تناقلت وسائل الإعلام الكردية هذه الأيام نبأ أحد أكبر إنجازات حكومة إقليم كردستان ((الرشيدة ))، وهو توقيع عقد بأربعة مليارات دولار بينها وبين شركة ( داماك) الإماراتية لإقامة عدد كبير من المشاريع السياحية في كردستان، شقق وفنادق ومرافق سياحية؟!..
وهناك تضارب في الأرقام بهذا الصدد، حيث يتحدث البعض عن أربعة أو ستة مليارات دولار،ولكن هناك من يضخم الرقم الى حدود 14 مليار دولار، وهذا المبلغ يساوي ضعفي ميزانية دولة مثل الأردن. وبهذا فإن كردستان ستتحول بعد إنجاز هذه المشاريع المخطط لها خلال عشر سنوات الى لاس فيجاس أخرى في الشرق الأوسط..

إن هذا الخبر الذي تهللت له وسائل الإعلام الحزبية في الإقليم، وطربت له قلوب الفاسدين والمفسدين في كردستان، يدمي قلوب ضحايا جرائم الإبادة البشرية من القصف الكيمياوي وعمليات الأنفال وغيرها من ضحايا النظام الدكتاتوري المقبور، وضحايا العهد الفاسد في كردستان اليوم، لأن القسم الأعظم من عوائل هؤلاء الضحايا ما زالوا محرومين من أبسط مستلزمات حياتهم الإنسانية وسط جمع أكبرمن سكان الإقليم المكتوين بنيران الأزمات المعيشية التي تطحن رؤوسهم كل يوم.


فمن غرائب الأمور، أن يعاني سكان كردستان من أزمة سكن خانقة ومن أزمة كهرباء مستفحلة وغلاء فاحش يقصم ظهورهم، في الوقت الذي تسعى حكومتهم (( الرشيدة)) الى بناء الملاهي والمراقص وسط مجتمع محافظ كالمجتمع الكردي الذي يقتل فيه كل شهر عشرات النسوة بذرائع الدفاع عن الشرف.

فأزمة الكهرباء على سبيل المثال عجزت حكومة الإقليم طوال عمرها الممتد عبر 17 سنة من معالجة ولو جزء منها، وأهملتها طوال السنين الماضية عن سابق تصميم وترصد على رغم كونها من أهم مشكلات الإقليم، حتى تحرك ضمير أحد الأثرياء من أبناء مدينة أربيل، فبادرجزاه الله خيرا، الى إنشاء محطة توليد للطاقة الكهربائية بالغاز بقدرة 500 ميغاواط، ستحل الجزء الأكبر من مشكلة نقص الكهرباء في كردستان عموما، وهو مشروع تتبجح حكومة الإقليم بأنها هي التي خططته، مع العلم بأنه ليس لهذه الحكومة أي دور فيها، فالثري أنشأ هذه المحطة غيرة منه على أبناء مدينته، وصرف أموالا طائلة من جيبه لأجل خدمة أبناء مدينته وإنقاذهم من وضعهم المأساوي مع هذه المشكلة التي عجزت الحكومة الإقليمية عن حلها طوال السنوات الماضية على رغم إنهمار مليارات الدولارات على رأسها سنويا منذ سقوط نظام صدام.

وكما عجزت هذه الحكومة (( الرشيدة ))عن حل مشكلة الكهرباء، تهربت أيضا عن إيجاد حلول مناسبة لمشكلة السكن الخانقة التي تقضي مضاجع نسبة كبيرة من سكان كردستان. فآخر الإحصائيات المعلنة تشير الى، أنه في مدينة السليمانية وحدها هناك نسبة 60% من السكان يعيشون في بيوت للإيجار؟! وطبعا تفوق هذه النسبة في أربيل لأنها أكبر حجما من السليمانية.
فلم تبادر الحكومة (( الرشيدة )) الى بناء أية وحدات أومجمعات سكنية في المدن الكبرى، ولم توزع قطع أراضي سكنية على المواطنين، بإستثناء تلك الأراضي التي وزعتها على المسؤولين وأقربائهم وحماياتهم وعلى التابعين لهم من الخدم والحشم ومن العناصر الحزبية الموالية للسلطة؟!.


