تعد مسألة الفساد التي ابتلى بها نظام الحكم ونخبه الطفيلية في العراق من المسائل الخطيرة والشائكة التي إستعصى أمر معرفة أسبابها وحصر أعراضها وأقتراح العلاج لها. لذلك كان من الواجب على المختصين ومراكز البحوث والجامعات أن يولوها عناية خاصة لغرض دراستها وفق المنهجيات والآليات القياسية المعمول بها في ميادين البحث العلمي وليتسنى؛ في النهاية؛ التقليص من آثارها التدميرية او حتى التخلص منها. لكن ما عالجه المهتمون من المشكل المذكورهو تداول الأخبار الصحفية اوالمقالات العامة او التقارير الرسمية حوله وترويج بعض الطرائف السود عن المفسدين.
وتعد الفترة الممتدة من بداية إحتلال العراق وحتى ألآن من أخطر الفترات في تأريخ العراق الحديث بل وفي المنطقة بأسرها؛ حيث إنتشر الفساد وأستشرى في كافة مرافق الدولة الرسمية وغير الرسمية، فوصل الى مستويات قياسية مخيفة. حنى اصبح العراق البلد الثاني بعد الصومال على معيار الشفافية الدولية. وقد شمل مرافق عديدة كتردي الوضع الإقتصادي وإنعدام الخدمات العامة وإنتشار ألأوبئة الخطيرة وتفشي الرشوة وإبتلاء المجتمع بعادات سيئة كأنتشارالبغاء والشذوذ الجنسي والمخدرات وتردي التعليم وتزوير الشهادات وتراجع الحس الوطني والقومى بين المواطنين؛ وما إلى غير ذلك. لكن من أخطر مؤشراته على الإطلاق هو التلاعب بالمال العام اوالإستحواذ عليه اوتبديده على نطاق واسع؛ وبأرقام وصلت حدود التسعة اصفار(المليارات) من الدولارات ومضاعفاتها بعد أن كانت أقل من تلك المستويات بكثير في النظام السابق؛ وذلك على سبيل التقدير.
وكان ذلك النظام؛ وكبحا لوتيرة الفساد ودفعا للشبهات عن القيادات العليا؛ ان نفذ أحكام الإعدام في عدد من المتورطين الصغار. وكان وما يزال أنصاره يزعمون بأن تلك التجاوزات قد حصلت نتيجة للحصار الأممي المفروض على البلد. وهو بلا شك سبب مقبول لكنه ثانوي إذا ما علمنا بأن النظام السياسي الشمولي؛ دينيا كان او مدنيا؛ إنما يحكمه نظام هرمي إستبدادي؛ حيث يتحكم في الثروة القومية، ومن خلال المخصصات السرية اوالميزانيات الصورية، زعيم أوحد مستبد ( ملكا كان او رئيسا)؛ وبمباركة الفئات الدينية (الثيوقراطية)؛ إن وجدت؛ اوتفويض لا محدود من قبل عصبة من المسؤولين الكبار الذين ما عصوا أوامره قط. هذا فضلا عن قيام أسرة الحاكم اوحاشيته المقربة بأبرام الصفقات التجارية والمالية المشبوهة؛ او المتجارة بكنوز البلد في السوق السوداء؛ ودون رادع او حسيب. حتى اصبح الفساد مذهبا اوعقيدة لها مؤسساتها وآلياتها ورجالها الكثر. وقد إنتشرت تلك الظاهرة في الأقطار النفطية الغنية على وجه الخصوص؛ حبث تنعدم الحدود بين ثروة الحاكم المستبد الخاصة وحاشيته وبين الثروة العامة او الدخل القومي للدولة. كل ذلك يجري؛ ومنذ قرون عديدة؛ في غياب تام لسلطة القانون وأنعدام الرقابة الصارمة من قبل المؤسسات الديمقراطية وشلل تام لسلطة الشعب الحقيقية. وجميعها مفقود في تلك ألأقطار.
