إيلاف تنشر المقدمة الكاملة لتقرير العفو الدولية عن 157 دولة
الفقر يزيد إنتهاكات حقوق الإنسان... والعالم قنبلة موقوتة
|
اجتماع منظمة هيومان رايتس وتبدو لوحة اسبانية في سقف القاعة |
quot;في سبتمبر/أيلول 2008 ، كنتُ في نيويورك للمشاركة في اجتماع رفيع المستوى عُقد في الأمم المتحدة بشأن أهداف التنمية الألفية، وهي الأهداف المتفق عليها دولياً لتقليص الفقر بحلول عام 2015 . وقد تحدث المندوبون،الواحد تلو الآخر، عن الحاجة إلى تخصيص مزيد من الأموال للقضاء على الجوع، وتقليص عدد حالات الوفاة التي يمكن تفاديها في صفوف الأطفال الرضَّع والنساء الحوامل، وتوفير المياه النظيفة والصرف الصحي، وتعليم البنات. لقد كانت حياة وكرامة مليارات البشر مطروحة على بساط البحث؛ ولكن من دون توفر إرادة تُذكر لدعم الكلام بالمال. وعندما غادرتُ مبنى الأمم المتحدة، كانت أشرطة الأخبار تحمل نبأ مختلفاً تماماً من جانب آخر من منهاتن: وهو انهيار أحد أضخم المصارف الاستثمارية في laquo;وول ستريت raquo;. وقد كان ذلك إشارة ساطعة إلى المجال الذي يتركز عليه اهتمام العالم وموارده في حقيقة الأمر. فقد أصبحت الحكومات الثرية والقوية، فجأة، قادرة على توفير مبالغ أضخم مرات عدة من المبالغ اللازمة للقضاء على الفقر والتي لم تستطع أن توفرها، وقامت بضخِّها بسخاء في المصارف الفاشلة، وقدمت رزم المساعدات لتنشيط الاقتصادات التي كان قد أُطلق لها العنان لسنوات عديدة وارتطمت الآن بالأرض.
الأزمة الاقتصادية ومسؤولية الأغنياء عنها
وبحلول نهاية عام 2008 ، أصبح واضحاً أن عالم الطبقتين من الحرمان والشرهndash; عالم إفقار الكثرة من الناس لإشباع جشع القلة ndash; أخذ في الانهيار والسقوط إلى قاع الهاوية. وكما في تغير المناخ، كذلك هي الحال في الركود الاقتصادي العالمي: فالأغنياء مسؤولون عن معظم الأعمال المدمرة، ولكن الفقراء هم الذين يكابدون أسوأ عواقبها. وفي الوقت الذي لا يسلم أحد من عضة الركود، فإن ويلات البلدان الغنية لا تُذكر مقارنةً بالكوارث التي تحلُّ بالبلدان الفقيرة. فمن العمال المهاجرين في الصين إلى عمال المناجم في كاتنغا بجمهورية الكونغوالديمقراطية يشعر الناس الذين يحاولون يائسين انتشال أنفسهم من براثن الفقر بأن كواهلهم تنوء بالأوزار. ويتوقع البنك الدولي أن يقع 53 مليون شخص آخر تحت نير الفقر إضافةً إلى ال 150 مليوناً الذين ضربتهم أزمة الغذاء في العام الماضي، ما أدى إلى شطب مكتسبات العقد الأخير برمته. وتشير أرقام منظمة العمل الدولية إلى أن بين 18 و 51 مليون شخص يمكن أن يفقدوا وظائفهم. كما يؤدي الارتفاع الجنوني لأسعار الغذاء إلى مزيد من الجوع والمرض، وأن تؤدي عمليات الإجلاء القسري والإغلاق إلى مزيد من التشرد والكرب. quot;إن العالم بحاجة إلى نوع مختلف من القيادة ونوع مختلف من السياسة والاقتصاد...نوع يعمل لمصلحة الجميع وليس للأقلية ذات الامتيازاتquot;.