حتى سلف العقاري التي أطلقتها حكومة الإقليم مؤخرا جاءت بضغط من الحكومة العراقية، ولم يكن ذلك مبادرة منها..
والمشروع السكني اليتيم في الإقليم، كان بناء عدد من الشقق السكنية في مدينة السليمانية المعروفة باسم ( شقق زكريا) وهو مطرب كردي يتمتع بشعبية طاغية شارك أثناء الإنتخابات البرلمانية في حملة دعائية لصالح أحد الحزبين الحاكمين، وزعت معظم تلك الشقق السكنية من قبل مسؤولي الحكومة والحزبين الحاكمين حسب بعض المصادر الصحفية الكردية في الخارج، على شكل هدايا خاصة لعدد من مذيعات التلفزيون والمطربات ومقدمات البرامج التلفزيونية، وكذلك على بعض المحسوبين والمنسوبين لمسؤولين في الحزبين الحاكمين، كما هناك مجموعة شقق أخرى في أربيل إنتهى إنجازها منذ فترة طويلة من دون أي إعلان لتوزيعها، ويبدو حسب المصادر ذاتها أنها وزعت في السر على المحسوبين على السلطة الحاكمة.

وتشير الأحصائيات أيضا الى وجود نسبة كبيرة من البطالة في كردستان الى جانب الأزمات المعيشية وتدني مستويات الدخل في الإقليم. وفي حين يعاني أبناء المنطقة من كل تلك الأزمات المعيشية الخانقة، تأتي حكومة الإقليم (( الرشيدة )) لتحول كردستان الى مرفق سياحي يجتذب الأنظار في هذه المنطقة.
ونحن بطبيعة الحال لا نعارض قيام مثل تلك المشاريع السياحية التي تخدم في المدى البعيد الإقتصاد الكردستاني مثل غيرها من إقتصاديات الدول الأخرى،بل ونراها ضرورية جدا لأنها تدر دخلا إضافيا على المنطقة،ولكن أليس من المفترض أن تشبع حكومتنا (( الرشيدة )) بطون شعبها، قبل أن تشبع نهم بعض البطون المنتفخة؟؟!.
ويا ليت تلك البطون تشبع مما تصادره من أفواه أطفال كردستان صباح مساء.

إن هذا التصرف غير المسؤول بأموال العباد يعتبر سفها وفق شريعة الله. وقد أجاز شرع الله بحكم كتابه الكريم ( الحجر على السفيه )، لأنه يتصرف بأموال العباد بغير وجه حق. فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز ( وَلاَ تؤتوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً )..سورة النساء.
وقد فسر القرطبي في تفسبره ( أحكام القرآن) هذه الآية الكريمة بقوله quot; ونظرا لأهمية المال والمحافظة عليه من الضياع، قرر الإسلام الحجر على السفهاء؛ يقول سبحانه : { وَلَا تؤتوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الّتي جَعَلَ اللَّهُ لَكمْ قِيَامًا } ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه، لأمر الله عزّ وجلّ بذلك في قوله : { ولَا تؤتوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ } وقال : { فَإِن كَانَ الذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفيهًا أَو ضَعيفًا }. فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف quot;.
والسفيه : هو ضعيف العقل وسيئ التصرف، وسمي سفيها لخفة عقله. وأما الكبير فلأنه لا يحسن النظر لنفسه في ماله، ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجه quot;.

إنني أتساءل هل أن مشاريع الفندقة وبناء مدن الألعاب ومراكز الترفيه هي من إختصاص الحكومات، أم هي مشاريع ربحية ترفيهية تنشأ بإستثمارات من القطاع الخاص؟!
فكيف يجوز صرف أموال الشعب على بناء مدن ترفيهية، ما لم يكن وراء ذلك سياسات مبطنة تهدف الى غايات بعيدة كل البعد عن خدمة المجتمع؟!. وأتساءل أخيرا، عن جدوى مثل هذه المشاريع العملاقة والناس يئنون من الجوع والفقر والبطالة.
قبل سنوات خرج علينا أحد المسؤولين الكبار في حكومة الإقليم ووعد شعبه، بأن يحول كردستان الى دبي ثانية من حيث قوة إقتصادها وتقدمها، ولكن بدا أن الخطة تغيرت حسب متطلبات وحاجة شرذمة من الفاسدين والمفدسين بتحويلها الى لاس فيجاس أو أمارة موناكو ثانية في المنطقة من حيث عدد مراقصها ومرابعها وصالات القمار فيها، وإلا فلا أفهم ما معنى المرافق السياحية التي تحتاج الى تخصيص 14 مليار دولار لها؟؟!!.
ألا يحق لنا في نهاية هذا المقال أن نذكر الفاسدين في كردستان بمصير النظام السابق الذي كان يخدع المجتمع الدولي بعرض مواكب سيارات الموتى من الأطفال أثناء سنوات الحصار، فيما كان رؤوسه يتنعمون بملذات الحياة في قصورهم ومزارعهم حول أسوار بغداد؟!.
وللتذكير أيضا، تنبغي الإشارة الى نهاية أعتقد أنها باتت معروفة عن مصير ذلك النظام، عندما سقطت تلك الرؤس على حافات نفس تلك الأسوار؟؟!

شيرزاد شيخاني

[email protected]