جهاد الزين
في تاريخ التشكل المعماري لمدينة برلين، ارتبط نمط العمارة السكنية المتعددة الطوابق في القرن التاسع عشر ومعظم النصف الاول من القرن العشرين... ارتبط بتعددها الطبقي، اي بكونها تضم مزيجا من الفئات المتفاوتة الدخل والاصول. لذلك يعتبر العديد من مؤرخي الهندسة المعمارية البرلينية، ان البناية السكنية التقليدية في برلين تشبه quot;الامة الالمانيةquot;. فهي متعددة الطوابق والطبقات ضمن بناء واحد. علامة منتصبة على تنوع وتماسك quot;الامة الالمانيةquot; في آن معا.
لا تزال الاحياء القديمة من برلين (خصوصا الشرقية) تحفل بهذا النوع من الابنية، البناء يقوم على واجهة خارجية تظهر منها على الشارع الطوابق والشقق الاوسع والاغلى سعرا لانها - حسب منطق الهندسة المعمارية، كما يقدمه بعض نقاد ومؤرخي وفناني المدينة ndash; تتعرض لأشعة الشمس وبالتالي فهي مضيئة اكثر. اما الشقق الداخلية التي تتوزع عادة حول الفناء الخلفي (Hinterhof) الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من البناية البرلينية وامتدادا للجزء الخارجي فهي مسكونة بفئات اقل يسرا بسبب سعرها الادنى، ايجارا او ملكية.
لدي في منزلي لوحة مائية صغيرة اشتريتها مرة من برلين لبناية برلينية يظهر في مدى النظر بهوها الداخلي كما زرتُ مرة فنانا وفنانة المانيين داخل استديو اقاماه بعد توحيد برلين في واحدة من هذا النوع من العمارات. لكن لا يحضر في ذاكرتي عمل روائي الماني محوره واحدة من هذا النمط من البنايات التي ازدهرت في العهد البسماركي الذي واكب تبلور الشخضية القومية الالمانية كعصر للتماسك التوحيدي والتنوع الصراعي للامة الالمانية في عاصمتها برلين والعهد الهتلري كعصر للتوحيد القسري الاحادي الذي انتهى... بالنكبة الالمانية في الحرب العالمية الثانية.
العمل الادبي quot;التأسيسيquot; من حيث الاسبقية التاريخية الذي يستحق ان نطلق عليه quot;البناية ndash; الامةquot; يمكن ان يكون رواية quot;أونوريه دي بلزاكquot; quot;غوريو الأبquot; التي كتبها في الربع الثاني من القرن التاسع عشر؟ (طبعت للمرة الاولى عام 1835).
نـــجـــاح روايـــة quot;عمارة يعقوبيانquot; السريع، كتابا وفيلما سينمائيا للروائي المصري علاء الاسواني هو الذي يثير هذا السؤال المرجعي عن النوع الادبي الذي تنتمي تاريخيا اليه روايته.
في quot;غوريو الأبquot; يعتمد بلزاك نزلا تملكه سيدة عجوز في باريس وتدور احداث الرواية التي اعتبرها بلزاك نفسه جزءا مما سماه لاحقا quot;الكوميديا الانسانيةquot; حول الشخصيات المقيمة في هذا النزل السكني، والتي - اي الشخصيات ndash; تنتمي الى فئات اجتماعية مختلفة.
لا اريد ان اقيم مقارنة مفتعلة. فجَوّا الروايتين يُقارنان ولكن قطعا لا يتشابهان الا حيث المكان الواحد للعيش الذي يضم شخصيات متنوعة المشارب والميول والمصائر. انها quot;البناية ndash; الأمةquot;. وفي حالة رواية الاسواني انها مصر. شيء ما يتخطى حتى المجمع المديني الذي هو هنا القاهرة في استقبالها للوافدين وفي اعادة تشكيل مصائرهم وفي تبلور او انهيار مصائر القاهريين الاصليين فيها (من هم الاصليون فعلا في اية مدينة حيوية؟ كما سأل مرة مؤرخ بريطاني لمدينة برلين واعتبر ان لا برلينيين في برلين: الكل وافد والفارق زمني. فهذه هي المدينة الحيوية. بينما يرفض طبعا هذا الامر quot;الباريسيونquot; اي سكانها الاصليون فيها وطبعا quot;البيارتةquot; في لبنان وquot;الشوامquot; في دمشق!...).