وفي حين أن من السابق لأوانه التنبؤ بالأثر الكامل للإسراف الذي حدث في السنوات الأخيرة على أوضاع حقوق الإنسان، فإن من الواضح أن الثمن الذي تدفعه حقوق الإنسان، وعواقب الأزمة الاقتصادية المترتبة عليها، ستلقي بظلال طويلة الأمد. ومن الواضح أيضاً أن الحكومات لم تتخلَّ عن أنظمتها الاقتصادية والمالية لقوى السوق فحسب، وإنما عجزت بشكل مطبق عن حماية حقوق الإنسان وحياة البشر ووسائل عيشهم. ويعاني بلايين البشر من انعدام الأمن والعدل والكرامة؛ وهذه أزمة في حقوق الإنسان.
|
الصراع في سريلانكا كان الموضوع الأبرز لاجتماع أمنستي |
إن العالم بحاجة إلى نوع مختلف من القيادة، ونوع مختلف من السياسة والاقتصاد ndash; نوع يعمل للجميع وليس للأقلية ذات الامتيازات. إننا بحاجة إلى قيادة من هذا النوع، قادرة على نقل الدول من الاهتمام بالمصالح الذاتية الوطنية الضيقة إلى التعاون المتعدد الأطراف، كي تكون الحلول مشتركة وشاملة ومستدامة وتراعي احترام حقوق الإنسان. ولذا فإن التحالفات بين الحكومات والمؤسسات، التي تقوم على توقعات التحسن المالي على حساب الفئات الأشد تهميشاً يجب أن تُحل، كما أن تحالفات المصالح التي تحمي الحكومات من المحاسبة على الانتهاكات التي ترتكبها يجب أن تنتهي.
لانعدام المساواة وجوه عدة
يشير العديد من الخبراء إلى ملايين البشر الذين انتُشلوا من ربقة الفقر بفضل النمو الاقتصادي، ولكن الحقيقة هي أن أعداداً أكبر من هؤلاء تُركت عالقة في براثنه، وأن المكتسبات كانت هشة - مثلما أظهرت الأزمة الاقتصادية الأخيرةndash; وثمن حقوق الإنسان كان باهظاً جداً. وغالباً ما أُزيحت حقوق الإنسان إلى المقعد الخلفي مع قيام طاغوت العولمة المنفلت من عقاله بدفع العالم إلى حالة هيجان في النمو في السنوات الأخيرة. فكانت العواقب واضحة: تنامي انعدام المساواة والحرمان والتهميش وانعدام الأمن؛ وقمع أصوات المحتجين مع تطاول وإفلات الجناة من العقاب؛ وبقاء الجهات المسؤولة عن الانتهاكات-الحكومات والشركات الكبرى والمؤسسات المالية الدولية ndash; غير نادمة وغير خاضعة للمحاسبة على تلك الانتهاكات. وثمة علامات متنامية على الاضطرابات السياسية وأعمال العنف التي تضاف إلى حالة انعدام الأمن في العالم الموجودة أصلاً بسبب النزاعات المميتة التي يبدو أن المجتمع الدولي غير قادر على حلها أو غير راغب في ذلك. بعبارة أخرى، إننا نجلس على برميل بارود من انعدام المساواة وانعدام العدالة وانعدام الأمن، وهو على وشك الانفجار.
وعلى الرغم من استمرار النمو الاقتصادي في العديد من بلدان أفريقيا، فإن ملايين البشر هناك ما زالوا تحت خط الفقر، يصارعون من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية. وتعتبر أميركا اللاتينية المنطقة الأشد معاناة من انعدام المساواة في العالم، حيث السكان الأصليون وغيرهم من أفراد المجتمعات المهمشة في المناطق الريفية والحضرية محرومون من حقهم في الرعاية الصحية والمياه النظيفة والتعليم والسكن الملائم؛ على الرغم من النمو الكبير في اقتصاداتها الوطنية. وتنطلق الهند كعملاق آسيوي قوي، ولكنها لم تتصدَّ بعد لحالة الحرمان التي يكابدها فقراء المدن أو المجتمعات المهمشة في المناطق الريفية. وتصبح الفجوة في مستويات المعيشة في الصين بين العمال الريفيين والمهاجرين وبين الطبقات الحضرية الموسرة أكثر اتساعاً ووضوحاً.
|
ولدمار غزة أيضا نصيب في تقرير المنظمة الدولية |
ولم يقتصر انعدام المساواة، كمنتَج ثانوي للعولمة، على السكان الذين يعيشون في البلدان النامية. فقد أظهر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادرفي أكتوبر/تشرين الأول 2008 ، أن laquo;النمو الاقتصادي الذي حدث في العقود الأخيرة قد عاد بالفائدة على الأغنياء أكثر من الفقراء raquo; في البلدان الصناعية.واحتلت الولايات المتحدة، وهي أغنى بلد في العالم، المرتبة السابعة والعشرين من أصل الدول الثلاثين الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من حيث استحكام الفقر وتزايد التفاوت في الدخل.
