مصطفى زين


يقولون في الولايات المتحدة أن الرئيس باراك أوباما الذي وعد بالتغيير في الداخل، وتحسين صورة الولايات المتحدة في الخارج، بدأ يكتشف صعوبة تحقيق وعوده. وأن الإنقلاب على التقاليد الإمبراطورية الراسخة أكثر صعوبة مما توقع، حتى لو كان الإنقلاب تلبية لرغبة شعبية أوصلته إلى البيت الأبيض.

اصطدم أوباما فور تسلمه الرئاسة بحراس الهيكل المرتبطين مادياً وروحياً بشركات النفط والأسلحة والأدوية. لم يستطع تمرير برنامجه الصحي ذي الشعبية الكبيرة في الولايات المتحدة. لم يجرؤ على وقف الحرب في أفغانستان. قرار الإنسحاب من العراق كان لمصلحة الحرب في كابول.

الإمتحان في الشرق الأوسط كان الأصعب. وعد أوباما الفلسطينيين بدولة خلال سنتين. شدد على أهمية تجميد الإستيطان في الضفة لأن المستوطنات هي العائق الرئيسي أمام السلام. اعتقد الجميع أنه وضع يده على الجرح. وان البداية السليمة لا بد أن تثمر.غطت بلاغته الخطابية على تدابيره العملية داخل الإدارة. عين الإسرائيلي رام عمانوئيل على رأس موظفي البيت الأبيض. أسند إلى دينيس روس منصب مستشار. أما تكليف جورج ميتشل مهام روس، إستناداً إلى خبرته في إحلال السلام في إرلندا، فاتضح أنه مجرد خداع للفلسطينيين والعرب .

عاد الرئيس إلى تقاليد البيت الأبيض. اقتنع بوجهة نظر نتانياهو. في أول صدام بينهما تراجع أوباما عن شرط تجميد الإستيطان للبدء بالمفاوضات. كانت هزيمته مدوية أمام نتانياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبيرمان. بدأ الضغط على الفلسطينيين كي يتنازلوا عن حقوقهم، قبل بدء المفاوضات. نتانياهو المنتصرعلى الإمبراطور لم يجد أي حرج في تكريس هذا الإنتصار. أكد أمام وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن البناء في 3 آلاف وحدة سكنية سيستمر. والإستيطان في القدس غير خاضع لأي مساومة. أيدته السيدة. زاودت عليه. قالت إنه، تاريخياً، على حق. طبعاً هي تتحدث عن الوعد التوراتي، وليس عن شعب سكن القدس منذ مئات السنين وامتزج مع أرضها وهوائها. الوعد هو التاريخ والحقيقة. وليس الناس الذين صنعوا التاريخ.

إنتقلت السيدة من القدس إلى المغرب، حيث يجتمع وزراء الخارجية العرب، تحاول الإستنجاد بهم ضد الفلسطينيين (هناك سوابق) علهم يقنعون فريق الرئيس محمود عباس بقبول أفكار نتانياهو، وبرؤيتها التاريخية. ستحاول إقناعهم بأن شرط وقف الإستيطان ليس في محله طالما أن المفاوضات ستتناول الوضع النهائي، أي الحدود والقدس والأمكنة المقدسة واللاجئين. وطبعاً ستحاول تسويق تراجع إدارتها أمام نتانياهو على أنه انتصار للسلام طالما أنه اقتنع بالجلوس إلى طاولة المفاوضات.

نود أن تسمع كلينتون في المغرب ما قاله لها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في واشنطن حين رفض دعوة واشنطن إلى إظهار انفتاح ديبلوماسي على إسرائيل لتشجيعها على استئناف مفاوضات السلام وقال: laquo;ليس لدينا ما نقترحه سوى التطبيع، وإذا فعلنا ذلك قبل استعادة الأراضي العربية المحتلة، سنخسر الورقة الوحيدة بين أيديناraquo;. ولربما زاد: إذا استجاب العرب وعباس طلب نتانياهو ستكون النتيجة الحتمية مزيداً من التشرذم الفلسطيني، ومن الإنفصام بين السلطة والشعب. وهذه وصفة سحرية لحرب أهلية لا يحتاج اندلاعها إلى أكثر من ذلك.

جاءت كلينتون من مركز الحداثة، بوعد توراتي خرافي. فكيف نصدق وعودها ووعود رئيسها؟