هل كان الحديث عن «فسحة الأمل العلمي» مجرّد نسمة تفاؤل؟ حتى هذا، لا بأس، فشاعرنا أوصانا منذ قرون: «حَرّك مُناكَ إذا اغتممتَ فإنهنّ مَراوحُ». درس ومنهج في علم النفس. لكن التفاؤل يغدو فريضةً ومسؤوليةً، إذا كانت الدوافع والحوافز لا تحصى، شأنها في العالم العربي. هل ثمّة دافعٌ حافزٌ أكبر من التنمية الشاملة التي حققتها دولة الإمارات في جميع الميادين؟ وهل يحتاج العرب إلى حوافز تدفعهم إلى الانطلاق بلا هوادة، أكثر من الواقع ذي المعطيات الفريدة: أربعمئة مليون نسمة على أربعة عشر مليون كيلومتر مربّع، فيها ثروات خَطّط الطامعون ويخطّطون بكل الوسائل للاستيلاء عليها؟
النهج التنموي الغربي أصلاً لا يمكن للبلدان العربية تطبيق خططه وسلوك مساراته، لأن الحضارة الغربية قامت على نهب ثروات المستعمرات. هي ذي اليوم تُطرد من آخر معاقلها. يحلو للقلم أن يردّد دائماً: إن الشعوب ليست أكياس ملاكمة. لقد «استيقظت أممٌ من رقدة العدمِ»: الصين، روسيا، أمريكا اللاتينية، العالم العربي وأخيراً إفريقيا. ليسمح لنا السيد جوزيب بوريل، الممثل السامي للاتحاد الأوروبي، باستعارة مفرداته ليقول له العالم: إن الحديقة لن تكون قادرةً بعدُ على السطو على ما تملكه الأدغال.
الآن حان موعد تصالح العرب مع تراثهم، لتغيير حاضرهم ومستقبلهم، مثلما فعل أشقاؤهم في الإمارات، وأشقاء آخرون على طريق التحوّل الإيجابي. مهمّ أن تدرك دولٌ عربيةٌ كثيرةٌ أن اقتفاء آثار الغرب ليس ضرورة تنموية، أو نموذجاً مثاليّاً. لا شك في أن ما حقّقته الإمارات يعود الفضل الأكبر فيه إلى الإدارة الفائقة الفاعلة، أكثر ممّا يعود إلى الثروات الطائلة. ثروات العالم العربي قادرة على استعادة كل العقول المهاجرة. هي لا أقل من مليوني نابغة وخبير. ربما أكثر بكثير. هذا أفظع أشكال الاستعمار في تاريخ البشر.أمّا كيف يتعلم فاقدو الإدارة الفائقة، كيف تكون لهم عقول إدارية رائدة، فعليهم أن يأخذوا الدروس على أيدي أشقائهم المتألقين، فهذا أسلم وأقوم سبيلاً. ذلك أفضل من اللجوء إلى دروس الناهبين الذين يرونهم مجرّد أدغال.
الحياة فيها مُتّسع من الوقت. لا شأن للعرب بحضارة الغرب. أعيدوا نضارة سلّة الغذاء العربي، وسترون كيف تخرّ لها الجبابر ساجدين. التنمية العربية الآن ممكنة بالعمل المشترك، لأن القطبية الواحدة ذهبت إلى غير رجعة. الندّية صارت ممكنة. أصبح الجبّار عاجزاً عن التفرّد بالصغار. ما أيقظ الشعوب ثقافة جديدة في العلاقات الدولية. أوكرانيا أبعد من أوروبا وآسيا، والنيجر ومالي وبوركينا فاسو أبعد من إفريقيا، والبرازيل وفنزويلا أبعد من أمريكا اللاتينية.
لزوم ما يلزم: النتيجة الأساسية: القاعدة المبدئية بسيطة، «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف». لتحقيق التنمية الشاملة، توفير الأساسيات والأمن.