quot;قاهرةquot; علاء الاسواني حتى وهي قاهرية جدا بطبقاتها القديمة والجديدة، كما هي القاهرة المتحولة دائما في روايات نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، هي ليست ايضا quot;قاهرةquot; هؤلاء. انها هنا في quot;عمارة يعقوبيانquot; العريقة والمتآكلة، المتنوعة والهشة، الفاسقة والعنيفة، الراقية والمبتذلة، المثقفة والامية، الحقيرة والنبيلة، المتدينة اجتماعيا، والمتدينة سياسيا هي اكثر من ان تكون القاهرة فقط، انها كل مصر... في quot;لحظةquot; تعب متراكمة للمجتمع المصري.
quot;عمارة يعقوبيانquot; على تنوعها، وعلى اتصال بعض شخصياتها المباشر بالسلطة السياسية، هي رواية بناية في ذروة هامشيتها بشرا وحجرا. حتى التاجر الغني فيها، يأتيها في الجزء quot;الهامشيquot; من حياته.
طبقات quot;عمارة يعقوبيانquot; الاجتماعية مثل طوابقها معظمها متعب وقلق وفاقد للامان. من فقراء ndash; بل معدمي quot;فوق السطوحquot; مسلمين واقباطا، الى الاريستوقراطي العجوز الى المثقف المثلي، الى الزوجة الثانية الممنوعة من الانجاب الى وكيل السيارات الذي تُذكّره quot;السلطةquot; فورا عندما يحاول ان quot;يستقلquot; بانه quot;تاجر مخدراتquot;... شرائح اجتماعية متعبة في بناية بورجوازية المنبت، تحتضن بورجوازيين quot;ضعفاءquot; وفقراء تحت خط الفقر... من كل الاصول، نساء ورجالا.
هل هذا التوصيف لشرائح اجتماعية مختلفة ومتفاوتة ومتعبة يضعف فكرة quot;البناية ndash; الامةquot; في تصنيف النوع الادبي الذي تنتمي اليه رواية quot;عمارة يعقوبيانquot;؟
ينبغي ان نذكّر هنا ndash; خصوصا لمن لا يعرف القاهرة الحالية ndash; ان اختيار quot;عمارة يعقوبيانquot; في منطقة وسط القاهرة quot;القديمquot; الذي هجرته البورجوازية الجديدة منذ الستينات، هو بذاته اختيار لمجمع عريق، متحول، متعدد، متراجع بصورة ما، من مجاميع المجتمع المصري وتحديدا القاهري. بالتالي quot;عمارة يعقوبيانquot; اطار ناقص بالضرورة. انه هنا اطار كبير وشديد الدلالة لهذه الاجزاء المتعبة إن لم تكن المطحونة من المجتمع المصري. لكن قوة quot;البناية - الامةquot; انها المكان الواحد الذي يضم دفعة واحدة كل هؤلاء quot;الممثلينquot; عن ملايين القاهريين والمصريين.
تلك المنطقة من القاهرة هي ايضا ndash; وهنا لست بالضرورة quot;داخلquot; الرواية كوقائع ndash; علامة على اهتراء زمن اصيل كان واعدا ومتقدما من ازمنة الحداثة المصرية. فمن حيث الهندسة المعمارية ليست quot;عمارة يعقوبيانquot; فريدة في احياء اقيمت ذات يوم على نمط ارقى الاحياء الباريسية ووضع مخططاتها واشرف على بعض مبانيها مهندسون فرنسيون شهيرون. كانت تلك بالتوازي من الربع الاخير من القرن التاسع عشر الى اربعينات القرن العشرين ndash; زمن ابداعات النخبة الثقافية الليبرالية المصرية ومع نهايتها مع الاسف ظهر السقوط المريع لليبرالية السياسية الذي تولد عن العجز عن امساك الدولة امام عواصف الصراع العربي ndash; الاسرائيلي المندلع مع تأسيس اسرائيل.
هنا، كما يظهر للسائح العابر من quot;ميدان التحريرquot; نحو quot;طلعت باشاquot; ومتفرعاتهما ان ثمة اعادة تجميل لمباني المنطقة ربما تساهم رواية علاء الاسواني والفيلم السينمائي الناجح الذي نتج عنها في اعادة الاعتبار التراثي والثقافي... لهذا الشاهد العمراني quot;المتعبquot; على عظمة حقبة الليبرالية السياسية والثقافية في العالم العربي... انطلاقا من مصر.
