Matthias Schepp 
تسلُّم فلاديمير بوتين السلطة لولاية ثالثة في سدة الرئاسة يوم الاثنين يعني الرجوع عن الإصلاحات القليلة التي تبناها سلفه دميتري ميدفيديف، فبدلاً من توسيع رقعة الحريات في البلد، أعاد بوتين تحديد ديمقراطيته الصورية بشكل غامض.
عبّر فلاديمير بوتين عن إعجابه الكبير بأحد حكام روسيا السابقين، حتى إنه أرغم مجموعته من الوزراء على التبرع براتب شهر كامل لإحياء ذكراه. فسيُقام نصب بيوتر ستوليبين، رئيس الوزراء خلال عهد آخر القياصرة الروس، قبالة مقر الحكومة.
ساعد ستوليبين المزارعين، مقدماً لهم قروضاً صغيرة. ويُعتبر أحد أعظم المصلحين في روسيا خلال عهد القياصرة. يريد بوتين نفسه أن يُذكر على هذا النحو، فيرغب هذا الرئيس الروسي أن تعتبره الأجيال المقبلة أبا أمة قاد بلده إلى الحداثة بعد الانهيار المأساوي للاتحاد السوفياتي.
يبدو بوتين مصلحاً أيضاً في نظر كل مَن يرجون الاستفادة منه، فيأمل رجال الأعمال الأميركيون ودول الاتحاد الأوروبي أن يزيد بوتين خلال ولايته الثالثة تخصيص الاقتصاد الروسي. في هذه الأثناء، تأمل الحكومات الغربية أن يتعاطى بوتين مع التظاهرات الشعبية الأخيرة بتحرير نظام الحكم في بلد تتحكم فيه سلطة مستبدة إلى أبعد الحدود. يؤكد المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر أن صديقه في موسكو ldquo;يتوجه بجدية نحو ديمقراطية حقيقيةrdquo; في روسيا.
حفل ضخم لتسلم السلطة
شكر بوتين شرودر على تضامنه معه بدعوته إلى الحفل الكبير الذي أقيم بمناسبة تسلمه السلطة يوم الاثنين. فقد أقسم بوتين أمام 3 آلاف ضيف تقريباً اليمين في احتفال نقلته مباشرة محطة التلفزيون الحكومية. كان بوتين خلال ولايته الأولى كرئيس عام 2000 قد أقام حفل تسلم السلطة في قاعة الاجتماعات الرمادية الباهتة، التي شُيّدت خلال العهد السوفياتي، بيد أنه نقل حفله الأخير إلى قصر الكرملين الذهبي البراق. ففي هذا القصر، اعتاد القياصرة المستبدون، الذين استمدوا سلطتهم من السماء، الجلوس على عرش روسيا.
هدفت ضخامة حفل تسلم السلطة هذه السنة أيضاً إلى إبراز مدى نفوذ بوتين. فقد أخفى هذا العرض الملكي لحظات الضعف الأخيرة التي مرّ بها الرئيس الجديد. بدت سلطة بوتين متقلقلة منذ حقق حزبه ldquo;روسيا الموحدةrdquo; فوزاً ضعيفاً في الانتخابات في شهر ديسمبر. وقد تلت هذا الفوز الهش تظاهرات شعبية حاشدة ضد التلاعب بنتائج الانتخابات، فيما راحت النخبة الحاكمة ووجهاء الكرملين يتحدثون عن أن الوقت غير مؤاتٍ للسماح بسقوط بوتين.
لم ينسَ بوتين هذه التطورات، ولا شك أن حفل ldquo;جلوسه على عرشrdquo; روسيا ليس سوى الخطوة الرسمية الأولى في خططه المناهضة للثورة. فحملة الانتقام والتضييق السياسي التي أطلقها بوتين بدأت في الكواليس منذ فترة، ويُعتبر ستوليبين مثال بوتين الأعلى في هذه المسألة أيضاً. فإلى جانب إصلاحاته، يتذكر الروس رئيس الوزراء السابق هذا بما يُعرف بـrdquo;ربطة عنق ستوليبينrdquo;، أي المشانق التي عُلّق عليها سريعاً الثوار المناهضون لحكم القيصر.
قرر بوتين التعامل بحزم مع كل مَن أرادوا حمله على التقاعد باكراً خلال تظاهرات فصل الشتاء، فقد انتهت تظاهرة ضمت أكثر من 30 ألفاً من معارضي بوتين يوم الأحد الماضي باعتقال نحو خمسمئة منهم. عمد المتشددون من أعضاء المعارضة، التي تكاتفت حول ldquo;الجبهة اليساريةrdquo;، إلى رشق عناصر الشرطة بالحجارة والزجاجات. فجاء ردّ القوات الخاصة أقسى بكثير مما ألفه المتظاهرون خلال الأشهر الأخيرة. وهكذا، حظي كلا الطرفين بما سعى إليه: فقد تمكنت المعارضة من نشر صور حول العالم ظهر فيها رجال الشرطة وهم يضربون المتظاهرين بالهراوات عشية تسلم بوتين السلطة. في المقابل، أُتيحت لفريق بوتين الفرصة ليُظهر لشعبه أن الرئيس الجديد لا يرى أي حاجة إلى إصلاحات سياسية فعلية.
