أن يعتزل مقتدى الصدر الحياة السياسية، فهذا قرار مؤقت، خطابه الأخير تكريس لزعامته، تأكيد لتحديه ومعارضته، من الفه الى يائه يؤشر الى ان الرجل لا يرفض العمل السياسي، بل ينزل الستارة مؤقتا، المدة الزمنية غير معروفة، لكنها لن تطول كثيرا.
وليس مفهوما سبب هذا القرار، هل هو تكتيك، هل هو هروب من حجم ما اكتشفه من تورط سياسيي تياره بصفقات المال والسياسة سيئة الصيت، هل هو اكتشاف بان الأمور داخل كتلته السياسية لم تعد مسيطرا عليها، هل هو اعلان احتجاج من نوع جديد؟!. أسباب مبهمة لقرار صريح.
التداعيات أيضا غير واضحة، بأول نظرة يمكن القول ان المالكي مستفيد رئيسي ومن ورائه كافة الكيانات التي تتنافس على الناخب الشيعي. يمكن القول أيضا ان الصدر يعطي تياره فرصة ان يحددوا خياراتهم بدون الحاجة للعودة اليه. هناك فرضية تقول ان القرار سيرفع أي فيتو امريكي ضد أي مرشح بديل عن المالكي من معارضيه، فالتيار لن يكون طرفا في الحكومة المقبلة، وبذلك يزول الخوف الامريكي من سيطرته على أي سلطة ستشكل بعيدا عن رئيس مجلس الوزراء الحالي...
الا انه سيعود، وخطابه ترك الباب مفتوحا امام العودة، عندما تزول الأسباب التي quot;تلوثquot; اسم آل الصدر بفعل المستفيدين منهم داخل الحياة السياسية... ربما بعد ان يعيد ترتيب الأوراق الداخلية للتيار، وربما بعد الانتخابات كي لا يتحمل مسؤولية أخلاقية امام الناخب، وقد تكون عودته بعد تشكيل الحكومة كي لا يكون طرفا فيها او خوفا من ان تتشكل بدون موافقته فيظهر امام جمهوره مظهر المهزوم... عدد من الاحتمالات قائم، خصوصا وانا نتحدث عن شخصية سياسية عرفت بمواقفها الدراماتيكية المثيرة للدهشة والاستغراب، واحيانا الاعجاب.
قرار الاعتزال مثير فعلا، اثار اعجاب الكثيرين، واثار انتقاد اخرين، المؤكد ان خطاب الاستقالة حمل الكثير من الإيجابيات، فقد تحدث بلغة قيمية عالية، وحذر من تداعيات خطيرة، وأشار الى نقاط مهمة. الا ان هناك اربعة نقاط ستكون ضرورية كي نصدق خطاب الصدر في حال قرر العودة.
أولا: انهاء حلم ان يصبح نصر الله العراق، وضع البلاد لا يتحمل أي شخصية ترى نفسها فوق الوطن، كما يرى زعيم حزب الله نفسه مع لبنان. فمعروف ان الصدر كان يحاول استنساخ التجربة عراقيا.
ثانيا: ان يكون خطابه ضد المستبد موقفا مبدئيا ضد الاستبداد والدكتاتورية، وليس ضد الأشخاص او للتنافس معهم على التفرد. لأنا جربنا المعارضة العراقية أيام النظام السابق إذ رفعت الصوت عاليا ضد المستبد الطاغية، وانكشف الامر ان مشكلتها مع الدكتاتور وليس مع الدكتاتورية.
ثالثا: الكف عن حلم الدولة الدينية، كون هذه الدولة، بما لا يقبل الشك، دولة استبداد، وأيضا هي تقويض لخيارات الناس وخنق حياتهم، ولأنها قبل كل شيء دولة ضد الحياة.
رابعا: الإعلان الصريح والمباشر عن حلّ أي مليشيا ومنع أي تسلح مهما كانت المبررات والذرائع.
ربما توجد الكثير من التفصيلات الأخرى المطلوبة، الا ان هذه النقاط أساسية وضرورية، خصوصا وان الصدر في السنوات الماضية حقق خطوات إيجابية، منها الاملاص الى حد كبير من الولاية الايرانية، والخطاب غير الطائفي، وعدم التورط في الملف السوري...
ان الخطاب المحمل بروح الحرص، يحتاج الى مواقف تصدق عليه، بدونها يبقى مجرد خطاب وكلمات خادعة.

