خلع رداء القلق والسلطات السعودية تتابع من كثب :
حي "السفارات" ...أربعة أيام أربعة تحذيرات
سلطان القحطاني من الرياض: يخلع حي السفارت السعودي اليوم رداء القلق بعد أربعة أيام تخللتها أربعة تحذيرات من وقوع هجمات ارهابية في السعودية، كانت خلالها السفارة الأميركية صاحبة السبق في إعلان أول تحذير من هجوم في المملكة لم تحدد وقته أو مكانه. وبعد التحذير الأميركي تتابعت ثلاثة تحذيرات من كندا واستراليا وبريطانيا. ويقول المتحدث باسم السفارة البريطانية في الرياض باري بيتش لـ"إيلاف": "أطلقنا تحذيراً لرعايانا....لدينا معلومات حول هجوم ارهابي، لكننا لانعرف المكان أو التوقيت". ويتمركز حي السفارات شمال غرب العاصمة الرياض، ويتناثر فيه العديد من المقار الدبلوماسية لسفارات العالم لدى السعودية، بينما ترفل جميعها في ظل البيئة المتحررة التي تلائم التنوع الثقافي لقاطنيه.
ويعتبر هذا الحي الذي أنشأته الحكومة السعودية بمثابة الحل الوسط لعدم خلخلة المفاهيم الإجتماعية السعودية المحافظة، والتي كانت ستعارض مظاهر التحرر التي تنشأ داخل المقرات الدبلوماسية الدولية،خصوصاً إن رآها السعوديون بين ظهرانيهم،أو في أحد أحيائهم.
وليس الدخول إلى هذا الحي الدبلوماسي بالأمر الهيّن، خصوصاً بعد التهديدات المتواترة له، والتحذيرات التي تظهر بين فينة وأخرى من احتمال تعرّضه لعملية إرهابية.
وعلى مسافة 100 متر تقريباً قبيل الوصول إلى بوابته الرئيسية تمرّ عيناك بصفوف طويلة من المصطبات الخرسانيّة المطلية بالأحمر والأبيض، وهي ترتمي على أرضية الشارع بطريقة لولبية لتنظيم دخول السيارات وتفتيشها جيداً.
وأمام البوابة يقف ستة جنود سعوديين بجوارهم سيارة أمنية واقفة بالعرض. وينهمك الجنودُ بتقتيش الحقائب الخلفية للسيارت التي تهم بولوج المكان،في حين يحظى دبلوماسيّو الحي وعوائلهم بالدخول من مكان خاص لا يخضعون فيه إلى تفتيش.
وفي مواجهة مدخل الحي تقف مدرعة عسكرية تتقدمها أكياس واقية من الرمل، ويتمركز في أعلاها جندي يرتدي زيه المرقط ويقبض بكلتا يديه على رشاش منصوب أمامه، وتتدلى منه سلسلة من الرصاص ذي اللون البرّاق.
وبقرب المدرعة العسكرية نافورة أنيقة، يمنحها ضوء الشمس الساطع تلألأً جمالياً.وتتوزع في المكان مظلات معدنية بيضاء تقي الجنود من أشعة الشمس الحارقة، والتي تزداد وحشيتها في ساعات الظهيرة.
وحول بيت السفير الأميركي وسفارته ، صاحبة التحذير الأول من هجمات إرهابية، يبدو جنود سعوديون في حركة دؤوبة ذهاباً وإيابا ، في الوقت الذي يبدو فيه جنودٌ أميركيون يحرسون السفارة من الداخل،وهم يرتدون الصديريات الواقية من الرصاص. وفي الاعلى يرفرف العلم الأميركي بجوار حائط كتب عليه باللون الأحمر " خطر" باللغتين العربية والإنجليزية. علماً أن ما بين 20 الف اميركي و25 ألفاً يقيمون حالياً في المملكة.
والمشهد نفسه تراه قرب السفارة البريطانية حيث تتمركز ثكنة عسكرية يحرسها جنود سعوديون، وهي محاطةٌ بالرملومكسوةٌ بأغطية ذات لون أخضر قاتم.
ورغم التحذيرات التي أُطلقت خلال الأيام الماضية لا يشعرُ أحد بالقلق، خصوصاً في هذا الحي الذي يعتبره الإرهابيّون صيداً ثميناً ويبدو عصياً عليهم بالنظر إلى التعزيزات الأمنية التي تحيط به.
وفي ساحة "الكندي"، الأشهر داخل الحي،لايبدو أن أحداً يشعر بالخطر.فالحياة تسيرُ بإنسيابية معتادة. وانخرطت عائلة سعودية في التجول بجوار عوائل الدبلوماسيين القاطنين. وفي الساحة ذاتها يبدو التواؤم في المشهد مابين العباءة السوداء المحافظة،وسراويل الجنز الضيقة،فيما يقوم شبان بالتزلج بالأحذية ذات العجلات على الأرضية الرخامية اللامعة للساحة البيضاء .