ومن المفارقات الفريدة أن النظام السابق كان نظاما علمانيا؛ وأن مرجعيته ألأخلاقية والقيمية والسلوكية؛ في مجملها؛ قد إستمدها من الفكر السياسي العلماني لـ (حزب البعث)؛ وكذلك مما تأثر به من التراث الديني وألإجتماعي السائد. وكان الحزب المذكور؛ وهو ذو طبيعة شمولية إستبدادية؛ قد أنشئ في ألأساس على مبدأ (ألإنقلاب) العسكري والإستحواذ على السلطة بالقوة المسلحة، مفترضا انه الوحيد الذي يمتلك الحكمة ويمثل ضمير ألأمة وإرادة الشعب؛ والذي ينبغي عليه الخضوع لأوامر الحزب الصارمة. كما يرى نفسه دائما على صواب وألآخر على باطل. ومع كل تلك المزاعم اللفظية المتهافتة نجد ان الفساد قد استشرى من الرأس حتى إنتشر في جميع أوصال الجسد. فتتابعت الكوراث الحتمية؛ فعصفت بالوطن العزيز فأحالته الى كيان هزيل. وجعلت من الحكام الذين تولوا السلطة من بعده مجرد بيادق شطرنج بيد أللاعبين الكبار والصغار. وفي هذا الجو الموبوء إزداد الفساد الشامل عنفا وشراهة وذلك لوجود من يحميه بسلطة القانون او بالقوة الغاشمة.
وفي مقابل ذلك المشهد نجد ان النظام السائد في العراق اليوم والذي نصبه ألإحتلال بقوة السلاح في أعقاب إزاحة النظام الديكتاتوري السابق؛ وبذرائع باطلة؛ قد تم على أساس تسليم الحكم الى ألأحزاب الدينية ألأصولية (المتآلفة) على قاعدة المحاصصة الطائفية وبالإتفاق مع ألأحزاب القومية الكردية وبعض العناصر اللبرالية او العلمانية من هنا وهناك.
وهنا يفترض ان تستمد الدولة؛ سلطة وشعبا؛ أخلاقياتها وقيمها في حكم البلاد من العقيدة الدينية لتلك ألأحزاب ومن التراث القومي الذي تختزنه الذاكرة. كما ان الحزب الديني الأصولي؛ أيا كان مذهبه؛ لا بد أن يستمد فكره وسياسته من القرآن والسنة ومن كتب ألأئمة ألأطهار ومن آراء الفقهاء والمجتهدين. وبذلك يكون تأثيره في الجماهير مضاعفا وعميقا ومباشرا. فهو؛ ولكي تستتب الأمور أمام سلطته؛ لا بد أن ينبه المحكومين على الدوام بمبدأ (الثواب والعقاب) الذي جاء به الإسلام. هذا فضلا عن القوانين المدنية او الوضعية المعمول بها في العالم.
ومما لاشك شك فيه أن النتيجة الحتمية او المنطقية المرجوة لابد وأن تكون في إنصياع المواطنين التام للسلطة الحاكمة؛ بشقيها المدني والديني. يضاف الى ذلك إعتبار مهم آخر وهو نظرة المحكومين الى الحكام بإعتبارهم يمثلون القدوة الدينية او المدنية الحسنة. وبذلك سيفكر المواطن الذي قد يتلبسه إبليس وينوي المساس او ألإعتداء على ألأحكام الدينية او القوانين الوضعية مرتين؛ مرة بسبب الخوف من الله ومرة أخرى بسبب الخوف من القانون.
لكن واقع الحال قد أثبت عكس ذلك تماما. ففي الدولة العراقية التي تحكمها أحزاب إسلامية أصولية تضاعفت نسبة جرائم الفساد الشامل مرات كثيرة؛ قياسا على نسب جرائم الفساد في الدولة العلمانية. وهذه الظاهرة الشاذة التي تجنب الخوض فيها ألمختصون تستدعي منهم وقفة تأمل عميقة لإستجلاء كنهها ووضع حد لتداعياتها الخطيرة.
لقد أظهرت الوقائع التأريخية المثبتة بأن الدين وحده لم يكن يوما ما مرجعا أخلاقيا كافيا لمعظم الناس او رادعا حاسما لهم لتجنب الوقوع في المعصية او إتيان المنكر؛ ولا حتى في تجنب إرتكاب الجرائم المدنية العادية. وكثيرا ما شاهدنا او قرأنا عن رجال دين مسلمين وغير مسلمين وقد تلطخت ذممهم بالوحل بسبب إرتكابهم لجرائم أخلاقية خطيرة كأتيان الفواحش او سرقة المال العام دون أن يخشوا الله او حساب الآخرة. وهذا كتاب الله أمامنا وهو يلوح بتطبيق الحدود القاسية على المذنبين والمنحرفين في الدنيا قبل حساب الآخرة، لعلمه بأن النفس لأمارة بالسوء. ومن طرائف العامة التي يتندرون بها أذكر مقولتهم الشهيرة: ( إن الله غفور رحبم)؛ حيث تعمدوا إخراج ألآية من سياقها القرآني ليضعوها في السياق الطريف الذي يناسب ألإنحرافات والأطماع السائدة في المجتمع. ويبدو ان الكثير من الناس؛ وبينهم رجال دين مرموقين؛ قد صار ديدنهم التفنن في إبتداع الوسائل المختلفة لتطويع أحكام القرآن اوالسنة أو أقوال ألإمة لمصالحهم الخاصة من منطلق تلك المقولة او ألآية الكريمة.