حتى قبل عودته إلى الكرملين، نجح بوتين في التقليل من أهمية الإصلاحات التي وعد بها الرئيس آنذاك دميتري ميدفيديف كرد على تظاهرات فصل الشتاء. فقد أعلن ميدفيديف، الذي أعاده بوتين إلى منصبه السابق كرئيس للوزراء في لعبة تبادل الكراسي المريبة هذه، أن مقاطعات روسيا الثلاث والثمانين ستتمكن مجدداً من انتخاب حكامها مباشرة. لكن بوتين يريد أولاً التحقق من المرشحين، زاعماً أنه يرغب في استقصاء المجرمين والفاشستيين، إلا أن لهذه الخطوة معنى واحداً: لا يصل الحكام إلى هذا المنصب إن لم ينالوا أولاً بركة بوتين.
شق صفوف المعارضة
بعدما انتقدته المجموعات المدنية بشدة، قرر بوتين إعادة تحديد ديمقراطيته الصورية على نحو غامض، معاقباً المتظاهرين وناصباً لهم الأشراك. على سبيل المثال، أُرغمت الصحافية أولغا رومانوفا، شخصية بارزة في حركة التظاهر، على الوقوف مكتوفة اليدين، بينما أُلقي زوجها رجل الأعمال في السجن بعد أن وُجهت إليه تهمة الاحتيال في إدارة الأوراق المالية. وقد اعتُقل بعد 10 أيام تقريباً من نعتها بوتين بـrdquo;الأب الروحي للمافياrdquo; خلال إحدى التظاهرات.
بفضل الإصلاحات الانتخابية التي قام بها ميدفيديف في اللحظات الأخيرة، تمكن زعيم المعارضة فلاديمير ريشكوف من إعادة إحياء حزبه الجمهوري، الذي حُظر عام 2007. قد يبدو هذا انتصاراً ديمقراطياً للوهلة الأولى، لكن عدد الأعضاء الضروري لتأسيس حزب خُفض من 40 ألفاً إلى 500، ما أدى إلى إحداث شقوق كبيرة في صفوف معارضة مفككة أصلاً.
تقدّم 160 حزباً تقريباً بطلبات إلى وزارة العدل للاعتراف بها رسمياً، منها تجمعات سياسية لسائقي السيارات، والبستانيين، وحتى مالكي المنازل الصيفية. فنرى اليوم مجموعة من ldquo;القوزاقrdquo; تسعى للترويح عن الروس، في حين يناضل ldquo;ائتلاف دينيrdquo; لفرض أسلوب حياة مسيحي صارم ومنع ارتداء التنانير القصيرة، أما مجموعة ldquo;روسيا شبه المداريةrdquo; فتطالب ببقاء الحرارة 20 درجة مئوية في مناطق فصول الشتاء الطويلة.
سبق صحافي
يسهل على فريق بوتين، كما درجت العادة في الاتحاد السوفياتي سابقاً، تصوير الديمقراطيين والمنشقين على أنهم وحوش ومجانين. يُعتبر بوتين بطل الغالبية الصامتة التي تعتمد على التمويل الحكومي وتلتزم بالنظرة السوفياتية إلى العالم، رافضةً خوض أي تجارب جديدة. وتغذي وسائل إعلام بوتين هذه الروح العامة المحافظة، مطلقة يومياً حملات مثيرة للجدل ضد المعارضة.
لم يلاحظ الشعب أن صديق بوتين يوري كوفالتشوك نجح في تشكيل إمبراطورية إعلامية من خلال شراء المؤسسات الإعلامية وشبكة من فروعها. يتحكم كوفالتشوك راهناً في خمس محطات تلفزيونية، الصحيفة اليومية Isvestiya، ثلاث من كبرى الصحف في البلد، والمحطة الإذاعية Echo Moscow (منذ شرائه المؤسسات الإعلامية التابعة لعملاق الطاقة Gazprom)، التي كانت في الماضي منبراً للسياسيين المعارضين.
تفوق هذه الإمبراطورية الذروة الإعلامية التي بلغها رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلوسكوني وروبرت موردوخ في المملكة المتحدة. وقد وصفها دميتري موراتوف، رئيس تحرير الصحيفة اليومية المعارضة Novaya Gazeta، بأنها ldquo;سبق صحافي لمصلحة بوتينrdquo;.
نادى شريك بوتين الأقل شأناً ميدفيديف بحرية أكبر لوسائل الإعلام، لكن فترة الازدهار القصيرة هذه انتهت عندما اتهم بوتين رؤساء التحرير، الذين انتقدوا الحكومة، بأنهم القوة المحركة وراء التظاهرات الشعبية. صحيح أن ميدفيديف نجح في تمرير أحد مشاريعه (تأسيس محطة تلفزيون حكومية)، إلا أن بوتين سيعين بنفسه المدير العام ورئيس التحرير.
ضربة للنخبة الحاكمة
يخطط فريق بوتين على الصعيد الاقتصادي لتسديد ضربة إلى بعض أفراد النخبة الحاكمة أمثال فيكتور فكسلبرغ، مالك مجموعة ldquo;رينوفاrdquo; العملاقة الذي عُرف بتقديمه دعماً لميدفيديف فاق ما يعتبره الرئيس الجديد مقبولاً. يخطط بوتين لتأخير عملية الخصخصة التي نادى بها ميدفيديف، رغم أنه أعلن دعمه الإصلاحات قولاً لا عملاً. ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن الشركات التابعة للحكومة ارتفعت في عهد بوتين من 24% عام 2000 إلى أكثر من 50% اليوم.
ولكن إن وقع النمو الروسي، الذي يعتمد على تصدير الموارد الطبيعية، ضحية للأزمة الاقتصادية الأوروبية- الأميركية، فسيواجه بوتين عندئذٍ مصير مثاله الأعلى ستوليبين. افتقرت إصلاحات رئيس الوزراء ذاك إلى بعد النظر. وبعد ست سنوات من اغتياله، أطاح الثوار الشيوعيون بحكم القياصرة.
