لطالما اعتبر الزميل حاتم البطيوي أنه لا بد أن يضع الصحافي الوطن في كنه مساره المهني، وهو يتشرف بالتوشيح بالوسام الملكي، كما يعتز بعمله في "الشرق الأوسط" زمن عثمان العمير، ويعتبر نفسه "من إنتاجه الصحافي".


إيلاف: يعتز الزميل حاتم البطيوي، رئيس القسم السياسي في جريدة "الشرق الاوسط"، بالتفاتة الملك محمد السادس "المولوية السامية"، ويعتبر "التوشيح بوسام ملكي أمراً في منتهى التشريف"، وتوسيماً لجريدة الشرق الأوسط التي واكبت الشأن المغربي منذ سنة 1979، وتكريمها هو تكريم للصحافة الموضوعية والمهنية الصرفة، ذلك أنها ظلت متفتحة على المشهد السياسي المغربي بمختلف مكوناته وأطيافه.

ويروي البطيوي، خلال احتفال أقامته مؤسسة منتدى أصيلة في قصر الثقافة احتفاءً بتوشيحه، مسيرته المهنية، ويثمن في حديث لـ"الأحداث المغربية" هامش الحرية في بلاده، كما يستذكر اولى خطواته "في رحلة الألف ميل الصحافية" مع الأستاذ عثمان العمير، رئيس تحرير الشرق الأوسط في حينها. ويعتبر نفسه وأبناء جيله من المحظوظين لأنهم فتحوا أعينهم على مشروع ثقافي طلائعي قلب مصير مدينة أصيلة المغربية رأسًا على عقب. لتبدأ المدينة في حينها مرحلة جديدة مفعمة بالآمال بعدما كانت قرية منسية". ويستفيض البطيوي في التغني بهذه المدينة التي خرجت مفردات ومصطلحات، وصنعت سياسات انسحبت على كامل ارجاء المملكة.

هامش من الحرية

لطالما اعتبر البطيوي أنه لا بد للصحافي أن يكون صحافياً مواطناً، أي أن يكون الوطن في كنه مساره المهني، ولا يرى عيبًا في أن يبشر المرء بالتطورات السياسية التي يعرفها بلده والتغييرات الهادئة والرصينة التي يزدان بها المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ويقارن بين وضع الصحافة اليوم مع ما كانت عليه في الستينات والسبعينات، ليستنتج أن المغرب قطع أشواطًا كبيرة في مجال الإصلاح، وأصبح قطاع الإعلام بدوره يعرف هامشًا كبيرًا من الحرية لم يكن يتصوره أي إعلامي مغربي من قبل.

ويقول البطيوي للصحيفة إن الإعلام المغربي حالة انسانية بامتياز، ويلفت إلى أنّ هامش الحرية موجود بشكل واسع في المغرب، فالمشهد الصحافي المغربي قطع شوطًا كبيرًا وطوى صفحة الصحافة الحزبية ويتسم اليوم بالتعدد والتنوع والاختلافات في التناول والمقاربات على مستوى الخطوط التحريرية واصفًا الأخطاء والمطبات التي قد يقع فيها الإعلام احيانًا بالأمر الطبيعي.

مع العمير البداية

يروي البطيوي تجربته في جريدة الشرق الأوسط، التي بدأت مع الأستاذ عثمان العمير في العام 1987 حين تعرف عليه في مدينة أصيلة، ونشأت بينهما "صداقة ومحبة وعطف". وفي أحد أيام أغسطس من العام 1987، ذهب البطيوي وهو طالب سنة ثالثة حقوق إلى أحد شواطئ أصيلة برفقة وزير الثقافة وقتذاك، محمد بن عيسى، ورئيس تحرير الشرق الأوسط عثمان العمير والكاتب والروائي التونسي حسونة المصباحي. أبلغه المصباحي بضرورة أن يحصل على الإجازة كي يقضي سنة تدريب في جريدة الشرق الأوسط في لندن. وفور نجاحه، اتصل البطيوي بالعمير قائلاً: "لقد حصلت على الإجازة، متى تريدني المجيء إلى لندن؟". فأجابه العمير "بعد يوم أو يومين، مرّ على مكتب جريدة الشرق الأوسط، ستجد تذكرة الطائرة". يضيف: "وهكذا ذهبت إلى لندن وبدأت الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل الصحافية".

ويعرب البطيوي عن امتنانه للأستاذ عثمان العمير على دعمه الموصول ومحبته الدائمة، ومهما أقول عنه فإن ذلك لن يفي بما قدمه لي من دعم كبير. فهو على مستوى التأطير زرع فيَّ الثقة في النفس، وكان نموذجًا لرئيس التحرير الذي يثق في نفسه. عرفني على مسؤولين كبار وعلى عدة مصادر وشخصيات سياسية مهمة في العالم العربي والعالم. إنني سعيد لكوني اشتغلت في "الشرق الأوسط"، زمن الأستاذ عثمان العمير. فأنا أعتبر نفسي من إنتاجه الصحافي.