ومن فقراء المدن في أحياء الصفيح في ريو دي جانيرو في البرازيل إلى طوائفlaquo;الروما raquo; في البلدان الأوروبية، تقف الحقيقة المُرة بأن العديد من البشر يقاسون الفقر بسبب سياسات التمييز، الظاهرة والمستترة، والتهميش والإقصاء التي تمارسها الدولة أو تتغاضى عنها، مع تواطؤ الشركات أو الفاعلين الخاصين. وليست محض صدفة أن العديد من فقراء العالم هم من النساء والمهاجرين والأقليات الدينية أو العرقية. وليست محض صدفة أن وفيات الأمهات عند الولادة مازالت تشكل واحدة من أشد القتَلة فتكاً في عصرنا هذا، مع أن إنفاق الحد الأدنى من الأموال على الرعاية الطارئة في مجال الولادة من شأنه أن ينقذ أرواح مئات الآلاف من النساء في سن الحمل.
ولعل في حالة مجتمعات السكان الأصليين مثالاً واضحاً على التواطؤ بين مصالح الشركات والدول لحرمان الناس من أراضيهم ومصادرهم الطبيعية.ففي بوليفيا، تعيش أعداد كبيرة من عائلات مجتمع laquo;غواراني raquo; للسكان الأصليين في منطقة تشاكو في ظروف وصفتها لجنة الدول الأميركية بأنها أعمال سخرة أشبه بالاسترقاق. وعقب زيارته إلى البرازيل في أغسطس/آب 2008 ، انتقد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالسكان الأصليين laquo;استمرار التمييز الذي يقوم عليه وضع السياسات وتقديم الخدمات وإقرار العدالة raquo; للسكان الأصليين في البلاد.
وتمتد سمة انعدام المساواة لتشمل نظام العدالة نفسه. وفي مسعى لتعزيزاقتصاد السوق وتشجيع الاستثمار من جانب الشركات الأجنبية والفاعلين الخاصين، قامت المؤسسات المالية الدولية بتمويل الإصلاحات القانونية في القطاع التجاري في عدد من البلدان النامية. بيد أنه لم تُبذل مساع مماثلة لضمان قدرة الفقراء على تأكيد حقوقهم وطلب الإنصاف، عن طريق المحاكم، على الانتهاكات التي ترتكبها الحكومات أو الشركات. ووفقاً للجنة الأمم المتحدة المعنية بالتمكين القانوني للفقراء، فإن نحو ثلثي سكان العالم لا يستطيعون الوصول إلى سُبل العدالة بصورة حقيقية.
لانعدام الأمن أشكال عدة
|
مديرة المنظمة آيرين خان تطلق التقرير |
وثانياً، إن انعدام الأمن الغذائي العالمي، على الرغم من خطورته، يكاد لا يحظى باهتمام يُذكر من جانب المجتمع الدولي. ووفقاً لتقديرات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، فإن نحو مليار إنسان يكابدون الجوع وسوء التغذية. وشهدت معدلات الجوع ارتفاعاً حاداً نتيجة لنقص الغذاء الناجم عن عقود من خفض الاستثمار في الزراعة، والسياسات الخاصة بالتجارة التي شجعت على إغراق السوق، وما ترتب على ذلك من تدمير للمزارعين المحليين، وتغير المناخ الذي أدى إلى نقص المياه بصورة متزايدة وإفقار الأرض، وزيادة الضغط السكاني، وارتفاع تكاليف الطاقة والاندفاع نحو الوقود الحيوي.