لذلك كنا وما نزال نرى بأن إسباغ اسماء او أوصاف إسلامية على الأحزاب والأنظمة السياسية في الدول المتخلفة إنما هو لون من النفاق السياسي اوالشعوذة الفكرية اوالتمويه المفضوح لإغراء اليسطاء من الناس ليصبحوا أدوات طيعة بيد الحكام او زبانيتهم؛ أو بيد رجال الدين من وعاظ الملوك والرؤساء.
وليس بوسعنا في هذه العجالة ان نبحث؛ وبالتفصيل؛ في أسباب الفساد ودوافعه وأشكاله وعلاجه بالنظر لسعة أبعاد المشكلة وتنوع أسبابها وتعقد ظروفها وتشابك عناصرها. فقد باتت أشبه بالحلقة الشريرة التي يدور الناس داخلها وهم نيام اوشبه مخدرين مما يستدعي تهشيمها كخطوة أولى نحو الخلاص.
والحقيقة؛ فأن الفساد بمفهومه البسيط كان قد خلق مع ألإنسان. وكان في صورته الفطرية الأولى يمثل ضرورة حياتية لكي يحصل ألإنسان على قوته وقوت عياله وذلك بإستخدام شتى الوسائل الممكنة؛ بغض النظرعن لينها او قسوتها او عدم شرعيتها. فهو على الدوام يعيش في خوف وقلق مستمرين من ان يفقد ذلك المورد الحيوي. لذلك وجدناه يتفنن في خلق الظروف المواتية للحصول على اكبر قدر ممكن من ذلك المورد؛ او الحفاظ عليه في ألأقل، وسواء كانت ظروفا دنيوية او تتعلق بالدين اوبالعبادات. والملفت أن ألإنسان كان قد إستثمرها في إستغلال أبناء جلدته او ألآخرين منذ البدايات ألأولى لنشوء المجتمعات وحتى اليوم.
ويمكن القول بأن نشأة الفساد؛ وكما نفهمه اليوم؛ كانت قد بدأت منذ ذلك الحين. وهو لا ينشأ إلا بتوافر شروطه الأساسية. وهي في إطارها الشامل:
(1) الحاجة الفعلية لتلك الموارد او ألإحساس بها او بالمخاطرالناجمة عن عدم توفرها.
(2) وجود القاعدة الفكرية والثقافية والنفسانية؛ وتوافر الظروف الإجتماعية المواتية للحصول عليها بهدوء ودون مشاكل.
(3) توفرالقوة المادية والمعنوية اللازمة لدى المفسد لردع من يقف بوجهه من المواطنين حتى لو أضطر الى إستعمال القوة الغاشمة لإيقافه عند حده. ويعتبر إصدار الفتاوى وسن القوانين او التحايل عليها اوالتفنن في تطبيقها من بين ابرز الوسائل الفعالة لإدارة مؤسسة الفساد في العصر الحديث. وقد جرى تطبيقها بنجاج؛ وأحيانا بغباء؛ من قبل السلطة الحاكمة في العراق؛ حتى حازت على المركز الثاني في ( لعبة الفساد) العالمية بعد الصومال، كما قلنا سابقا.
وقد نضيف الى ما تقدم من أسباب رئيسة وشاملة لتفشي الفساد أسبابا نوعية وخاصة بحكام العراق من بينها:
(1) مؤازرة سلطات ألإحتلال للطبقة الحاكمة؛ وخصوصا الفئات الفاسدة وتزكيتها وإفساح المجال لتبييض أموالها وحمايتها من الملاحقة القانونية؛ وهي تعلم جيدا بصفاتها وسرائرها الفاسدة. والغرض من ذلك هو إعطاء صورة سيئة عن العرب والمسلمين كجزء من الحملة الكونية ضدهم. (2) هناك بين المفسدين من يعتقد بأنعدام أي إحتمال لبقاء العراق كدولة مستقلة في المستقبل. لذلك اصبح التصرف معه كما يتصرف اللصوص مع دار تحترق.
(3) مايزال بين المفسدين وغيرهم من يرى بأن نهب اموال العراق هو ثأر وأنتقام من حكامه وقادته التأريخيين الذين سطوا على الحكم من ألأكثرية العددية قبل أكثر من تسعين عاما؛ او حتى قبل أربعة عشر قرنا.
