود العراق إلى حربٍ ضاريةٍ تستغرق ثمانية أعوام، وبسببٍ من تداعياتها سوف يضطرّ لارتكاب حماقةٍ غير مسبوقة باحتلال دولة الكويت، وكلّ ما قام به من أجل أن يُقصي الكورد من المشهد، لكن تَجلّى واضحًا فشلُ مسعاه هذا، ولا سيّما بعد أن عاد الكورد في العراق ليحظوا بفيدرالية، عوضًا عن الحكم الذاتي الذي كانوا يطالبون به في سبعينيات الألفية الماضية.

الرئيس السوري أحمد الشرع، وهو يقوم بالتوقيع على المرسوم الخاص بحقوق المواطنين الكرد في سوريا، في الـ16 من كانون الثاني (يناير) 2025، ذكّرني بأيام حكم حزب البعث في العراق، عندما تم إعلان «قانون الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان» من جانبٍ واحد، بعد الاختلاف مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان يتزعّمه وقتئذٍ الزعيم الكوردي مصطفى البارزاني، وهذا القانون لم يجرِ الترحيبُ باستقباله من قبل الشعب الكوردي، كما سبق أن استُقبلت اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970، ليؤكّد الفرق بين الحقّ المأخوذ بقوّة الإرادة، وبين ما يُعتبر منّةً وفضلًا.

الدور التركي في المشهد السوري منذ أواخر عام 2024 أخذ دورًا وطابعًا لا يكاد أن يختلف، من حيث المضمون، عن الدور الإيراني في العراق بعد الاحتلال الأميركي له، مع ملاحظة أن الدور التركي يحاول الاستفادة من التجربة الإيرانية بعدم التمادي بصورة مباشرة، والاكتفاء بالتأثير غير المباشر، من خلال جعله الحكم السوري رهين سياساته، وبشكلٍ خاصّ فيما يتعلّق بالكورد، الذين لو أسّسوا دولةً في المريخ، فإن ورثة أتاتورك سيذهبون إلى هناك لتدمير تلك الدولة!

تركيا أردوغان، الذي شهد النهاية العسكرية لحزب العمال الكوردستاني بطلبٍ من زعيمه القابع في سجن إيمرالي، وكثيرةٌ هي التصريحات والمواقف الرسمية التركية التي تؤكّد ذلك، ولكن عودة «التهديد الإرهابي» المزعوم للحزب المذكور، تزامنًا مع مجريات الأمور والأحداث في سوريا، بشأن المفاوضات الجارية بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي، رئيس قسد، لم يكن تطوّرًا يتّسم بالبراءة، وإنما بمنتهى الخبث، فهو كما يبدو قد رسم الخطة والطريق للحكم السوري الجديد للتعامل مع الكورد في سوريا، وفق سيناريو تمّ إعداده مسبقًا في أنقرة، سيناريو يجعل من قسد، كما جرى مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني على أثر اتفاقية 5 آذار (مارس).

والحقيقة، وأنا أتابع تطوّرات الأحداث بين الرئيس الشرع وبين مظلوم عبدي، أدركتُ بأن هناك مؤامرة أميركية ـ تركية ـ سورية، مع ملاحظة أن سوريا في آخر ذيل الاتفاق التآمري، للالتفاف والإجهاز ليس على قسد فحسب، وإنما على الطموح الكوردي المشروع في سوريا، من حيث التأسيس لدولةٍ مدنيةٍ تضمن حقّ الجميع دونما فرق، ومن الخطأ التصوّر بأن القصة قد انتهت هنا، بل إنها ستبدأ، ولا سيّما وأن سوريا ما بعد نظام الدكتاتور الأسد ليس هناك ما يمكن أن يضمن بقاءها على هذا الحال، في ظل أحداثٍ وتطوّراتٍ دوليةٍ متسارعةٍ وغير مسبوقة، ولطالما أتحفنا التاريخ بمفاجآتٍ لم تكن تخطر على البال.