وفي العديد من الأماكن تفاقمت أزمة الغذاء بسبب التمييز والتلاعب بعملية توزيع الغذاء، ومنع وصول المساعدات الإنسانية الضرورية للغاية، وانعدام الأمن والنزاع المسلح، ما يؤدي إلى تدمير إمكانات الزراعة، أو يحرم الناس من الحصول على الموارد التي يحتاجونها لإنتاج الغذاء أو شرائه. ففي زمبابوي، حيث كان خمسة ملايين إنسان بحاجة إلى مساعدات غذائية بحلول نهاية عام 2008 ، استخدمت الحكومة المواد الغذائية كسلاح ضد معارضيها السياسيين. وفي كوريا الشمالية، وضعت السلطات قيوداً على المساعدات الغذائية بشكل متعمد لقمع الناس وإدامة جوعهم. وأسفرت أساليب laquo;الأرض المحروقة raquo;، التي استخدمتها القوات المسلحة السودانية وميليشيا الجنجويد المدعومة من الحكومة لمكافحة التمرد، إلى تدمير وسائل المعيشة، فضلاً عن إزهاق أرواح العديد من الأشخاص في دارفور.
وحُرم المدنيون النازحون العالقون في شمال سريلنكا، بسبب النزاع الدائر هناك ، من المساعدات الغذائية وغيرها من المساعدات الإنسانية لأن الجماعة المسلحة المعروفة باسمlaquo;نمور تحرير تاميل عيلام raquo; لم تسمح للسكان بالمغادرة، ولأن القوات المسلحة السريلانكية لم تسمح بدخول منظمات الإغاثة بحرية تامة. ولعل إحدى أبشع حالات الحرمان من الحق في الحصول على الغذاء، في عام 2008 ، تمثلت في رفض سلطات ميانمار وصول المساعدات الدولية إلى 2.4 مليون إنسان منهم بحاجة ماسة للغاية إليها في laquo;سايكلون نرجيس raquo; لمدة ثلاثة أسابيع، في الوقت الذي عمدت الحكومة إلى تحويل مواردها من أجل إجراء استفتاء مشوب بالمثالب على دستور تشوبه مثالب أكثر.
|
أزمة انسانية تطرق أبواب باكستان |
في هذه الأثناء، وحتى مع انكماش أسواق العمل، يستمر ضغط الهجرة في الازدياد، وتلجأ البلدان المستقبِلة للمهاجرين إلى استخدام أساليب أقسى لإبقائهم بعيدين منها . ففي يونيو/حزيران 2008 ، قمتُ بزيارة إلى المقبرة العامة في تناريف في جزر الكناري، حيث تنطق القبور المجهولة بشهادات صامتة عن فشل المهاجرين الأفارقة في دخول أسبانيا. ففي عام 2008 وحده، شقَّ 67,000شخص طريقهم في عمليات عبور مهلِكة للبحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، حيث غرق عدد غير معروف منهم في تلك العمليات. أما الذين نجحوا في العبور، فإنهم يعيشون حياتهم في الظل من دون أوراق هوية، وهم عرضة للاستغلال وإساءة المعاملة، وتحت التهديد الدائم بالترحيل، الذي تسبقه فترة اعتقال طويلة؛ وذلك نتيجة توجهات الاتحاد الأوروبي الخاصة بعمليات الإعادة لعام 2008.
ووقَّع بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كإسبانيا، اتفاقيات ثنائية مع بلدان أفريقية تقضي بإعادة المهاجرين أو منعهم من المغادرة في المقام الأول. وترى بلدان من قبيل موريتانيا في هذه الاتفاقيات رخصة للاعتقال التعسفي والاحتجاز في ظروف سيئة والترحيل بشكل غير قانوني لأعداد كبيرة من الأجانب الموجودين على أراضيها، من دون توفر أدلة على نيتهم بمغادرة موريتانيا بصورة غير قانونية؛ وحتى لو كانت لديهم هكذا نوايا، فإن مغادرة موريتانيا بصورة غير قانونية لا تعتبر جريمة.
