يخلط اللبنانيون كثيراً في مواقفهم من فرنسا و«الفرانكوفونية»، ويحشرونهما في خانتي «الأم الحنونة والاستعمار»، وما يلحق بهما من صفات متقابلة. يتظهّر الخلط مرتجلاً وكيدياً، إذ تنشب الأزمات والتجاذبات الطائفية على الصلاحيات والمناصب العليا في الجمهورية. وتتّسع الفجوة بين أنّ تكون فرنسا الجهة التاريخية التي أدمنت فكّ العقد، خصوصاً أن المسيحيين ينظرون إليها بصفتها واضعة لمدماك الأساس للبنان مقابل من يراها من القوى الناهضة بأنّها من البلدان المستعمرة التي خضع لها لبنان.

يمكنني التفكير بمشاريع الطموحات القارية التي طبعت تواريخ معظم بلدان البحر الأبيض المتوسط لا لبنان وحسب، وتستمر عبر شواطئ القارات الثلاث: إفريقيا الغنيّة الملتهبة، وآسيا الغامضة المتحيّرة، وأوروبا المتأرجحة بين عظمتين من الشرق والغرب. قد يبدو مفيداً التلميح إلى أن الرهانات القديمة على البيزنطيين والعثمانيين والغربيين قد أورثت الأجيال الوفاء بنضال أجدادهم، ولو كانوا قد رافقوا الغرب عبر طلائع عصر النهضة نحو ثروات الشرق.


ليست الفرانكوفونية استعماراً. هذا ارتجال. إنها تحديد للفضاء الجغرافي الذي يجمع الناطقين بالفرنسية في العالم. كان في صلبها 4 رؤساء: الحبيب بورقيبة عن تونس، ليوبولد سنغور عن السنغال، حماني ديوري عن النيجر، نورودوم سيهانوك عن كمبوديا. هكذا وقّعت 21 دولة بتاريخ 20 مارس 1970، اتّفاقية تأسيس «وكالة التعاون الثقافي والتربوي والبحثي» التي اتّخذت اسماً جديداً في عام 2007 هو «المنظّمة الدولية للفرانكوفونية»، وتضم 88 دولة، توسعت صلاحياتها إلى ميادين السلم والديمقراطية والتنمية المستدامة والاقتصاد والتعايش والتنوع الثقافي والتغيرات المناخية ودعم الشباب والنساء.

هكذا أختتم حياتي الأكاديمية في المعهد العالي للدكتوراه، مشرفاً ومناقشاً لأطروحة دكتوراه في الفرانكوفونية ماضيها وحاضرها ومستقبلها، نالتها الطالبة حياة عون خلال 5 سنوات بحثية. تقفّينا معاً ملامحها وآثارها السياسية والثقافية وأشكالها التاريخية بعد 100 سنة، وأبرزنا موقع فرنسا المتراجع في فكّ عقدة انتخاب رئيس جديد للجمهورية المربكة. وللمصادفة الجميلة، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، العالِم شخصياً بموضوع الأطروحة، يبحث مع البطريرك بشارة الراعي في الإليزيه (29 مايو 2023) عن رئيس للبنان لم يصل، تزامناً مع تخريجنا الدكتورة بدرجة جيّد جدّاً. وهنا تحضرني إشارات:

1- وقعت الأطروحة في زمنٍ كان اللبنانيون وما زالوا، يحلفون ويحتفلون ويختلفون ويلتحفون ويلفحون العالم بمشاكلهم، ويفلحون تاريخهم الماضي والمعاصر، ويبذرون مشاكلهم في جهات الأرض، متنازعين متباعدين على تصفية الماضي وتنقية المستقبل. ليس الهدف الأسمى في نهضة الأوطان ورخائها الأخذ فقط بالتوصيات والجهود الجبارة لقيادة البطريرك الحويك ولآباء القضية اللبنانية كمعيار للتقويم بتحديد لبنان الكبير وتقديم المذكرات وترؤس الوفود قبل 100 سنة ونيّف من قيام لبنان، بل باحترام المتغيرات الماثلة للعيان.

2 - أستعيد الآن صورة الرئيس الفرنسي جاك شيراك، يُلقي خطاباً أمام البرلمان اللبناني في 17 أكتوبر 2002، قبل قمّة الدول الناطقة بالفرنسية في بيروت وعددها 55 آنذاك. كانت الوزارة قد أعدّت برئاسة الشهيد رفيق الحريري مسودّتي البيان الختامي وإعلان بيروت، ومن أهمّ ما علق بذهني من خطاب شيراك قوله أمام البرلمان اللبناني: «باتت اللغة الإنجليزية لغة العصر مع تراجع الفرنسية في العالم». كان همّ شيراك الواضح، البحث مع المسؤولين الأفارقة المشاركين بالقمة في ما يتجاوز القارة السوداء وتركيز اهتمامه على اللبنانيين المهاجرين من جنوبي لبنان أصحاب اللكنة الفرنسية الخاصّة، والهمّ الأكبر تدفّق ثرواتهم لإنماء الجنوب لإعماره والنهوض به توخياً للسلام.

3 - لا بدّ من إيراد الرواية الطريفة حول ما يُعرف بالSignal بمعنى «الإشارة» التي كانت تُفرض، وما زالت ربما، على ألسنة طلاب المدارس وعقولهم عند خروجهم من قاعات الدراسة إلى الملاعب المدرسية الخاصة وحتّى الرسمية منها. كان يُحظر عليهم التكلّم أو التحادث بالعربية، الأمر الذي يكون قصاصهم فوراً حمل تلك الإشارة، وهي كناية عن قطعة خشبية لها شكل ال S باللاتينية، يزدريها الرفاق ويؤشّرون بها باحتقار إلى أقرانهم الذين نطقوا بالعربية لا بالفرنسية حصراً أثناء دراستهم.

4- يفترض الواقع الراهن الابتعاد العقلاني عن ملكية الظروف والأسس والقيم التي وضعها آباء القضية اللبنانية، بعدما عادت أشباح الجوع والأمراض والشروخ المذهبية تخيّم على مكونات لبنان وتهديمه في ما يتجاوز الفرانكوفونية نحو الإنقاذ الداخلي، وردم الحفر المشتعلة التي سبق وأسماها الرئيس السابق ميشال عون «الجحيم» قبل مغادرته قصر بعبدا، سيما أن الحضور اللبناني المتنوع بات عالمي الصيت ويتجاوز التشابكات الداخلية نحو الحيوية Vitalite الوطنية الملموسة، بعدما تصدّعت حصون التمايز والسيطرة والتماهيات والاستقواء بالماضي على حساب الحاضر والمستقبل.