من مفكرة سفير عربي في اليابان
بعد عدة عقود من الزمن بعيدا عن دبي الجميلة، صعقت حينما زرتها مؤخرا، مع مجموعة من الضيوف اليابانيين. والمحزن، في فترة الأربعة أيام التي زرت فيها دبي، قرأت أربعة خطابات سياسية من رجال الدين في بلدي الحبيب. وهنا أيضا أصبت بصدمة أخرى، عن كيف انشغل رجال الدين عن الروحانيات والأخلاقيات، بتحويل خطابهم المنبري الديني، إلى التحدث على دهاليز نجاسة السياسة، التي لا يمكن أن تتحدث عن حقيقة مطلقة، بل عادة على خطبائها ارضاء الناس في أقولاهم، ليكسبوا ثقتهم للفوز في الانتخابات، بينما وعظ الحكمة الديني لا يحتاج لرضا الناس، لأنه خطاب مطلق، في حقائق الروحانيات والأخلاق والأحكام الدينية المطلقة، التي هي بعيدة عن دهاليز الأمور الحياتية النسبية. فليسمح لي القارئ العزيزي عن أعرض مثل لثلاثة خطابات قيادات دينية، بدون ذكر أسماء أصحابها، في بحريننا الحبيبة، ثم أعرج على تجربة دبي التنموية.
يبدأ الخطاب الديني الأول: quot;بعد ألف يوم كيف يقرأ الحراك؟ إنه لا يجوز اختزال التاريخ في الحراك الحالي، رغم ما يحمله من قيمة كبيرة، حيث أن تاريخ هذا الوطن حافل بالنضال السياسي من أجل الحرية، والعدالة، والكرامة، منذ زمن طويل. مؤكدا بأن حراك شعبنا الأخير انطلق وكان تعبيرا عن غضب متراكم انفجر في لحظة، مشكلا بداية هذا الحراك المطالب بالحقوق وبتصحيح الواقع السياسي. الظلم، كل الظلم، أن يتهم هذا الحراك بالانتماء للخارج، واصفا ذلك بأنه كذب، وافتراء، وبهتان، مشددا على أن حراك شعبنا وطني المنبت، والولادة، والمنطلق، والأهداف. ونشدد على أن أهم ما ميز حراك هذا الشعب هو السلمية، فانطلق سلميا، وسوف يبقى سلميا، مهما قست الأساليب الأمنية التي تواجهه، مؤكدا من جانب اخر بأنه حتى لو بدأ حوار جاد، وحقيقي، وصادق، وفق كل الشروط والضوابط الصحيحة، فهذا لا يعني أن يتوقف حراك الشارع، بل يجب ان يستمر حتى تتحقق المطالب المشروعة، ولا قيمة لكل منتجات الحوار ما لم يقل الشعب كلمته، ويصوت بنعم لهذه المنتجات.quot;
أما الخطاب الديني الثاني فيقول: quot;أن الحراك لن يتوقف مهما كانت الأثمان باهظة، وأن شعبنا يؤمن بعدالة مطالبه لا يمكن أن يتراجع، وأن شعبنا تواقا إلى الكرامة ولا يمكن أن يتعب. الشعب مصدر السلطات، حقيقة واقعة في النظام السياسي الحديث المستقر، والحل السياسي لخروج البحرين من أزمته الحالية، يجب أن ينطلق من تطبيق القاعدة الدستورية الأساسية الشعب مصدر السلطات جميعا. والحل الذي تحتاجه البحرين ينطلق من المساواة بين البحرينين، وينطلق اجل من المواطنة. فالبحرينيون جميعهم لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، ولا قاعدة أخرى تحكمهم. ومن غير المقبول القول أن تقسم الدوائر الانتخابية مناصفة، أو أن المؤسسات الأمنية ممنوعة عن فئة دون أخرى، فأين المواطنة والمساواة من ذلك؟