ومع دفع المزيد من الناس نحو ظروف محفوفة بالمخاطر أكثر من أي وقت مضى، تزداد التوترات الاجتماعية. ولعل أحد أسوأ حوادث العنف الناجمة عن العنصرية وكراهية الأجانب، في عام 2008 ، هو الذي وقع في جنوب أفريقيا في مايو/أيار، عندما قُتل 60 شخصاً وجُرح 600 آخرون، ونزح عشرات الآلاف من الأشخاص، حتى مع دخول عشرات آلاف غيرهم إلى البلاد طلباً للجوء وهرباً من العنف السياسي والحرمان في زمبابوي المجاورة. ومع أن التحقيقات الرسمية فشلت في تحديد أسباب الهجمات، فإنه يُعتقد على نطاق واسع أن دوافعها كانت كراهية الأجانب، والتنافس على الوظائف والسكن والخدمات الاجتماعية التي أسهم الفساد في تفاقمها.
إن التعافي الاقتصادي يعتمد على الاستقرار السياسي. ومع ذلك فإن زعماء العالم أنفسهم الذين يتهافتون على تقديم رزم حوافز لإنعاش الاقتصاد العالمي،ظلوا يتجاهلون النزاعات المميتة الدائرة في شتى أنحاء العالم، والتي تخلق انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان، وتعمِّق الفقر وتعرِّض الاستقرار الإقليمي للخطر. وعندما يمتزج النزاع المسلح الطويل الأجل مع آثار الركود الاقتصادي العالمي، فإن العواقب يمكن أن تكون مميتة.
إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة المحاصر والذي دمرته الهجمات العسكرية باتت مروعة. كما أن النتائج السياسية والاقتصادية للنزاع الدائر في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة تُحدث أصداء تتجاوز محيطها الجغرافي المباشر. وتدور النزاعات في دارفور والصومال في مناطق ذات أنظمة بيئية هشة،حيث يشكل ازدياد الضغط على مصادر المياه والقدرة على توفير الغذاء الضروري لبقاء السكان، سبباً ونتيجةً معاً لاستمرار الحروب. كما أن عمليات النزوح الضخمة التي ولَّدتها هذه الحروب أدت إلى توليد ضغوط هائلة على البلدان المجاورة التي يتعين عليها الآن أن تواجه العواقب الإضافية للأزمة الاقتصادية العالمية.
|
مطالبات بالتوقف عن التعذيب في سجون العراق وأفغانستان |
وإذا كان ثمة درس واحد ينبغي أن نتعلمه من الأزمة الاقتصادية، فهو أن الحدود الدولية لا تعصمنا من الأذى. إذ إن إيجاد حلول لأسوأ نزاعات العالم وللتهديد المتزايد الذي يمثله العنف المتطرف من خلال المزيد من احترام حقوق الإنسان يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الصورة الأكبر لوضع الاقتصاد العالمي على قدميه.
من الركود إلى القمع
إننا نواجه خطراً كبيراً من أن يؤدي تزايد الفقر وبؤس الظروف الاقتصادية والاجتماعية إلى انعدام الاستقرار السياسي والعنف الجماعي، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى، ربما ينتهي بنا المطاف إلى وضع يكون فيه الركود مصحوباًبمزيد من القمع، حيث تعمد الحكومات المحاصرة ndash; ولاسيما الحكومات ذات النزعة الاستبدادية ndash; إلى شن حملة قمعية قاسية ضد المعارضة والنقد وفضح الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية على الملأ.
في عام 2008 حاولنا التنبؤ بما ينتظرنا في عام 2009 وما بعده. وعندما خرج الناس إلى الشوارع احتجاجاً على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والظروفالاقتصادية المزرية، تم التعامل مع تلك الاحتجاجات، وحتى السلمية منها، بصورةقاسية في العديد من البلدان. ففي تونس أُخمدت الإضرابات والمظاهرات بالقوة، مما أسفر عن مقتل شخصين وجرح عدد آخر، ومحاكمة أكثر من 200 شخص من المنظِّمين المزعومين، تُوِّج بعضها بإصدار أحكام بالسجن مدداً طويلة على عدد منهم. وفي زمبابوي، تعرض المعارضون السياسيون ونشطاء حقوق الإنسانوممثلو النقابات العمالية للهجوم والاختطاف والاعتقال والقتل مع إفلات الجناة من العقاب. وفي الكاميرون، إثر اندلاع مظاهرات عنيفة، قُتل بالرصاص قرابة 100 شخص من المتظاهرين، بينما سُجن عدد أكبر.
