استميحكم عذرا لأني سأكتب عن واقعٍ غير واقعنا الذي لم يعد يطاق بسبب أجوائه المشحونة عنفا وقتلا ودمارا ونزاعات لاتنتهي على الاقل في الوقت الحاضر ، فلا توجد في الافق ومضات أمل ولا بارقة ضوء وسط هذا الظلام الدامس ، اذ
تداهمني احيانا حالات تدعوني الى الهروب من عالمنا الغريب الاطوار هذا ؛ المليء بالمنغّصات والحروب والدماء واختلال الموازين والعقول ؛ فقد اعتدتُ عشق الاسفار مذ كنت يافعا ولا أطأ ارضا الاّ لاجتياز اخرى حتى أعجزتني الشيخوخة ، لكنني بقيت أهوى الترحال ولكن ما باليد حيلة ؛ وكيف لي ان اطلق ساقيّ للريح بعد ان بلغت من الكبَر عتيّا وخارت قواي الاّ من حركات بسيطة تسعفني للتنقل من مكان قريب الى آخر اقرب وماعليّ سوى ان استعين بصديقي المقرّب خيالي الجانح ليأخذني الى بقاعٍ لم نألفها لأتعرّف على عالم لم نعتد عليه من قبل ، أخذني جناح مخيلتي وأنا اكتب هذا المقال الى الشرق الآسيوي وحطّ رحاله في بلاد الصين العريقة ؛ ارض العم quot; ماوتسي تونغ quot; هذا العالم الذي أحدّثكم عنه يتوطن في بقعة معينة في بلاد الحكيم كونفوشيوس ، عالم ليس متخلّفا ، قرويا كما يُخيّل اليكم ؛ وانما هو هدف ومنتجع سياحيّ يزوره الكثير من الباحثين عن الغرائب وفيه من وسائل الحضارة والاتصالات مايشفي الغليل مثل بقية اقاليم الصين ، لكنه منزوٍ ونجهد كثيرا اذا أردنا الوصول اليه ؛ انه عالم نساء quot; الموسو quot; الساحر الغريب الاطوار المختلف عن كل مجتمعات الكرة الارضية ، عالم مملكة النساء ذوات السلطان والنفوذ ، أميرات الحبّ المجانيّ والذي شنّ حربا شعواء على الرجل وأبعده عن التحكّم بمصائر الناس وجرّده من صلاحيات السطوة والقيادة ونزع منه هيبة الأبوّة فصار السيّد المبجّل عندنا مجرد هامش لايغني ولايسمن من جوع ، وما الرجل في نظر النساء سوى مُحدِثٍ للمتاعب ومثير للعداوة والبغضاء ، صانعٍ للحروب ، خشن الطباع ولايحسن صنع السلام والوئام
لااكتمكم اني استسغت هذا العالم الذي تحكمه المرأة في كل جانب من جوانب الحياة فقد صنعتْه بأيديها الناعمة ، فهي الزعيمة السائدة والقائدة والمسؤولة على كل الممتلكات في بيتها وحقلها ومراكب صيدِها وكل مرافق ارضها وهي القول الفصل في مسائل النسَب والوراثة وانتقال الملكية وهي اليد العاملة ومالكة وسائل الانتاج وسيدة البيت والمصنع والمزرعة وراعية الاطفال ؛ و.... باختصار شديد هي ربّ الاسرة وربة الاسرة معاً
ربما تستغربون عن اوضاع معشر quot; الموسو quot; التي تدير نساؤها كل شيء وتحكم كل شيء ولا دور للرجل في كل مايجري سوى الطاعة العمياء لحكم النساء والانصياع لأوامرهنّ انصياع العبيد لأسيادهم ، فالمالك هو المرأة ؛ والوريثة هي المرأة ؛ فالمال والإرث تنقله الام الى بناتها الوريثات الشرعيات ، اما الذكور من أبنائها فلا نصيب لهم لا في الممتلكات المنقولة ولا غير المنقولة ، فلا عملات نقدية في جيب الرجال كي يصرفه على ملذّاته وأهوائه وعشيقاتهِ حتى ان كلمة quot; أب quot; مشطوبة في لغتهم ولاتعني شيئا ذا قيمة وأهمية على الاطلاق ، فحينما تنجب المرأة يحمل الوليد اسم امّه وينتسب اليها فقط ، وليس للأبّ حقّ في حضانة اولاده مهما كانت الظروف فهو مجرد حامل للذكورة وماء الاخصاب لإنجاب الذريّة ووسيلة لقاح لاغير لامتلاكه الفحولة ولولا ذكورته لرُميَ بعيدا كأيّة خردة عتيقة ليست ذات منفعة ، اما الزواج عند هؤلاء فلا قيمة له على الاطلاق ولايعتبر رباطا مقدّسا