أما الخطاب الديني الثالث فيقول: quot;ما طرحته المعارضة في مبادرتها من نقاط، تعلم انها غير مقبولة كاملة، ولكن لا تقبل جملة، ولا ترفض جملة. يطرح كل شيء في الحوار، وأي طرف من الاطراف يستخدم اسلوب، أن لدينا رأيا، وليس لدينا غيره، كأنما يقول ليس لدينا ما نتحاور عليه. طريق الوسط يسع للجميع، والقضية ليست الاشخاص، وليست الطاولة، بل المنهجية. لو نظرنا إلى كل الدول التي تتطور، فإننا سنجد أنه في حال حدث خلاف، فالحل لا يكون إلا بسبيلين، أما الاقتتال، كما حصل في عدد من الدول، وفي الغالب لم يخرجوا بنتيجة، أو حوار جاد صادق، يحل المشكلات. المبدأ الأول في الحوار هو الصدق، وثانيا الواقعية، فلا يطالب الانسان ما يريده هو، بل يجب أن يفكر في جميع المواطنين، أو غير المواطنين، والنظام السياسي، والنظام الاقليمي. وجعل المشكلة بين طرف مع السلطة، هو إلغاء لكل الأطراف الأخرى، وبعض إفراد المعارضة قال ذلك، وهذا ضيق في الأفق، فالشيء للوطن، فيجب أن يشارك فيه كل مواطن.quot;
تصور عزيزي القارئ هذه هي خطاباتنا الدينية، تحولت من خطابات الحكمة، والموعظة، والروحانيات، والفضيلة، إلى خطابات تباع في شارع السياسة. ويبقى السؤال:إذا تحول رجال دينانا الأفاضل عن الأمور الفضيلة والأخلاق والروحانيات إلى دهاليز السياسية الانتهازية والنجسة، فمن سيلاحظ أمور الدين؟ وحينما تمر بلد بأزمة ما، فمن سيلعب دور الحكيم، لتهدئة الأمور، لتسير أمور البلاد بكياسة؟
دعنا عزيزي القارئ أن نلاحظ تجربة أخري تفرغ فيها رجال السياسية والاقتصاد لأمور التنمية، وتفرغ رجال الدين للروحانيات والاخلاقيات والفضيلة. وخير مثل لذلك في منطقتنا هي دبي، مدينة في دولة الامارات العربية المتحدة، والتي تقع ضمن أمارة دبي نفسها، ويقارب سكانها المليونين، ومساحتها الأربعة آلاف كيلومتر مربع. ويعود ذكر دبي في كتب التاريخ لعام 1095، بينما يرجع تاريخها الأصلي لحوالي 3000 سنة قبل الميلاد، حينما قطنها الرحالة رعاة المواشي. وفي القرن الثالث الميلادي، أصبحت دبي تحت سيطرة الحكم الإمبراطورية الساسانية، وحتى القرن السابع. وبعد ذلك سيطرت الخلافة الأموية على المنطقة ونشرت الإسلام فيها، وقد عاشت هذه المنطقة على صيد الاسماك وتجارة اللؤلؤ لآلاف السنين. وقد ذكرت دبي في كتب التاريخ في عام 1799، حينما أسستها قبيلة بني ياس، ومنفصلة عن أبوظبي، لتصبح مشيخة منفصلة في عام 1833، حينما حكمتها سلالة المكتوم بعد استلامها السلطة بطرق سلمية. وقد أدى اختراع اللؤلؤ الصناعي في عام 1926، وانكماش الاقتصاد العالمي في عام 1929، إلى انهيار سوق الؤلؤ العالمية، وحينها بحث الشيخ سعيد المكتوم عن البدائل، ليقرر بأن تكون دبي مركز عالمي للتصدير.
