د. إسماعيل نوري الربيعي
&

&
تسلل التشوهات
كيف قيض للتشوهات من التسلل في صميم العلاقات العربية، الى الحد الذي باتت فيه الفعاليات الأساسية تعاني من التوقف الملفت، فيما انعدمت روح المبادرة وغابت الإرادة الفاعلة وضاعت الحريات وتقلصت العمليات الاجتماعية، حتى قيض للنموذج التقليدي من فرض نفوذه وسيطرته على مجمل التفاصيل الحياتية، وإذا كانت الواجهة التحديثية التي تقمصتها السلطة الثورية قد تم نشر ملامحها وتفصيلاتها، إلا أن واقع التفاعلات يكشف عن الروح المحافظة والتقليدية بكم ملفت يفوق أعتى القوى والعناصر محافظة وتقليدية.
التحولات القاطعة والمباشرة التي عمدت نحو توليها السلطة السياسية، جعل من القوى والعناصر الاجتماعية في حالة من التغييب والإقصاء والإبعاد القسري.ولم يقف الأمر عند مجال التطلع الحثيث نحو حيازة مقاليد السيطرة والقوة فقط، بل تخطاها الى محاولة فرض نموذج بعينه انطلاقا من موجهات الاحتكام الى العقدة الاستعمارية وما تتبناه من قيم وتوجهات رئيسة، وعلى هذا كان التوجه الجاهز نحو إحداث القطيعة الصورية مع هذا الاستعمار الذي يمثل الشر المستطير والسوء الذي هدد الوجود الوطني والتاريخي.ومن هذا المعطى باتت مصطلحات من نوع الليبرالية على سبيل المثال سبة ولعنة وتهمة للتخوين والعمالة، فيما يكشف الاستعمال المباشر لمفردة البورجوازية، عن مدى الاحتقار والامتهان وسوء الموقف، باعتبار مدى الاستغلال الكامن فيها. ومن هذا المجمل الذي تم تلقينه وتعبئته في الأجيال العربية، صار من العسير حتى على الباحث والأكاديمي والمثقف العربي، أن يخوض في موضوعة التطورات والتفاعلات الاجتماعية، من دون أن يجد نفسه وقد دخل حقل الألغام الفكري، الذي يتم فيه تجهيز التهم المجانية من دون حساب، أو حتى رفة جفن من قبل الرقيب الذي تم تنشأته في كل مكان ومساحة.
الصلاحيات المطلقة التي توفرت لثلة الحكم، منحها القدرة على التحرك في فضاء واسع لا يعرف الحدود أو حتى التوصيف، فالدستور مؤقت، والهيئات والأجهزة الحكومية تتلقى أوامرها من مجلس قيادة الثورة، فيما يخضع كل شيء الى التدقيق والتفتيش من قبل الأجهزة السرية التي تناسلت بنمو سرطاني، حتى صارت تراقب بعضها البعض وتعمد الى إقصاء الأجهزة المنافسة لتحظى هي بعموم الغنيمة. ومن هذه الحرب الداخلية غير المعلنة، تعرضت البلاد الى النهب المنظم من قبل الفئات المتنفذة، والتي تستقي مجال قوتها وحضورها من مدى الاقتراب والابتعاد من رأس السلطة العليا.حتى كان الولاء المطلق وبذل الغالي والنفيس من أجل القائد والزعيم ، من دون التفكير بهذا الوطن الذي غاب وسط لجة التزاحم والتدافع نحو الحظوة بالمغانم والمكاسب.

الاحتواء المطلق
وقائع النكاية الزمنية بالماضي تحضر بكل قوة في تجليات الخطاب السلطوي العربي، الذي انشغل بتجميل صورته أمام الجماهير في بدايات توليه مقاليد السيطرة. ومن هذا المعطى نشاهد النماذج طرا وقد شغفت حد الهوس بكسر قضبان السجون, والتطلع بزخم هائل نحو تكريس مبدأ العدالة الاجتماعية واعادة ترتيب أوضاع البيت الوطني، لكن الانشغال الأصل في كل هذا ينطوي على الرغبة الجامحة في إثبات الحضور والعمل على توكيد الذات. ولعل التكريس الكبير الذي تم الهيام به حول تبني الاشتراكية ، لم يكن صادرا عن وعي أو حتى إيمان بالمضامين التي تحتويها هذه المفردة، وهذا الواقع تكشفه الأدبيات الثورية ذاتها المشبعة بالروح الأرستقراطي، على الرغم من التكرار حد الإسراف بالأصول الاجتماعية المتواضعة والبسيطة للقادة والزعماء الملهمين،وكيف أنهم من صلب رحم هذا الشعب البسيط البائس الذي يحتاج الى المخلص والمحرر. لكن التطورات التي تكشف عنها تفصيلات السيطرة وتوسيع النفوذ، تجعل من هؤلاء جميعا ومن دون استثناء تحت لوثة البحث عن الأصول الشريفة ، حيث الادعاء بالانتماء الى النسب الشريف الذي يصل الى النبي الأكرم (( صلى الله عليه وسلم)).أو التحدر من سلالة الأمراء والسراة والوجهاء، في تناقض مفجع لما كان يتم تبنيه في الكتب والمجلات والصحف المنشورة والمتداولة بين العامة.
جيء بالاشتراكية التي تم التخفي فيها، من أجل تأمين التسلط والرقابة على كل شيء.بدءا بالمبادرات الشخصية، مرورا بالعمل على الترويج لثقافة الانخراط في المجموع، وصولا الى هدم الطبقات والفئات والفاعلين الاجتماعيين، الذين يمثلون منافسا واقعيا حول محتوى ومضمون الشرعية، وهكذا تبدت السلطة العربية في الإطار الواحدي المعزز لمحتوى القوة من دون الأخذ بالاعتبار أهمية العنصرين الأساسيين فيها والقائم على؛ الثروة والمعرفة.بل أن الاختلاط والتداخل يبلغ مداه الأقصى عندما يكون السعي الى جعل هذين العنصرين الى مجرد تابعين ذليلين لفكرة القوة والجبروت والهيمنة التي ابتلى بها الواقع العربي. ومن هذا المجمل الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، صارت التعبئة للمضامين والمعاني والحقائق الصورية المتداولة، نحو التركيز على المعطيات القبلية والعشائرية وتركيز المفهوم الحديث وصبه في قالب تنفيذي قوامه الروح التقليدية والمحافظة. ومن هذه الازدواجية الملفتة، تبدت للعالم ملامح الاشتراكية العربية ذات النهج الخاص ((والخاص جدا))، فالجمهوريات ظهرت في أسوأ أنماط الحكم الملكي الاستبدادي المطلق ، الذي فاق النماذج التاريخية التي ظهرت في عصر فجر السلالات أو عصر الفراعنة.فيما تفاقمت حمى الفضل بالتحرير والقضاء على الإقطاع والتبعية والرجعية، ليتم تحميل المتطلبات التي وقعت على المواطن، في واجبات وإجراءات لايمكن أن تطاق أو تحتمل أو حتى يمكن تدبرها ، في ظل الحث الثوري المؤكد؛ ((على أن طاقات الإنسان لا حدود لها)). ومن هذه اللامحدودية صار الاتجاه الى استعباد المواطن وسلبه حقوقه الأساسية، بل وامتهان آدميته بعد أن تحول الى مسخ يتم تصنيعه في مختبر فرنكشتاين المليء بالرعب والإذلال والقهر والابتذال.