والجميل في هذا المجتمع انه يتّسم بعدم وجود جرائم السرقة نهائيا . ولماذا يسرق الرجل وهو مكتوف الايدي وليس بحاجة الى المال لعيالهِ وقد انتفت المسؤوليات الملقاة على عاتقهِ ؟ ! اضافة الى انعدام حوادث الاغتصاب والتحرّش الجنسي التي اخذت تعمّ عوالمنا المعاشة ولامعنى لكلمة حروب او سجون لعدم وجود المعارضة ولا الموالاة والتظاهرات المنادية بحقوق النساء ؛ فهذه الجرائم والجنح والعقوبات مشطوبة تماما في سجلاّتهم فلا مطامع شريرة في دواخل نفس هؤلاء رجالا ونساءً ولا منظمات تنادي بحقوق المرأة ومساواتهنّ مع الرجل وزيادة كوتا النساء او حقوق الاطفال ؛ ولا نزاعات حول ملكية عقارٍ ما او قطعة أرض تعود لهذه المرأة او ذاك الرجل ولا قانون للأحوال الشخصية وترتيب حالات الطلاق والنكاح والزواج سواء كان زواجا ثابتا او متعةً او مسيارا أو مسفارا مما اختلقه رجال ديننا وشرّعوه حلالا على هواهم ام نعتوه حراما ولاخصومات المحاكم بشأن حضانة الاطفال ومصاريف النفقة وما الى ذلك مما تعجّ به مجتمعاتنا ومحاكمنا من دعاوى لاتنتهي يعتاش عليها جيوش القضاة والمحامين ورجال العدل وملفات النيابة العامة والتحقيقات الجنائية التي تصدع الرؤوس وتميت القلوب
فالرجال هناك سعداء جدا عندما سلّموا زمام أمرهم لنسائهم لا لتفوقهنّ الجسدي بل لتقدير عالٍ لخصائص المرأة الانسانية وقواها الروحيّة الاصيلة والعميقة وقدراتها العاطفية الجياشة التي تفوق كثيرا قدرات الرجل العنيد المكابر الصلف الطباع فالقوة ليست في البناء العضلي للرجل كما يتفهمها اهل البداوة وزعماء القبائل حاملو السلاح ، وانما بالقوّة الناعمة التي تتحلّى بها المرأة وبإيقاع جسدها الذي ينسجم ويتوافق مع ايقاع الطبيعة الجميلة ، فمن عجائب الجسد الانثوي وشفافية روح المرأة انها كانت في الميثولوجيا الوسيطَ بين عالم الانسان وعالم الالهة منذ عهود الانسان القديم وعلاقته بالمعتقدات التي كان يرتبط بها روحيا
والمفرح ان رجال قبيلة quot; الموسو quot; لاتوجد لديهم اية نوايا للتمرّد او تغيير قوانين حكم هذا المجتمع وزعامة النساء لمجتمعهم ، فهم سعداء بهذا الامر حيث لامسؤوليات أسريّة ولا كدح يومي لتوفير لقمة الخبز يثقل كاهل الرجل ؛ وماعليه سوى الانصياع والاستجابة اذا اشارت عليه المرأة بسبّابتها للدخول في غرفة نومها عند اقتضاء الحاجة ؛ وبعدها يُركَل بأقدامها خارج البيت عند الانتهاء من وظيفته الجنسية فالبقاء في البيت ممنوع بعد اراقة ماء الحياة المُخصِب ؛ وقد يستسيغ بعض رجالنا من غير معشر quot; الموسو quot; ان ينضمّ الى هذا المجتمع المتفرد بطباعهٍ ، لكني احذّر فحولنا من ان يفكّروا باللجوء الى هناك والانضمام الى صفوف هذه المجموعة البشريّة فالنساء لايقبلْن ايّ دخيل يحلّ بين ظهرانيهنّ او لاجئ يأوي اليهنّ فلديهنّ من الرجال مايكفي لمهمة الانجاب فلديهنّ في قائمة الاحتياط ما يزيد عن بضعة آلاف رجل يجلسون على منصة الانتظار ويترقبون وصول دورهم لعلهم يحظون بإشارة من أصبع سيّدة ولهى ليطأ سرير امرأة ما اذا مانادته للمشاركة في سريرها ( يبلغ عدد هذه الطائفة قرابة الخمسين الف فرد ) اذ تنتهي مهمة الرجل حالما ينجز ممارسته الجنس ولامكان لسطوته وصوته العالي الناشز وأوامره التي لامعنى لها
وهؤلاء quot;الموسوquot; الذين يعيشون على ضفاف بحيرة / لوغو قريبا من حدود مقاطعتي يونان وزيتشوان في الصين لاصلة لهم بقوانين ونظم الدولة الصينيّة الصارمة وتعاليم زعيمهم الثوري الراحل ماوتسي تونغ وأتباعه التي تحكم المليار ونصف المليار نسمة ولاتربطهم مع الدولة الصينية سوى الانتماء والمواطنة ، اما عقيدتهم الماركسية المطعّمة بالماويّة فقد ضُربت عرض الحائط لدى مجتمع الموسو هذا
ويجدر بنا القول ان دولة الصين مع صرامتها المعروفة تجاه مواطنيها الداعين للتغيير لكنها متفهّمة للقوانين الخاصة بهم وأعربت مرارا عن عدم رغبتها في تغيير نظم ومفاهيم هذه الفئة طالما ان هؤلاء لانيّة لهم للتمرّد او التغيير لا الآن ولا في المستقبل ويبدو ان التنين الصيني يأنس لهؤلاء الموسو طالما هم منشغلون برفع مستوى المرأة وإعلاء شأنها وتسليم القيادة لها ، انها حضارة الحبّ المجاني في مملكة تبدو غير مألوفة في هذه المعمورة والتي تسمّى مملكة النساء الآمرات الناهيات ذوات السطوة والسلطان
سطوةُ القوّة الناعمة... نساءٌ يقدْن الرجال

هذا المقال يحتوي على 1098 كلمة ويستغرق 6 دقائق للقراءة
