فنانون عراقيون مغتربون.. يعودون بـ (خارج الزمن) الى بغداد
عبد الجبار العتابي من بغداد: قدم عدد من الفنانين العراقيين المغتربين وضمن فرقة (ستوديو الممثل) وبالتعاون مع الفرقة القومية للتمثيل التابعة لدائرة السينما والمسرح في بغداد،عرضا مسرحيا يحمل عنوان (خارج الزمان)على خشبة المسرح الوطني مرتين، الاولى مساء يوم الاحد، والثانية ظهر يوم الاثنين، حضرها في اليوم الاول عدد كبير جدا من الفنانين والمثقفين والاعلاميين، فيما حضر في اليوم الثاني نصف العدد تقريبا، على الرغم من الاجواء الحارة جدا وطول العرض المسرحي الذي كانت مدته ساعتين الا ربع، والعمل من اعداد الكاتب عواد ناصر والفنانة روناك شوقي عن نص رواية (حفلة التيس) للكاتب البيروي ماريو بارغاس يوسا، وإخراج روناك شوقي، وتمثيل: رسول الصغير، بدولار (الرئيس)، روناك شوقي بدور الابنة (زهرة)، يحيى إبراهيم،بدور (الوزير)، علي فوزي، بدور (الاب)،مي شوقي، بدور (المربية، ابنة العمة)،سلوى الجراح،بدور (زوجة الوزير والمرأة وابنة العم الثانية)، هند الرماح، بدور (الممرضة، الفتاة وابنة العم الثالثة)، فارس خليل شوقي، بدور (الاب /شابا) وتمارا ناصر، بدور (زهرة / صغيرة) وقد ظهر فارس وتمارا في المادة الفيلمية التي عرضت ضمن المسرحية، وقد اهدى الفنانون المشاركون هذا العمل الى (رواد المسرح العراقي الجاد الذين عملوا بجهد ونكران ذات وحب كبير للوطن، وكان هذا مبدأنا).
وألقى الدكتور شفيق المهدي المدير العام لدائرة السينما والمسرح كلمة ترحيبية قال فيها: اهلا بكم باسم جمهور المسرح العراقي في بلدكم، في بغداد، في دائرة السينما والمسرح، واعرف تماما ان لاعراق خارج العراق، العراق هنا، وحتى الذين هناك هم هنا بوافر الاحترام والاجلال والاكرام، لا يوجد فرق ولا يوجد حتى حد وهمي يرسم بعصا على الارض بين فناني الداخل وفناني الخارج.
ويتحدث العمل عن امرأة (زهرة)عادت الى بلادها بعد غربة طويلة امتدت الى اكثر من ثلاثين عاما، لتجد كل شيء في مدينتها الجميلة قد تغير فتقول مع غناء اوبرالي (هذه هي الليلة الثالثة وانا اجلس في غرفة الفندق هذه، لا ادري هل احسست سرعا بالعودة ام انني سأندم على المجيء، ستنتهي اجازتي وانا جالسة هنا، لقد اقسمت ان لا اعود الى هذه المدينة، اقسمت انني لم اضع قدمي فيها، وها انذا اعود، لكنني خائفة، خائفة من كل شيء، كيف سأستطيع مواجهة ابي بعد كل هذه السنوات كيف، لا اعرف، كل شيء يثير فيّ الحزن، ربما الحنين ربما المرارة، السخط، يجب ان اخرج، يجب ان اثبت قدرتي على المشي في شوارع مدينتي، اجل.. يجب ان اخرج، لا اريد ان اضعف لا، لانني اعرف نفسي جيدا، سأخرج الى مدينتي التي جئتها بنفسي، فلتحرقني شمسها)، وحين تخرج تصطدم بالواقع السيء وتحاول ان تبحث عن بيت اهلها فتجده وتجد اباها الوزير فتحاول ان تعود بذاكرتها الى ما كان يفعله (السيد الرئيس)، وبين دفاع الوزير عن الرئيس كونه يعمل موظفا وبين ردود فعل البنت التي تحاول ان تحاكمه وتطالبه بالاعتذار كي يمكن مسامحته، وقد كانت تشرح له تفاصيل ما كان يرتكب من جرائم ومنها بحق اسرة الوزير بأغتصابه لزوجته، الى المشهد الاخير الذي يظهر الرئيس وقد اغتصب البنت ذاتها قبل ان تفر الى الخارج، وقد تضمن العرض على تفاصيل كثيرة.