وفي عام 1966 اكتشف البترول فيها، لتصبح من أحد القيادات المصدرة للنفط، ولتلعب دورا رياديا في منطقة الشرق الأوسط في التجارة العالمية. ويرجع تاريخ دبي إلى 7000 سنة قبل الميلاد، حيث بدأت زراعة النخيل في عام 2500 قبل الميلاد ولتتطور الزراعة فيها. وقد عبد رعاة المواشي الاله بحار، كجزء من حضارة ماجان، والتي سيطرت على صناعة النحاس. والجدير بالذكر بأن كتب التاريخ لم تذكر شيء عن هذه المنطقة بعد 2500 قبل الميلاد، ولحوالي 2700 سنة، وغالبا بسبب تصحرها، وحتى سيطرت عليها الإمبراطورية الساسانية، والتي كانت اخر إمبراطورية لا إسلامية في إيران في القرن الثالث الميلادي. وقد كشفت البحوث الاكولوجية في منطقة الجميرة، عن مركز لقوافل الجمال في القرن السادس، ليؤكد ذلك بأن المنطقة كانت مأهولة في ذلك الوقت. وفي القرن التاسع عشر قامت سلالة ال أبو فلاسة، من قبيلة بني ياس، بتأسيس مشيخة دبي، والتي كانت جزء من أبو ظبي حتى عام 1833. وفي الثامن من شهر يناير عام 1820 وقع شيخ دبي، مع شيوخ المنطقة، معاهدة السلام للملاحة العامة، مع الحكومة البريطانية، التي كانت تحارب القرصنة في بحار المنطقة، ولتحرم ولأول مرة تجارة العبيد. وفي عام 1833، قامت سلالة المكتوم، مع جزء من بيوت الفلاسي، من قبيلة البني ياس، بترك أبوظبي، وسيطرت على دبي سلميا من قبيلة ابو الفضالة، وبدون أية مقاومة، وبقيادة مكتوم بن بطي، مؤسس سلالة المكتوم. وقد تعرضت المدينة في عام 1841 إلى مرض الجدري، والتي دفعت الكثيرون للسفر إلى مدينة ديرا.
وقد تطورت دبي بفضل موقعها، وحسن رؤية قياداتها، حينما وقعت اتفاقية مع بريطانيا، وذلك بتوقيع شيخ مكتوم اتفاقية مع بريطانيا في عام 1892، لتصبح دبي محمية بريطانية في عام 1894، كما الغيت جميع الضرائب عن التجار الاجانب. واستطاع حاكم دبي أن يقنع شركة بواخر بريطانية أن تكون دبي أحد موانئ بواخرها في عام 1903، لتصبح دبي مركزا مهما لتجارة الخليج. وقد بدأ نزاع منذ عام 1945 بين دبي وأبو ظبي على حدود البلدين، لتدخل دبي في حرب مع ابو ظبي، وقد حاولت بريطانيا حل الخلاف في عام 1949، ولكن لم تنتهي حل الخلافات الحدودية إلا في عام 1979، بعد تأسيس اتحاد الأمارات العربية. وفي عام 1958، توفي الشيخ سعيد بن مكتوم، ليصبح الشيخ راشد بن مكتوم الحاكم. وقد كان الشيخ راشد رائد النهضة الحديثة، وخاصة بعد اكتشاف النفط، كما طورت موانئ دبي في عام 1963 لتستقبل جميع سفن العالم، ولتبدأ دبي انتقالها لمرحلة جديدة، بالتعاون مع بريطانيا العظمى في ذلك الوقت.
وكانت الطفرة الكبيرة في عام 1966، مع اكتشاف النفط، ولتبدأ مرحلة جديدة بتصدير النفط في عام 1969. وقد تركت بريطانيا الخليج في عام 1971، لتتحد دول الامارات تحت راية الامارات العربية المتحدة، وقد ضمت دبي وابوظبي، في محادثات التعاون التام لتطوير الاتحاد. وفي عام 1990 توفي الشيخ راشد المكتوم، ليستلم القيادة الشيخ مكتوم بن راشد المكتوم، ليتوفي، رحمه الله، في عام 2006، ويخلفه أخوه الشيخ محمد بن راشد المكتوم، الذي هو اليوم رئيس وزارء، ونائب رئيس دول الامارت العربية المتحدة، والمملكة الدستورية لدبي. لتتحول دبي تدريجيا بفضل رؤية قياداتها، وبحكمة شعبها، إلى نيويورك الشرق الجميل. فهل ستستفيد دول المنطقة من رصانة هذه التجربة، بتفرغ رجال الدين للروحانيات دينهم واخلاقياته، وتفرغ رجال الاقتصاد للتنمية؟ أم سنكرر الاسطوانة، بأن رجل الدين يفقه في أمور الدين والدنيا، بل يفهم طهارة الدين، ويتفهم نجاسة السياسة؟ ألم تؤكد فشل الثورة الإيرانية أنه من الواجب أن يتفرغ رجال الدين لدينهم، وعلماء الاقتصاد للتنمية؟ ولنا لقاء.
سفير ملكة البحرين في اليابان