وفي مجمع سكني يقطنه غربيون في حي العليا شمال العاصمة الرياض تقول "كيم"، وهي استرالية تعيش في السعودية منذ سبع سنوات:"لا أشعرُ بالقلق". وتضيف وهي تداعب طفلها الذين يرتدي بذلة رصاصية مقلمة،وتنحدر خصلات شعره الأشقر على جبينه،:"لا أظنُّ أن أي خطر يحدق بنا... نحن آمنون هنا ".
وكان أول ويلات التفجيرات الإرهابية في السعودية قد طال مجمعاتٍ سكنية يقطنها أجانب.
وأعادت السفارة الأميركية في الرياض والقنصليتان التابعتان لها في جدة والظهران يوم الأربعاء فتح أبوابها بعد يومين من الاغلاق ، بسبب تحذير غير محدد باحتمال وقوع اعتداء. وجاء في بيان للسفارة الأميركية: "تعلم السفارة في الرياض المواطنين الاميركيين كافة في المملكة السعودية انه بعد تمحيص المعلومات التي وردتنا بشأن تهديد، فإن السفارة الاميركية في الرياض والقنصليتين العامتين في جدة والظهران ستعودان الى العمل بشكل اعتيادي الاربعاء العاشر من آب/اغسطس" الحالي.
وقال متحدث باسم السفارة انه بامكانه " تأكيد ان بيانا صدر بشأن اعادة فتح السفارة والقنصليتين". وكانت السفارة الاميركية في الرياض اعلنت في بيان الاحد اغلاق مبنى السفارة وقنصليتين تابعتين لها لمدة يومين عقب تلقيها معلومات عن "تهديد" يستهدف المباني الرسمية الاميركية.
وجاء في البيان "ردا على تهديد بالتعرض للمباني الحكومية الاميركية في المملكة اخطرت السفارة الرعايا الاميركيين في هذا البلد بأنه سيتم اغلاق السفارة الاميركية في الرياض والقنصليتين في جدة والظهران في الثامن والتاسع من آب/اغسطس الجاري.فعلى المواطنين الاميركيين اتخاذ كل اجراءات الحيطة عند زيارتهم للمراكز التجارية والاماكن التي يرتادها الغربيون".
وكانت السفارة الاميركية في الرياض اعلنت في العشرين من تموز/يوليو تلقيها معلومات عن التخطيط لعمليات ارهابية في المملكة التي استهدفتها اعتداءات عدة يقف وراءها تنظيم القاعدة منذ ايار/مايو 2003. وكانت اقفلت ابوابها في كانون الاول/ديسمبر 2004 لمدة يومين اثر تعرض القنصلية الاميركية في جدة لهجوم قتل خلاله خمسة موظفين غير اميركيين كما قتل اربعة من المهاجمين.
![]()
وكانت كل من بريطالنيا وكندا واستراليا اصدرت تحذيرات بشأن هجمات وشيكة محتملة في السعودية التي تشهد منذ ايار/مايو 2003 موجة اعتداءات دامية يقف وراءها الفرع السعودي لتنظيم القاعدة.
وسبق أن اكدت السلطات السعودية أن لا معلومات ملموسة عن أي تهديد لوقوع هجوم محتمل في المملكة ، وأنها تتخذ كل الاجراءات الامنية اللازمة لمواجهة أي احتمال.
وأغلقت البعثات الدبوماسية الاميركية في المملكة لفترات قصيرة مرات في السنوات الأخيرة بسبب تهديدات امنية.وقبل يومين كانت الخارجية الأميركية أصدرت تحذيرا جديدا بخصوص الوضع الأمني في الشرق الأوسط، بدلا من التحذير السابق الذي يشارف على الانتهاء.
وأوضحت الوزارة حينها أنّ التحذير لا يستند إلى معلومات استخبارية محددة، ولكن تمّ إصداره في ضوء الهجمات التي هزّت منتجع شرم الشيخ المصري في وقت سابق. وجاء في البيان "أنّ معلومات ذات مصداقية تشير إلى أنّ جماعات إرهابية مستمرة في محاولة تنفيذ هجمات ضدّ المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا."
وسبق أن أصدرت الحكومة البريطانية تعديلا على توجيهاتها للبريطانيين المتعلقة بالسفر إلى السعودية، ومسلطة الضوء على تقارير "موثوق بها" بهجمات متوقعة وتشمل "مواطنين غربيين".
ونشرت الحكومة مذكرة على موقع وزارة الخارجية بالانترنت، تحذر من استمرار "تهديد قوي"، من الإرهاب ويشمل مصالح متعلقة بالطيران.وأضافت المذكرة أنه يمكن للعاملين غير الأساسيين، بالبعثة الدبلوماسية البريطانية مغادرة السعودية إذا رغبوا في ذلك.
كما أصدرت الخارجية الأسترالية تحذيرا مماثلا إلى الأستراليين، يقضي بعدم السفر إلى السعودية، ويحث مواطنيها الموجودين هناك على المغادرة أو التزام الحذر الشديد.
وكانت السعودية تعرضت لسلسلة هجمات من مسلحين إسلاميين خلال العامين الماضيين، شملت عمليات خطف وتفجيرات لمساكن لغربيين أوقعت زهاء 100 قتيل ونحو 240 جريحاً طالت سعوديين وعرباً وأجانب.