في أوقات الشدائد الاقتصادية والتوترات السياسية، تكون ثمة حاجة إلى الانفتاح والتسامح، لكي يتم توجيه مشاعر عدم الرضا وعدم الاقتناع نحوالحوار البناء والبحث عن الحلول. ومع ذلك، فإنه في هذه الظروف بالضبط تنكمش المساحة المتاحة للمجتمع المدني في العديد من البلدان. إذ يتعرضنشطاء حقوق الإنسان والصحفيون والمحامون والنقابيون وغيرهم من قادة المجتمع المدني للمضايقة والتهديد والاعتداء والملاحقة القضائية من دونمبررات، أو للقتل مع إفلات الجناة من العقاب في سائر أنحاء العالم.
ومن المرجح أن يتم تشديد الرقابة على وسائل الإعلام مع محاولة الحكومات خنق الانتقادات لسياساتها، وهو أمر يُضاف إلى التهديدات التي يواجههاالصحفيون أصلاً في العديد من البلدان. وتتمتع سري لنكا بأحد أسوأ السجلات في هذا المجال، حيث قُتل 14 صحفياً منذ عام 2006 . وشددت إيران القيودعلى حرية استخدام الشبكة الدولية، بينما قامت كل من سوريا ومصر بحبس المدونين. وعمدت الصين إلى تخفيف السيطرة على وسائل الإعلام في فترة التحضير لدورة الألعاب الأولمبية في بكين، ولكنها سرعان ما عادت إلى عادتهاالقديمة بإسكات منتقديها وترهيبهم. وحظرت الحكومة الماليزية جريدتين معارضتين بارزتين خوفاً من الانتقادات في فترة التحضير للانتخابات.
ولم تؤد الأسواق المفتوحة بالضرورة إلى مجتمعات مفتوحة. فقد تجرأتالحكومة الروسية، بفضل قوتها الاقتصادية المستمدة من ارتفاع أسعارالنفط والغاز، على تبني موقف قومي واستبدادي في السنوات الأخيرة علىنحو متزايد، وعملت جاهدةً على تآكل حرية التعبير ومهاجمة منتقديها.ومع تعرض الاقتصاد الروسي للمشاكل بسبب هبوط أسعار النفط وارتفاع معدلات التضخم، ومع انتشار التذمر الاجتماعي على نطاق واسع، فقد أصبحت الاتجاهات الاستبدادية أكثر وضوحاً وعلنية.
|
تظاهرة في الصين لوقف عقوبة الاعدام |
نوع جديد من القيادة
quot;مجموعة العشرين يجب أن تحترم القيم العالمية وأن تواجه سجلاتها الملطخة بالانتهاكات وازدواجية معاييرها الخاصة بحقوق الإنسان.quot; يعتبر الحرمان وانعدام المساواة والظلم وانعدام الأمن والقمع من علامات الفقر.وهي تمثل بوضوح مشكلات في مجال حقوق الإنسان، ولا تخضع للمقاييسالاقتصادية وحدها. كما أنها تتطلب إرادة سياسية قوية ورداً شاملاً يدمج القضاياالسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية ضمن إطار عام لحقوق الإنسان وحكم القانون. كما تقتضي عملاً جماعياً ونوعاً جديداً من القيادة.
لقد أحدثت العولمة الاقتصادية تحولاً في ميزان القوى الجيو- سياسية، ويتسلمجيل جديد من الدول، على شكل مجموعة العشرين G20 ، زمام قيادة العالم.وهذه المجموعة المؤلفة من الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرهامن البلدان ذات الاقتصادات الناشئة من جنوب الكرة الأرضية، إلى جانب روسيا والولايات المتحدة والبلدان الغربية ذات الاقتصادات القائدة، تدعي أنها تشكلتمثيلاً أكثر دقة للقوة السياسية والنفوذ الاقتصادي في عالم اليوم. وقد يكونذلك صحيحاً، ولكن كي تصبح دول مجموعة العشرين قيادات عالمية حقاً،فإنها يجب أن تحترم القيم العالمية، وأن تواجه سجلاتها الملطخة بالانتهاكات وازدواجية معاييرها الخاصة بحقوق الإنسان.
