لم اقل إلى متى يبقى البعير على التل، لأنه البعير المسكين أُصيب يمرض الروماتيزم في ركبتيه من كثرة الوقوف والانتظار، ولكن إلى متى يبقى العراق بدون حكومة؟ إلى متى يبقى العراق بدون كهرباء وماء ومجاري مياه أسنه وبنزين ونفط وغاز؟ إلى متى يحمد العراقي الله ويصلي له عند عودته إلى بيته سالما من أيدي القتلة والسفاكين التي طالت الطفولة البريئة؟ إلى متى نبقى نضحك على أنفسنا بأن النخبة السياسية الفذة سوف تتفق وتلملم شملها وتعمل المطلوب منها؟ أما أن الأوان!!!!! أن تتشكل الحكومة وتقوم بواجبها اتجاه الوطن والمواطن الذي تتصارع فيه جميع قوى الشر، وتتنافس على حصد عدد أكبر من الرؤوس، واغتيال اكبر عدد من الشخصيات المعنية بإدارة البلد؟ إن العبارات الرنانة الطنانة، وجمل التهريج السياسي الذي حفظناها منذ طفولتنا لأننا شعب يرضع السياسة بدلاُ من الحليب ويتعمل كل كلمات توحيد وتقسيم وتشذيب وتخطيط ومراوغة وتأجيل... التي لن تعطي نتيجة لكل اتفاقات وخلافات ومشاحنات ودلاعات المسئولين في اختيار المناصب والمساومات غير المشروعة لحد الآن. ما زلنا نتحاور ونتقاسم والسفينة بدون ربان وركابها مصابون بأزمات نفسية لا نهاية لها، فلا غرابة أن يبقى الجيش الأمريكي في العراق إلى وقت غير محدد.

إنني من أكثر المعارضين للتواجد الأمريكي على ارض عراقنا رغم حبي لكارتون والت ديزني وماكدونالد والببسي، وأمنيتي في مغادرته عراقنا في أسرع وقت، ولكن بعد كل الذي يحصل، فليس هناك أمل في مغادرة هذه الجيوش الجرارة على الإطلاق، وذلك للمهزلة السياسية التي تمر بها جميع الأحزاب والفصائل والطوائف والملل الطامعة في كرسي الرئاسة. أما أن الأوان لوضع مصلحة الشعب العراقي الذي خرج متحديا كل التهديدات لانتخاب هذه الفئات في ترك كل الحساسيات فيما بينهم والاتفاق كباقي دول العالم الديمقراطي بعد أن رفعوا علم الديمقراطية التي لم يطبقوها فيما بينهم، كما رفع صدام علم الاشتراكية فجاع الشعب واغتنى هو نفسه وحثالته، لكسب الدعم الجماهيري وتكوين حكومة ائتلافية موحدة من كل الفئات والحفاظ على كرامة العراق؟

إن القضية أو المعادلة السياسية أصبحت من التعقيد الذي لا يمكن من خلاله إيجاد منفذاُ للخروج بحل مرضي لجميع الفئات وليس لإرضاء الفرد العراقي. فالفرد العراقي يأتي في أخر قائمة أولياتهم الخاصة.

ولأنني لا أؤمن بكفاءة الجعفري في قيادة بلد كالعراق لمعرفتي بماضيه السياسي، فلذلك اتابع جميع نشاطاته السياسية والادبية والصعوبات التي تعيق وصوله للكرسي الثمين، فالصعوبات التي يواجهها عديدة، والفوز بكرسي الحكم ليست هي الصعوبات الوحيدة التي يواجهها بالذات، فقد بدا التصدع يضرب بقوة وحدة قائمته، فقد خرج منها حزبا الله بقيادة الشيخ عبد الكريم المحمداوي والائتلاف الوطني بزعامة علي هاشم، كما أبدى التيار الصدري الذي يقوده رجل الدين المتشدد مقتدى الصدر تحفظات على تولي الجعفري للحكومة حيث قال إنه من المضحك المبكي أن يتم ترشيحه لهذا المنصب وهو الذي يرفض الدعوة لرحيل القوات الأجنبية مبديا نقدا حادا للجعفري.. ( مقالة د. اسامة مهدي في 6 مارس). علماً بأن الجعفري في بداية نشاطه السياسي في صفوف المعارضة العراقية في لندن، كان يرفض ان يكون عميلا للامريكانّّّ كما يقول!!!!، فما الذي حدى بشاعرنا الكبير والسياسي الفذ الجعفري الان ان يرفض وضع سقف زمنى لرحيلهم، سؤال ارغب في الإجابة عليه.

إن هذه الصعوبات التي يلاقيها الجعفري في نيل ما يهواه وتشتهيه نفسه بالفوز بالمنصب الرفيع وهو سبب واحد من الأسباب العديدة والخطرة سياسيا وتنظيمياً والتي أدت إلى إرباك وعرقلة تكوين الحكومة، و التفكك الخطير في صفوف القوى التي تتصارع على المناصب السياسية في العراق المتهري المتعب والمنهك من الدمار والقتل والاغتيالات، لهو بادرة لا تبشر بخير مطلقا، وخاصة بعد استعمال الأساليب غير المشروعة والتي ما زالت خافية على المواطن البسيط، والتهديدات التي مورست، مما دفعت بكل القوائم إلى هذا الطريق المغلق.