(4) هناك فئات إسلامية او قومية متزمتة ترى أن نهب أموال الدولة حلال سائغ؛ وذلك نكاية بالحاكم ألأجنبي وبعملائه. وقد أدركنا نحن الجيل الحالي كما أدرك آباؤنا من قبل كيف كان الناس في الماضي يعبثون بالممتلكات العامة او ينهبونها. يضاف الى ذلك ضعف الشعور الوطني لدى الناس عموما وإنعدامه التام بين الفئات المفسدة التي شد بعضها الحنين الى ولاآتها الأجنبية اوجنسياتها ألأخرى.
(5) ألإحساس بنشوة الغلبة والإنتصاربعد الحصول على المكسب الحرام. وهو شعور عام لايقتصر على العراقيين فقط.
ولعله من مهازل العمل السياسي البائس ان السلطات العراقية نفسها وبمساعدة البرلمان قد حاولوا جاهدين كبح جماح المفسدين وتقديمهم الى العدالة من غير نتائج حاسمة. علما بان كثيرا منهم ما يزال في سدة الحكم أو يتمتع بنفوذ ديني او سياسي كبير.
بعد كل ذلك العرض السريع لأسباب الفساد ولشروط حصوله والظروف المواتية لتفشيه لا بد من طرح السؤال ألآتي: ما الحــــل؟.
والحقيقة الجلية، أنه بقدر ما يبدو الحل عسيرا؛ بل ومستحيلا من الوجهة العملية؛ غير أنه يبدو أيضا ممكنا ويسيرا ومنطقيا من الناحية النظرية. وقد أضع أمام القراء الكرام؛ وخصوصا أولئك الذين أطلعوا عن كثب على مجريات الحياة في الأقطار الغربية المتقدمة؛ أقول أضع أمامهم إنموذجين من الناس؛ ألأول: هو ذلك المواطن ألأصلي لأحد تلك الأقطار؛ وكيف يسلك حيال مغريات الحياة الجاذبة. وكيف ويكبح شهواته الجامحة. وما مقدار فرصه في التلاعب بالمال المؤسسي او بالممتلكات العامة او بالسطو على البنوك او بتسلم الرشاوى او بتزييف الوثائق......الخ. والثاني: هو واحد من اؤلئك المفسدين العراقيين الذين يحملون جنسية ذلك القطر الغربي فيدخله سالما آمنا وهو يحمل أوزاره ومخازيه على كتفيه ليعيش فيه كأحد المواطنين العاديين.
وقبل أن أباشر بشرح سلوك كل من النموذجين لابد من إيضاح بعض ألأمور التي يجهلها العرب عن الغرب. فهناك الكثير ممن يعتقدون بأن الناس هناك أحرار؛ يفعلون ما يشاؤون؛ بالقياس على ما يشاهدونه من إنتشار الممارسات الجنسية بمطلق حرية. او ينتقدون الديانات المختلفة أو يهاجمون المسؤولين؛ بل ويقذفونهم بالبيض الفاسد؛ الى آخر ذلك من ممارسات عامة.
والحقيقة هي غير ذلك تماما. فالمواطن في تلك الأقطار ليس حرا الى حد ألإنفلات. غير انه في واقع الحال يعيش في نظام هو قمة في الدكتاتورية وسلطة القانون. فالقوانين هناك لا تميز بين رئيس الدولة وبين اصغر فرد في المجتمع. فالجميع سواسية أمام القانون؛ لا فرق كبيرا في الإجراآت او ألآليات بين من يرتكب مخالفة بسيطة وبين من يرتكب جريمة كبرى. وقد يحدث خلل اوتهاون اوتمييزعابر هنا وهناك. لكن القافلة تسير مع ذلك. لهذا نجد أن المجتمع يعمل كما تعمل الساعة من حيث دقتها وانتظامها والتزامها بضبط الوقت.
والواقع؛ فأن المواطن لا يشعر بوطأة القوانين او برهبة سلطات ألأمن حتى لا تتنغص حياته اليومية. بيد أنه يكاد يتحسس أصداءها وتأثيرها في كل مكان لتردعه عن المغامرة بإرتكاب أية حماقة مهما كانت تافهة. وقد يكلفه ذلك فقدان عمله او مستقبله؛ ومن غير أن يعرف من الذي قذف به إلى الشارع وسود عيشته. فأصحاب ألأعمال أحرار في تسريح من يشاؤون دون ذكر ألأسباب الحقيقية. وإن أضطروا لذلك فإنهم سيقدمون أسبابا عامة تتعلق بالركود ألإقتصادي؛ مثلا!