ولا يمكن ان اخفي القدرة الكبيرة في الاداء لجميع الفنانين الذين تناغموا وانسجموا وكانت حركاتهم في غاية الروعة، وعلى الرغم من طول مدة العرض والجو الحار الا ان الجمهور لم يغادر القاعة في العرضين وكان مشدودا الى ما يقدم امامه لاسيما من بطلة العمل ومخرجته روناك شوقي التي رسمت انبهارات عالية ودهشة متنوعة في كل الصور التي تشرح لقطاتها على خشبة المسرح، فتميزت كثيرا.
وكان لا بد من استطلاع لاراء عدد من المعنيين بالمسرح للوقوف على ما تشكل من وجهات نظر وملاحظات.
الفنان الدكتور ميمون الخالدي قال: نحن سعداء بمجيء اشقاء عراقيين من المهجر يقدمون على المسرح الوطني عرضهم، انا احييهم واشد على اياديهم بأخلاصهم وصدقهم، ولكن علينا ان نعرف ان مزاج العراقي الان لا يستطيع ان يتحمل ساعتين من الاخبار ومن السرد وما يقرب الى ما يسمى بالحكواتي او القصة خون، المتفرج العراقي وخصوصا في العشرين سنة الاخيرة تعود على العرض العراقي المتفجر، الممثل الحيوي المليء بالحماس لانه تعبير عن واقع، اكيد فترة الغربة قد جعلت مسافة الابتعاد عن الواقع، الافكار نعم مع الافكار الموجودة ولكن كيفية وطريقة عرضها، وكان بودي مثلا ان يكثف العرض الى ساعة وهذه الساعة من الممكن ان نرفع شخصية الرئيس ونخليه داخل الاطار وكان من الممكن ان يقلل كثير من التكرار، ما تحدثت به بطلة العمل يعرفه المتفرج العراقي اكثر مما هو موجود، كنا بحاجة ان نرى جذوة فيها الكثير من القوة الداخلية، كان الايقاع بطيئا وكان الاداء يتسم بهذه البرودة والبطء، لكني مع ذلك احيي روناك شوقي ممثلة ذات اداء جديد وحداثوي وهي تنتمي الى الاداء الحديث في المسرح العالمي سواء كان بأستغلالها لجسدها، ومع الاسف كانت طاقتها الصوتية ايضا منطفئة، بشكل عام نحن كمسرحيين عراقيين نرحب بزملائنا نعتز بهم نقف لهم محيين مصفقين ونشعر ان لا حدود فاصلة بين الفنان الذي في الداخل والفنان الذي في الخارج، فألف تحية لهذا الفريق الذي جاء من لندن.
وقالت الفنانة الاء حسين: العرض مرحب به لان هذا بلدهم ومن وجهة نظري ان النساء تفوقن على الرجال كثيرا جدا، ومئة مرحبا بهم وهذا بيتهم وبلدهم، فرحت بهذه الامكانيات الموجودة، هم اناس كنا نسمع عنهم ولم نرهم، ونحن اجيال جديدة لم تسنح لنا الفرصة ان نشاهد احدا من الاجيال القديمة حتى نكوّن ذائقة معينة، وانت تعرف ان الناس التي تنقل لنا بعض التفاصيل عن اسماء نحن لا نعرفها، تنقل لنا الانطباع العاطفي والوجداني لان الشخصية العراقية تعودت على الكثير من الفقدانات، فعندما يتذكرون شيئا من الممكن ان يبالغوا في وصفه، اذا بالسلب او بالايجاب، فالحلو اننا نرى حتى نكوّن الفكرة من زاويتنا الخاصة، مبارك لهم عرضهم، ولا اعتقد انني الان اذكر ملاحظات، ولكن اكثر ما اعجبني هي الفنانة روناك شوقي، تحسها بالضبط نسمة برد تتجول في وسط الجو الساخن هذا، طفلة ضحكتها تملأ قلبك عندما تراها، واحببتها جدا.
