أكتب بين حبرين: حبر يسيل خلف التبشير السياسي اللبناني اليومي بالدم الذي لن يغطّي عريهم، وحبر يتقفّى الدم البارد المهدور يومياً في الساحات والأفران كي لا يقع رأس لبنان ليذيب الأحزان والأحقاد السياسيّة والمذهبيّة التاريخية المحشوة أبداً شرراً بالنفوس. تلك هي مشقّة الكتابة بين مئة لبنانٍ ولبنان ومئة حزب وحزب وعرب وعرب ومسلم وآخر، فوق بقعة بحجم الكفّ حافلة بالهزّات اليومية والفيالق المتتالية، بحثاً عن لبنان الضائع عبر القيادات المتكوّمة لكنها غير الصالحة لقيادة المستقبل.
أجوس الكلمات المتفجّرة بمعظمها هنا، قبل أن أستعملها. أشاورها وحيداً وطويلاً، وأشعر وكأنها لطخة أو ندبة في جسدٍ لبنانيً تهلهل بكوارثه المزمنة المتفاقمة، ولن تيبس دماؤه وهو لا يرى حوله. وأشعر بعدما أغسل الكلمات أو أنقعها بذوراً، لأخرج بها إلى النور مجدداً، وكأنّه لا همّ عندي سوى تسنيد الواقع بالكلمات قبل هبوب الحرائق. لنتذكّر بأنّ أجدادنا المولودين من طحين الصخر وملوحة المتوسط، سبقونا في رجولتهم وكراماتهم. كانوا يتركون زوجاتهم وبناتهم يبذرون الحبوب اليابسة في الأثلام انتظاراً لربيع آتٍ من سهولٍ أو خليج، ولكنّ معظمنا صرنا لا نتحسّب إلّا لتسوّل قروش مثقوبة تبيّض شقاء شعوبنا عندما تسوّد التصريحات والصحف والنصوص بالموت الآتي. نحار في الكتابة عن زمرة سياسيين لبنانيين لا رعاة لهم، لنطوّق بعض العرب بمزدوجات تدليلاً على عتبنا منهم، لكنّهم مغلوبون وقد أذهلتهم الدهشة من تخلّفنا.
بتّ أُنظر إلى الطاقات المنبعثة أو الكامنة في أجساد الكلمات كلّها، وكأنّها محنطة مسكونة بالانحطاط، لربّما توضع ونحن معها وفيها بين المزدوجات للحفاظ عليها، فمن قال بأنّ السمكة الصغيرة لا تسمُن فتصير حوتاً يخزّن الحبر والدم لا ليكسد أويبكي عجزه أو شيخوخته أو موته، بل ليحرّك هذا التخلّف العتيق المتنامي والأسود في اللسان السياسي اللبناني؟
أتجاسر بالكتابة قافزاً من جوف الموت ولو عصرت السطور لزاجتها حفاظاً على شابات لبنان وشبابه ومستقبله. هو خروج مؤقّت مشغول بسين الغد، أتطلّع فيه إلى أحفادنا الذين ينخرطون بالدنيا مدركين ما كابدناه وعشناه، ونحن الذين قرعنا أبواب الشرق والغرب، قبل أن تزحف قوى العالم إلينا.
الكتابة إذن؟ لا مأوى سوى الكتابة التي ماتت أو تموت وقبل أن تنتفي مثل غيمة تلبّدت فوق ارتجال الألسنة وارتحالها عن ناموسها وشرفها. نعم الكتابة قبل أن تحرق الأجواء أجساد الكلمات والوطن فلا يداويها مبعوث أو طبيب وسياسي أجنبي ولا قدرة على حفظها في الصدور والمواقف أو في الخزائن المنسيّة المخلّعة تحت أقدام الجهاديين عاشقي بعث الانحطاط والوعورة الإمبراطورية المركونة منذ ما قبل التاريخ.
أهرّب نصّاً مقصوداً مجبولاً بالدم وأرميه في الضوء الآتي من الزمن البعيد؛ لأوقظ حكّاماً يعجنون وطنهم طينة ليست صالحةً لإعادة البنيان النفسي والوطني، أو على الأقل لحلم استعماله ملاطاً صادقاً قد يرفع البناء السياسي اللبناني مجدداً. ليس هذا مستحيلاً! انظروا من حولكم أين هو الخليج؟ وأين أنتم يا أتعس السياسيين؟. إنّه التحدي في بذرة الشمس وحضارة التغيير وقد أصابكم العمى وكأنكم لا شعب من حولكم.
أمس، خرج جدّي على رأس قبيلته من الغساسنة من خلف سدّ مأرب نحو الشمال بعدما انهار السد تحت أسنان فأرة قضمته. واليوم يعود أحفادنا قابضين مع شباب الدنيا على فأرة العصر الكبير الماوس Mouse ليفتحوا بها نوافذ العالم، ويُسهموا في تقدم حضارة البشرية لخدمتكم ورقيكم في الميادين. لقد استوى أجدادنا أساساً فوق رائحة السمك في بحور الشرق الأوسط، ورسموا تاريخنا العربي بقشّةٍ فوق الصحاري الممتدّة نحو الشمال، وتركوا لنا مجلدات من التوصيات والعبر والتمنيات والمؤتمرات التي تُزهر أمام أعينكم وأعين بناتكم وأولادكم المسحورين هناك بالخليج، ولولاهم لكنتم في ما أنتم فيه تشحذون حتى الهواء للتنفّس في جحيم لبنان.
كانت بيروت، وكأنّه لا اسم لها أو شهرة أو دين أو مذهب أو مهنة، تعتبر نفسها العاصمة المشرقية التي تلتفّ حول معصمها مجمل عواصم المشرق العربي، لكنها تعيش اليوم معزوفة تكديس الصواريخ والأسلحة وامتشاقها لقتالٍ غريب عجيب قد يتأبّط فيه من شاء ورقة فلسطين والقدس، وبها يناكفون المحيط بتصويب الألسنة والأداء في مسائل خطِرة، مثل الإرهاب والمستقبل النووي الإسلامي.
ماذا يعني الحبر بعدُ لمن يكتب في لبنان المريض سوى المزيد من القهر اليومي في مسلسلات الانهيار والعزلة والرتابة؟
تتساقط دموعك؟ نعم، وأنت تسمّي نصك وتشاوره قبل نشره وتوصيه بأن يصل كلّ حرفٍ وطناً مشرقاً لا أن يصبح الوطن في التخلّف السياسي خردةً للبيع على الأرصفة المتنوّعة المذاهب والميزانيات في بلاد العرب والإسلام والعالم.