حقاً، إن الإدارة الأميركية الجديدة تشق طريقاً مختلفاً مميَّزاً في مجال حقوق الإنسان مقارنةً بإدارة بوش. فقرار الرئيس أوباما، في الساعات الثماني والأربعين الأولى من توليه منصب الرئاسة، بإغلاق معسكر الاعتقال في غوانتنامو في غضون سنتين، ونبذ التعذيب بلا مواربة ووضع حد للاعتقالاتالسرية على أيدي وكالة المخابرات المركزية، كان قراراً يستحق الترحيب، مثلماكان قرار إدارته بالسعي إلى أن تنتخب الولايات المتحدة في مجلس حقوقالإنسان. بيد أنه من السابق لأوانه القول إن هذه الإدارة ستدعو الدول الصديقة لها، كإسرائيل والصين، إلى احترام حقوق الإنسان بنفس الصراحة والقوة اللتين تدعو بهما دولاً أخرى كإيران والسودان.
ولا يزال التزام الاتحاد الأوروبي بحقوق الإنسان يتسم بالمواربة. فعلى الرغممن موقفه الصلب تجاه قضايا، من قبيل عقوبة الإعدام وحرية التعبير وحمايةالمدافعين عن حقوق الإنسان، فإن العديد من الدول الأعضاء في الاتحادالأوروبي أقل استعداداً للالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بحماية اللاجئينوالقضاء على العنصرية والتمييز داخل حدودها، أو الاعتراف بتواطؤها مع وكالة المخابرات المركزية في عمليات تسليم ونقل المعتقلين المشتبه فيضلوعهم بالإرهاب بصورة غير قانونية.
|
الأزمة الاقتصادية العالمية خلفت جوعا وبؤسا |
إن من واجب أولئك المتربعين على سدة العالم أن يضربوا مثلاً يُقتدى به في سلوكهم. وإن قيام مجموعة العشرين بإرسال إشارة واضحة مفادها أن جميع حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنية تكتسي أهمية متساوية، يمكن أن يشكل بداية جيدة. ولطالما أنكرت الولايات المتحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهي ليست دولة طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما الصين، منناحية أخرى، فهي ليست دولة طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيةوالسياسية. ويتعين على الحكومتين الانضمام فوراً إلى هذين العهدين. كمايتعين على جميع الدول الأعضاء في مجموعة العشرين التصديق على البرتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول2008 . بيد أن الانضمام للمعاهدات الدولية ليس سوى خطوة واحدة على طريقما ينبغي القيام به.
فرص جديدة للتغيير
لقد خلق الفقر- الذي تفاقم نتيجةً للأوضاع الاقتصادية - منصة مشتعلة للانطلاق منها لتغيير أوضاع حقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، أشعلت الأزمة الاقتصادية فتيل تحول نموذجي من شأنه أن يتيح الفرص لإحداث تغيير منهجي. quot;يتعين على الحكومات أن تستثمر في حقوق الإنسان كهدف مثلما تستثمر في النمو الاقتصادي.quot; فعلى مدى العقدين الماضيين، ما فتئت الدولة تتراجع عن التزاماتها في مجال حقوق الإنسان أو تتنكر لها لمصلحة السوق، اعتقاداً منها بأن النمو الاقتصادي من شأنه أن يحمل جميع السفن. ومع انحسار المد وثقب السفن وتسرب الماء إليها، بدأت الحكومات بتغيير مواقفها جذرياً والحديث عن بنية مالية عالمية جديدة ونظام حاكمية دولي جديد، تلعب فيه الدولة دوراً أقوى. وهذا الأمريتيح فرصة لوقف تراجع الدولة عن المجال الاجتماعي، وإعادة رسم نموذج للدولة أكثر مراعاة لحقوق الإنسان من النموذج الذي ظل يصنع القرار الدولي على مدى السنوات العشرين الماضية. كما أنه يخلق إمكانية إعادة التفكير بدورالمؤسسات المالية الدولية من حيث احترام حقوق الإنسان، ومنها الحقوقالاقتصادية والاجتماعية، وحمايتها والإيفاء بها.