لقد أصبحت مشكلة العراق ليست فقط في كتابة الدستور، بل هي في تكوين حكومة تحمي الشعب من القتل اليومي والذي أصبح من اشد المخاطر التي تحيق بالمواطن العراقي. أن ما نقرأه على صفحات الجرائد، وما تبثه نشرات الأخبار لهو قيض من فيض، فالذي لا يٌعلن أدهى وأمر. أصبح يُباع الفرد العراقي المخطوف بحفنة من الدولارات كأننا في سوق العبيد أيام ما قبل الإسلام.

إن كل الحوارات التي تندرج تحت اسم الوطنية عليها أن تسَّرع في تكوين حكومة، ومساندة قوى الأمن لحماية المواطن وتشكيل الجيش العراقي بشكل منظم وتسليمه مسؤوليتة الرسمية الخاصة به في حماية حدودنا وشرف وطننا، والتي اعتبرها ويعتبرها العالم بأكمله هي المشكلة الأساسية التي يجب أن تُحل على الفور، وعدم إلقاء تبعات الأخطاء التي ارتكبها وما زال يرتكبها السياسيين العراقيين على أكتاف الغير. إن ما أُُعلن اليوم عن عدم كفاءة قوى الامن برغم تعددادها الكبير والنقص في تدريبها على احدث طرق مكافحةالارهاب وحماية الامن، لهو خبر مفزع. إن فشل سياسينا على التفاوض فيما بينهم هو ليس إصرار الأمريكان على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد لسبب بسيط، إن من جلبهم للعراق هم الأمريكان، وما عليهم إلا إتباع الأوامر المعطاة لهم. هناك أخطاء كثيرة وجسيمة ارتكبوها بالسكوت على ما قام به بريمر من حل الجيش العراقي النظامي وقوات الأمن مما أدى إلى هذا الفلتان الأمني، كان من الأجدر بهم معارضته بحزم وجدية، ولكن عدم خبرة غالبية أعضاء مجلس الحكم في القيادات السياسية مثل محمد بحر العلوم وولده وغيرهم حينها، وعدم وجود الصلاحيات الرسمية لديهم لاتخاذ اي موقف معارض، يعطي نتائجه الان بشكل سلبي على مسيرة العراق نحو تكوين وطن بحكومة رسمية. والقدرة على منع المتسللين إلى تربة وطننا، وسد الطريق على الأردني الجنسية المزعوم الزرقاوي من قتل العراقيين بالجملة.

إن وحدة العراق والحفاظ على أمن وسلامة شعبه هي المطلب الحالي الملح من الذي فازوا بالانتخابات وحملوا حلم العراقيين على اكتافهم، للأخذ بيد الجميع نحو الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعيش الأمن، ولكن لم يظهر أي شيء من كل ما قلناه، بل زاد أكثر مما عليه سابقا، بتفشي الفساد في المؤسسات الحكومية من سرقات ورشاوى ومحسوبيات، وتهريب نفطنا على أيدي شلة من رجال الدين وبعض السياسيين الذين دخلوا اللعبة السياسية طمعا في الكسب وليس حباً في إنقاذ الوطن، وأصبحت سفاراتنا مقرات لتجمعات طائفية يديرها مجموعة من الذين لا يعرفون حتى معنى الحوار السياسي والمنافقين والتجار.

لقد تغير وجه العراق وأصبح بلدا بدون حكومة ولا سيادة ولا صيغة رسمية، وضاع الشعب الذي خسر كل شيْ وذلك للقلق المستمر الذي أصبح هاجسهم اليومي، مما أدى إلى تدهور الإيمان بكل القوى المتصارعة على المناصب وعدم تصديق بياناتهم التي تلغي نفسها بنفسها.

إننا نعيش في وضع خطير، وما على جيمع القوى التي فشلت في الاتفاق على إيجاد صيغة في تكوين حكومة ائتلافية، أن تعترف بفشلها التي عانت منه عندما كانت عبارة عن قوى معارضة تعيش في لندن وتقبض رواتبها من جهات هم يعرفونها. هذه هي الجماعات نفسها التي لم تتفق أبدا على أي قرار يومها، وأخذت تتزايد بشكل رهيب حتى أصبحت لا يمكن تعدادها. وكنا نتخوف من الشرذمة والتفتت التي عانت منه، والتي نقلتها الآن إلى العراق المعقد في تركيبته والبسيط في قناعته، حالمة بأنها سوف تتسلم المناصب بكل سهولة. لقد حرقت المعارضة العراقية نفسها، وهي تكمل حرق نفسها الآن أمام الشعب الذي ساندها. وهذا ما تنتظره أمريكا لتثبت للعالم انه لم يحن الوقت في التفكير بسحب جيوشها خوفا على سلامة الشعب العراقي من حكامه. والله الذي خلقنا سوف ينجينا. إنه نعمَّ المولى ونعم النصير.

الدكتورة خولة الزبيدي

الخميس 10 مارس

[email protected]