لكن المفارقة الكبرى نجدها في السلوك المزدوج للعراقي الفاسد الذي يلتجئ الى هذا المجتمع المتحضر بعد إرتكاب جريمته النكراء. فبقدر ما كان يصول ويجول في مستنقع الفساد في العراق وهو يتبختر مرفوع الرأس. او يتنقل بين محفل وآخر؛ يلقي الخطب او يدعو الناس الى التمسك بالإخلاق الحميدة التي إلتزم بها السلف الصالح. أو يشارك المؤمنين طقوسهم الدينية وولائمهم العامرة وقد تخضبت لحيته بدموع الورع والتقوى. او تحف به أسراب الحماية المدججة بالسلاح. بينما نجده في الوطن الثاني وقد إستحال الى فأر او حرباء مرعوبة لا قيمة لها.
إذن؛ يمكننا الجزم بأن الحل الحاسم لوباء الفساد يكمن بين ثنايا تلك ألأسطرالسحرية القليلة؛ أي في ( سيادة القانون). هذه العبارة البسيطة التي يكمن فيها سحر بقاء ألأمم وسر جبروتها ومصدر عنفوانها. لكن السؤال الخطير الذي يفرض نفسه فرضا هو: كيف يمكن فرض سلطة القانون في دولة اللاقانون؛ وفي بؤرة الفساد في العالم. وفي دولة فقدت إستقلالها وسيادتها الكاملة بعد ألإحتلال؛ وذلك وفقا لمجريات القانون الدولي وأستناد الى بنود الإتفاقية ألإستراتيجية المعقودة بين الحكومة الأميركية والحكومة العراقية.
ولعل الحل الإفتراض / العملي الناجع يكمن في المقترحين التاليين:
(1) فبالنظر لوجود ألأحزاب الدينية / السياسية في السلطة؛ تنفيذا لمبدأ ألأغلبية العددية المطلقة. وخضوعها الى مرجعيات دينية عليا. وحيث أن نظام الحكم يستمد قوته وشرعيته من العقيدة الدينية لغالبية الشعب العراقي. لذا ينبغي على المرجعيات الدينية تطبيق الحدود الشرعية بحق المفسدين ومن يعاونهم او يتستر عليهم او يسكت على أفعالهم. ومن ثم مطالبتهم بترك الحكم؛ أحزابا ومؤسسات وأفرادا؛ وذلك لتجنيب البلاد المزيد من الويلات والخراب كخطوة أولى للتصالح مع عقيدتهم وضمائرهم وشعبهم؛ وتقربا الى الله طلبا للمغفرة. على أن يتم إستبدالهم بعناصرشريفة وطاهرة الذيل من ألأكاديميين والخبراء والمختصين لبناء الدولة العصرية الديمقراطية التعددية. على أن يكون سلطانها ألأول وألأخير هو سيادة القانون. وأن يحميها جيش مهني قوي وشريف. فإن رفضوا هذا الحل السلمي والمنطقي؛ وأتمنى عليهم أن لا يفعلوا ذلك؛ فينبغي الشروع فورا في تنفيذ الحل الثاني.
(2) أن تقوم جماهير الشعب بمختلف أطيافة السياسية ومعتقداته وقومياته؛ وتحت شعار واحد هو: (من أجل عراق مستقل ديمقراطي موحد)، بإنتفاضة سلمية عارمة تشمل كافة محافظات القطر. وأن تحافظ على عنفوانها وزخمها وتواصلها حتى يتحقق هذا المطلب المقدس؛ ومهما بلغت التضحيات.
لقد إنهمك هؤلاء المفسدون ومن يشايعهم في ترويج مقولة خبيثة خلقها أعداء ألأمة ومفادها أن الشعب العراقي شعب متخلف لا يصلح للحكم الديمقراطي ولا يناسبه هذا اللون من النظم المدنية العصرية؛ وهم يعلمون جيدا بأنهم غير صادقين. فقد عرف هذا الشعب الطيب الكريم الحكم العادل الذي ساوى ما بين المواطنين على إختلاف عقائدهم وقومياتهم قبل قرون عديدة. ويكفيه فخرا ان له تأريخا حافلا في الكفاح من أجل الحفاظ على سيادة البلاد وصيانة إستقلالها ووحدتها وحدودها منذ نشوئها. فهو الذي فجر ثورة العشرين المباركة التي إنطلقت من قلب الفرات ألأوسط. تلك الثورة الوطنية القومية التي وضعت اللبنات الأولى لدولة العراق المدنية الفتية عام 1921 م.
* أكاديمي مغترب من العراق
[email protected]
فساد النظام السياسي في العراق: الأسباب والعلاج
هذا المقال يحتوي على 2308 كلمة ويستغرق 12 دقائق للقراءة