ويتعين على الحكومات أن تستمر في الإيفاء بحقوق الإنسان مثلما تستمر فيالنمو الاقتصادي، وينبغي أن تعمد إلى توسيع نطاق الفرص الصحية والتعليمية ودعمها؛ ووضع حد للتمييز؛ وتمكين المرأة؛ ووضع معايير عالمية وأنظمة فعالة لمساءلة الشركات على انتهاكات حقوق الإنسان؛ وبناء مجتمعات مفتوحة يكون فيها مبدأ حكم القانون محترماً، والتماسك الاجتماعي قوياً، والفسادخاضعاً للتدقيق والمراقبة والحكومات خاضعة للمساءلة والمحاسبة. وينبغي ألاتصبح الأزمة الاقتصادية ذريعة للبلدان الأكثر غنى لخفض مساعداتها التنموية.بل إن المساعدات الدولية أصبحت اليوم، في ظروف الهبوط الاقتصادي، أكثرأهمية من ذي قبل، وذلك لمساعدة بعض البلدان الأشد فقراً على توفير الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والصرف الصحي والإسكان.
كما يتعين على الحكومات أن تعمل معاً على حل النزاعات المميتة؛ إذ أنتجاهل أزمة ما للتركيز على أخرى إنما هو بمثابة وصفة أكيدة لتفاقم الأزمتينعلى السواء. فهل تغتنم الحكومات هذه الفرص لتعزيز حقوق الإنسان؟ وهل تقبل الشركاتوالمؤسسات المالية الدولية مسؤولياتها في مجال حقوق الإنسان وتلتزم بها؟ حتى الآن، لم تظهر حقوق الإنسان في عمليات التشخيص أو الوصفات المقترحة من قبل المجتمع الدولي.
ويُظهر التاريخ أن معظم النضالات من أجل التغييرات الكبرى - من قبيل إلغاءالرق أو تحرير المرأة - لم يبدأ كمبادرات من قبل الدول، وإنما كجهود للناسالعاديين. فالنجاحات في مجال إقامة العدالة الدولية أو الحد من تجارة الأسلحةأو إلغاء عقوبة الإعدام أو مكافحة العنف ضد المرأة أو إدراج قضية الفقرالعالمي والتغير المناخي في جدول الأعمال الدولي، إنما أُحرزت نتيجة للطاقاتوالإبداع والمثابرة التي تحلى بها ملايين النشطاء من سائر أنحاء الكوكب.
يجب أن نعود الآن إلى قوة الناس كي نمارس ضغوطاً على زعمائنا السياسيين.ولهذا السبب ستطلق منظمة العفو الدولية حملة جديدة في عام 2009 ، بالتعاون مع العديد من المنظمات المحلية والوطنية والدولية الشريكة. وتحت شعارlaquo;فلنطالب بالكرامة raquo;، سنقوم بتعبئة الأشخاص من أجل المطالبة بمساءلة الفاعلين الوطنيين والدوليين على انتهاكات حقوق الإنسان التي تسبب الفقروتؤدي إلى تفاقمه. وسنطعن في القوانين والسياسات والممارسات التي تنطوي على تمييز، ونطالب باتخاذ تدابير ملموسة من أجل التغلب على العواملالتي تؤدي إلى إفقار الناس وتحافظ على ديمومة فقرهم. وسننقل أصواتالناس الذين يعيشون تحت نير الفقر إلى قلب الحوار الهادف إلى وضع حد للفقر، وسنصرُّ على السماح لهم بالمشاركة بشكل فعال في اتخاذ القرارات التيتؤثر على حياتهم. quot;كما أننا laquo;نطالب بالكرامةraquo; لسجناء الفقر، كي يتمكنوا من تغيير حياتهمquot;.
قبل نحو خمسين عاماً، رأت منظمة العفو الدولية النور عبر نداء من أجل إطلاق سراح سجناء الرأي. أما اليوم، فإننا laquo;نطالب بالكرامةraquo; لسجناء الفقر، كي يتمكنوا من تغيير حياتهم. وإنني على ثقة بأن جهودنا، بمساعدة ودعم ملايين الأعضاء والمؤازرين والشركاء في سائر أنحاء العالم، ستتكلل بالنجاح.