قراءات

لا ينكر البطيوي أنه ابن المدرسة العمومية المغربية، لكن يشدد على ضرورة عدم الاكتفاء بالقراءة للنجاح، بل تثقيف الذات من خلال متابعة الصحف والمجلات والجرائد والروايات ومذكرات السياسيين والأدباء، ويعلل "عمومًا، حتى ولو كنتَ تدرس في المدرسة الأميركية، إذا لم تبذل مجهودًا موازيًا بغرض تكوين النفس وتقوية العقل وتثقيف الذات، من خلال الاطلاع والبحث، فإن ما تتلقاه من المدرسة أو المعهد أو الجامعة لن يكفيك لتحقيق كل طموحاتك".

جيل محظوظ

يعتبر البطيوي أنه وأبناء جيله في مدينة أصيلة من المحظوظين، بوجود مشروع ثقافي كبير في المدينة، ويصف موسم أصيلة الثقافي بـ"الجامعة الحقيقية التي تخرجنا منها".

انطلق موسم أصيلة الثقافي عام 1979، خلال حقبة صراع كبير بين الأحزاب، ويقول البطيوي: "فتحنا أعيننا في هذا المناخ على مشروع ثقافي طلائعي قلب مصير المدينة رأسًا على عقب بالثبات والحكمة ومذاق السكينة والصبر. آنذاك بدأت المدينة مرحلة جديدة مفعمة بالآمال بعدما كانت مهمشة أو بالأحرى قرية منسية".

يشرح "وقتها كان المغرب في عز التجاذبات السياسية ما بين المعارضة والحكومة. وطبعًا أي عمل ثقافي طلائعي آنذاك كان يُنظر له بشكوك من خلال الموقف الذي تتبناه كل جهة، الذين في اليسار كانوا ينظرون إليه على أساس أن وراءه جهات شيطانية خارجية ذات أجندة غير وطنية، والذين كانوا في اليمين نظروا إليه على أنه مشروع شيوعي -ماركسي، وهكذا دواليك".

يضيف: "أنا وجيلي أيضًا محظوظون لأننا فتحنا أعيننا على زيارات جلالة الملك محمد السادس أيام كان ولياً للعهد لأروقة الفنون في أصيلة، إذ ظلت مواسم أصيلة تنظم تحت رعايته السامية أيام كان وليًا للعهد، وتواصلت رعايته لما تولى مقاليد حكم أجداده الميامين. فتجربة أصيلة واستمراريتها مدينة للدعم الموصول لجلالة الملك محمد السادس، الملك المثقف والفنان. من جهة أخرى، إن جو الانفتاح السياسي الذي عرفته بلادنا مع انطلاق ما سمي في منتصف السبعينات "المسلسل الديمقراطي" الذي تزامن مع انطلاق فعاليات أصيلة تميز بحضور الشخصيات الفكرية والسياسية والثقافية بمختلف مشاربها وتوجهاتها، إذ كان يأتي إلى خيمة أصيلة اليميني واليساري والشيوعي والماركسي والليبرالي والإسلامي.

والكثير من المصطلحات انطلقت من أصيلة. ففيها جرى الحديث للمرة الاولى عن المجتمع المدني وعن الحوار جنوب - جنوب، وعن المنظمات شبه الحكومية، وعن حوار الثقافات وغيرها من العبارات. وأذكر آنذاك أنني طرحت سؤالاً على نفسي حول مسألة الانتماء. هل من الضروري أن يكون الإنسان منتميًا إلى فئة سياسية معينة؟ وهل الانتماء السياسي بتعصب ودوغمائية ظاهرة صحية؟ فخلصت إلى أن أكبر عدو للإنسان هو أن يكون مُؤدلجًا. لأنك في تلك اللحظة سترى فقط طريقاً واحدًا سيؤدي بك إلى الحائط، وسيصبح الأمر شبيهًا بعمى الألوان. ولذلك علمتني أصيلة روح التسامح والانفتاح على الآخر. فيها لمست كيف أن أكبر المتصارعين في العالم العربي حين يلتقون يتحدثون في ما بينهم بأسلوب حضاري بلا عقد. أسلوب عقلاني يخلو من التنابز. ولهذا يمكن القول بأن أصيلة كان لها الفضل في تلقيني مبادئ الإنصات والحوار، واحمد الله أنني عشت مرحلة بداية المشروع الثقافي لأصيلة من بدايته، وها هي أصيلة تكبر الآن بكل أبنائها.