اما المخرج المسرحي علاوي حسين فقال: في البدء نحتفي بكل الاسماء التي عادت الى بغداد، الى وطنها بعد هذا البعد الزمني بينهم وبين بغداد، القسري اذا صح التعبير، ونهنئهم على ما قدموه، ولكن.. يبدو ان لدينا مشكلة في التلقي، نحن طيلة سنوات عشنا من العنف ما عشنا وشفنا، يبدو صار تلقينا مختلفا تماما عن تلقي الاخر الذي يعيش في بلدان الثلوج، لذلك يبدو نحن لا نستقبل كل شيء، ولا نتفاعل مع أي شيء، لذلك انا وجدت حقيقة ان هناك مشكلة في العرض، ربما هي عندي بالتلقي لكن وجدتها عند اراء كثيرة اتفقت مع رأيي، انا اعرف ان الطاغية لم يأت له مثيل في العصر الحديث او التاريخ السياسي الحديث لكن كنت اتمنى ان يحعلني اشاهده بشكل اخر، شكل فيه متعة وابهار، ما شاهدته حقيقة، للاسف اقول انه لم يكن بمستوى ما كنت اسمعه عن هذه الاسماء، العمل الفني لا يجزأ ولكن كانت هناك ممثلة مميزة هي السيدة روناك شوقي وهناك ممثل متميز وهو رسول الصغير، وكنت اتمنى عليه ان ارى المزيد من الاشتغال على شخصية الدكتاتور، ويبقى نحن نحتفي بما قدم رغم ملاحظاتنا، وبالطبع ان أي عمل مسرحي لا يخلو من الملاحظات.
وقال المخرج المسرحي والممثل طه المشهداني: الموضوعة ليست جديدة على العراقيين وعلى المسرح العراقي، لكن الذي ابهرنا وجود هؤلاء الاشخاص الفنانين الرائعين على خشبة المسرح الوطني بهدوئهم واسترخائهم العالي جدا وبهذه الطريقة للمخرجة التي اضفت شيئا جميلا على واقعنا المسرحي وعكست مشهدا مسرحيا كبيرا للمسرح العراقي، اهنيء كل الكادر، من الفنيين، الصوت والاضاءة والممثلين والمخرجة بشكل خاص.
واضاف: عندي ملاحظة واحدة على العمل وهي ليست على العرض، هي على المتلقي الذي يدخل بعد بدء العرض ووقع اقدامهم كان مدمرا جدا لاحاسيسنا وتلقينا لمشاعر العرض، دمرنا هذا حقيقة، فأتمنى من ادارة المسرح الوطني ان تهتم بهذا وان تتفهم الموضوع احتراما لما يقدم على خشبة المسرح.
وقد اعرب ابطال العرض عن سرورهم البالغ بالجمهور الكبير الذي حضر، فعبرت الفنانة روناك عن سعادتها مؤكدة انها تعرف الجمهور العراقي وثقافته، فيما قال رسول الصغير: بطل العرض هو الجمهور العراقي الجميل الذي أثبت انه لديه قيم مسرحية راسخة، واكد انه متابع جيد يقدر العرض المسرحي.
اما الفنانة سلوى الجراح فقالت: انه جمهور رائع لسبب بسيط جدا وهو لايوجد جمهور في الدنيا يجلس ويصمت ويصمد في هذا الحر الشديد، انا احيي الجمهور العراقي واشكره الشكر الجزيل وافتقدناه جدا في هذه الغيبة الطويلة ونحن في لندن، لم نكن متخوفين من الجمهور ولكن كنا متخوفين من الحر الذي قد يسبب بعض المضايقات للناس، ولكن الجميع رائعون.
