في السنوات الخمس الماضية شهد العالم تحركات مكثفة وحثيثة لإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي لساحة البحر الأحمر بشكل أساسي، والقرن الأفريقي كجزء لا يتجزأ من ذلك المشهد، وفي الواقع هناك ارتباطات وثيقة بين الأنظمة الأمنية العابرة للحدود في الشرق الأوسط والمحيط الهندي والمحيط الهادئ والبحر الأبيض المتوسط بحكم الأهمية الاستراتيجية، والتنافس على النفوذ في البحر الأحمر والدول المشاطئة له ليتم تدريجياً عسكرة تلك الساحة بشكل متزايد. وعليه فهناك اهتمام منقطع النظير من جميع حكومات العالم ذات النفوذ العالمي أو الإقليمي بالحالة السودانية، والتي تمثل تداعياتها وخبايا المصالح فيها غير المرصودة أضعاف التداعيات والتأثيرات المتعارف عليها والمرصودة.
ما يجري في السودان يؤثر على طموح الأمن المائي لبعض القوى الفاعلة في الشرق الأوسط، ويفرض أجندات معينة على المنطقة لا مفر منها لتجنب كوارث أكبر من صنع الإنسان والطبيعة، ولذلك تجد مشاريع مثل «سد النهضة» في إثيوبيا قد يعبر تأثيره القارة الأفريقية، كما أن جهود بعض الحكومات للتوسط في السلام في السودان ليس فقط بدافع الرغبة في وقف إراقة الدماء وتعزيز السلام في العالم، ولكن أيضاً للرغبة في الحد من التداعيات السلبية للوضع في السودان على أهدافها الاستراتيجية طويلة الأمد، والتخفيف من تأثيرها المحتمل على الشأن الداخلي في تلك الدول.
والتساؤل هنا: هل ستشهد السودان انقساماً أو انقلاباً في الجيش السوداني يعكس الطموحات والارتباطات الخارجية للشخصيات والأحزاب السودانية الأكثر تأثيراً ونفوذاً؟
ومن جانب آخر، تقع السودان عند مفترق طرق جغرافي حرج وتحدها مصر وليبيا في الشمال الأفريقي وإثيوبيا وإريتريا في القرن الأفريقي، ودولة جنوب السودان الواقعة في شرق أفريقيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى في وسط القارة السمراء، أي أن السودان يلعب دوراً حيوياً في الوصول للثروات والمواقع الأهم في تلك الدول والتمركز الأنسب بالقرب من المضائق المائية والموانئ المهمة في القارة، والسودان هو الموقع الذي يندمج فيه نهرا النيل الأبيض والأزرق ليشكلا النيل الرئيسي وهو موطن لأكثر من 60% من حوض نهر النيل، بينما تعتمد الجارة الشمالية مصر بنسبة 90% على النهر لتزويدها بالمياه، كما يتمتع السودان أيضاً بموقع استراتيجي على البحر الأحمر وهو جسم مائي يمر عبره ما يقرب من 10% من التجارة العالمية، وتربط قناة السويس الأسواق الآسيوية والأوروبية.
فماذا لو توقف القتال بين الطرفين؟ فهل ستتوافق العقائد الراسخة لدى الطرفين والمكتسبات التي حظيت بها النخب؟ وكيف ستتأثر مصالح القوى الدولية والإقليمية بوقوع البلد في يد طرف دون الأخر؟
من يتحدث عن سيناريو انسحاب «قوات الدعم السريع» من الخرطوم إلى دارفور لربما يتجاهل انهيار اتفاق السلام هناك، ولربما انقسام السودان لدولتين وجر ليبيا ودول أخرى إلى حريق إقليمي، وستشعر أوروبا حتماً بلهيب ذلك الحريق، خاصةً بعد أن استنزفت الأزمات والكوارث المتتالية في العالم الموارد من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المختلفة والحكومات الوطنية في العالم، ومن سيجبر طرفي الصراع على قبول إجراء انتخابات مدنية برعاية ومراقبة دولية؟ وتقبّل مخاطر من سيعود لحكم السودان تحت عباءة الأحزاب؟ الحل قد يكون التصويت لمرشحين مستقلين لرئاسة الحكومة وتكوين برلمان شعبي حقيقي، وتجميد الأحزاب كحالة استثنائية تعود فيها الأمور للحياة الحزبية بعد عودة الاستقرار للسودان في مرحلة انتقالية لا تقل عن أربع سنوات، ومن يُرِدْ أن يترشح للانتخابات يجبْ أن يخلع زيه العسكري ويقع تحت رحمة صناديق الاقتراع، شرط ألا يعود للثكنات بعد الانتخابات كأحد شروط الترشيح.
لماذا السودان؟
هذا المقال يحتوي على 492 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة
