الإثنين: 2006.02.27
عبدالله بن بجاد العتيبي
الصراحة والشفافية والوضوح والبساطة مكوّنات أساسية للأعمال الأدبية والإبداعية التي تنشد التميّز وتسعى لاستقطاب القرّاء والمتابعين، وما يزيد الأمر تميّزا أن يكون محور تلك الرباعية هو الحديث عن الذات لا في الحكم على الآخرين.
فنّ السيرة الذاتية كما هو معروف فن قائم برأسه له تاريخه ومدارسه ومناهجه وحقوله العلمية المعنية به، ونحن نجد كذلك في تاريخنا شذرات هنا وهناك لبعض العظماء الذين تحدثوا عن أنفسهم وأرخوا لذواتهم أو على الأقل لجوانب مهمة وخاصة منها، فهذا الغزالي يحدثنا في كتابه quot;المنقذ من الضلالquot; عن شكوكه العقدية وتيهه الفلسفي حتى مرساه الصوفي الأخير بشفافية رائعة، وذاك ابن حزم الأندلسي عالم الشريعة المشاكس والفقيه الظاهري المتشدد يخبرنا في كتابه ذائع الصيت quot;طوق الحمامةquot; عن قصصه مع الشقراء التي عشقها وأغرم بها وسرده لمشاعره الفياضة تجاهها، متسربلاً في سرده بصراحة نادرة، كما يشركنا أسامة بن منقذ في مغامراته وتجاربه في كتابه quot;كتاب الاعتبارquot; وقد تحدث كثيرون من عظمائنا الأقدمين عن جوانب خاصة من شخصياتهم وسيرهم، كابن الهيثم وابن سينا والرازي وابن تيمية وابن خلدون ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم، أما في العصر الحديث فحدث ولا حرج فمن الشدياق الى العقاد وطه حسين وأحمد أمين وكثير ممن عاصرهم وجاء بعدهم من أدبائنا وعلمائنا ومبدعينا.
وقبل هؤلاء كان إياس بن معاوية المزني أحد أفذاذ العلماء وأذكياء القضاة الذين تتناقل كتب السير والتواريخ والتراجم غرائب قصصهم ونوادر مواقفهم وأحكامهم، هذا العالم يقول: quot;ما من رجل عاقل إلا وهو يعرف عيب نفسه، قيل له: فما عيبك؟ قال: كثرة الكلامquot; .
ونحن ندرك اليوم كم هو جميل أن يعرف الإنسان مواطن ضعفه وقوته، فيعالج الأولى ويطور الثانية، وحتى نزيد على حديث إياس فإن الأجمل أن يحوّل الإنسان والمبدع تحديداً ضعفه وأخطاءه لرصيد مثر من التجارب يكتبها لنفسه وينقلها بكل حيويتها للآخرين من حوله والقادمين من بعده.
لقد كتب كثير من عظماء العالم في السياسة والحروب والعلوم سيرهم الذاتية ونقلوا تجاربهم بكل ما فيها من جميل ورديء وانتصارات وانكسارات، من غاندي إلى مالكوم إكس إلى نيلسون مانديلا وقبلهم وبعدهم كثيرون، وكم هو جميل أن يشرك العظماء والمبدعون أممهم وشعوبهم والعالم بأسره في تجاربهم النفسية والفكرية والاجتماعية، أن يحدثوا بصراحة عن طريقة رؤيتهم للأشياء والأحداث من حولهم، عن آلياتهم في رصد الحدث وقراءة المستقبل قبل كل حادثة، وأثناء كل محنة، وعند كل انتصار، لتتعلم الأجيال كم هي قريبة تلك العظمة وكم في الشباب من الطاقات التي تمكنهم من وصول القمة.
إن الكتابة فن بحد ذاتها وكتابة السيرة الذاتية بالتحديد نوع من أشد أنواع الكتابة على نفس الكاتب، ذلك أنه بين خيارين أحلاهما مر يكمن الأول في محاولة سرد السيرة الذاتية بكل أبعادها العقلية والروحية والجسدية ومواقفها تجاه ما حولها من معطيات مادية ومعنوية، والثاني هو الانزلاق في فخ الكبرياء الأعمى وجنون العظمة بحيث يصبح الآخرون جميعا حاشية على متن الكاتب وشخصيته، وما يزيد السير الذاتية صعوبة أن تتم كتابتها أو جزء منها بأسلوب الأدب الساخر.
ما أثار لدي هذا الحديث اليوم هو الكتاب الذي صدر حديثا للإعلامي المعروف تركي الدخيل، وقد اختار الدخيل quot;ذكريات سمين سابقquot; ليكون عنوانا لكتابه، يؤرخ فيه لمرحلة حساسة من حياته ويسرد فيه تجربته مع المعاناة الشخصية بأسلوب مرح ورشاقة قلم يحسد عليها.
الجديد في الكتاب أن العالم العربي لم يتعوّد أن يسمع من المشاهير عن معاناتهم الشخصية مع مشاكل مستعصية عليهم، فكم من سمين قبل تركي ناء بأعباء الشحوم ولم ينبس في التذمر العلني ببنت شفة، وكم من مكتئب أقعدته الكآبة ولم يستطع أن ينقل للناس حرفا واحدا من أحاسيسه ومتاعبه، وغير السمنة والاكتئاب ثمة أشكال من المعاناة يمرّ بها كثير من الكتّاب والمشاهير ولكنهم لا يحسنون التعبير عنها، ولا يريدون ذلك، يمنعهم من ذلك هاجس الكمال المستوحذ على ذهنية كثير من مجتمعاتنا وأفرادنا، وذلك الهاجس يمنع صاحبه من الحديث عن أي نقص أو خطأ أو تقصير يتعلق بنفسه، فهو يحاول إيهام الآخرين بأنه كامل مكمّل، ويتجنب بأي حال أن يعترف بمشاكله ونواقصه. كما يمنع البعض من الحديث عن معاناتهم الأجواء الصراعية السائدة في المشهد الثقافي العربي، فالخصوم يقرعون طبول الحرب ويتصيدون الزلات والهفوات ليجعلوا من حبتها قبّة، ولا يريد كثيرون أن يمنحوا الكاشحين معاول يهدمون بها إنجازاتهم أو يلغون بها أفكارهم وتوجهاتهم.
تركي الدخيل في quot;ذكريات سمين سابقquot; ليس له أية علاقة بتركي الدخيل في quot;إضاءاتquot;، الأخير يعرفه الأكثرون محاورا شرسا لا يسمح لضيفه بالتقاط أنفاسه أو إكمال أفكاره، يحس مشاهده بأنه يلهث خلف كل فكرة وكل سؤال وكل اعتراض، أما الأول أي تركي في ذكريات سمين سابق، فهو سمين quot;سابقquot;! خفيف الظلّ حاضر النكتة سريع البديهة، الأوّل جاد وجاف، والثاني هازل ولين.
انتقال الإعلامي من صورة حقّق من خلالها نجاحا إلى صورة أخرى ربما كانت مناقضة للصورة الأولى يعدّ تحديا لا يحبذ الكثيرون اقتحام أسواره أو الدخول لحلبته، ولتأكيد الفكرة وبيان صعوبة مثل هذا القرار فتخيلوا بعض مقدمي النشرات الجويّة وهم يقدّمون برامج للأزياء!
كتاب ذكريات سمين سابق يقدم وصلة مما يسمى في علم الأدب quot;الأدب الساخرquot;، والأدب الساخر أدب يلعب عادة على التناقضات والمفارقات، والأدب الساخر قديم قدم الثقافة نفسها، ومنذ تعلّم الإنسان أن يضحك ويضحك الآخرين، وفي تراثنا العربي الكثير من نثرات الأدب الساخر تعبر عنها مجموعة من الشخصيات والكتّاب والشعراء وquot;العيّارينquot;.
من منّا اليوم من لا يعرف أشعب الطمّاع أو أبا نواس أو أبا دلامة أو جحا أو غير هؤلاء من الشخصيات، ومن لا يستمتع بتصفّح مقاطع الجاحظ الساخرة التي يصوغها بأسلوبه المتفرّد وأمثلة ذلك منثورة في كتبه وخصوصا كتابه quot;البخلاءquot; وكتابه quot;الحيوانquot; وشذرات متفرقة في كتابه quot;البيان والتبيينquot;، كما استخدم هذا الفن أبو العلاء المعرّي ولا أدل على ذلك من سخريته باسمه حين يقول:
دعيت أبا العلاء وذاك مين... ولكن الصحيح أبو النزول
وفي البيت الآخر يقول:
وأحمد سماني كبيري وقلّما... فعلت سوى ما أستحق به الذمّا
وليس هذا النوع من الأدب حكرا على العرب وحدهم بل إن الآداب العالمية اشتهر كثير منها بهذا النوع من الكتابة وفي الغرب اشتهر بهذا الفن كتّاب كبار من أمثال برنارد شو وموليير وآخرون.
يعدّ الأدب الساخر منطقة خطرة مليئة بالألغام، فهو نوع من الأدب لا يمكن التجريب فيه بالنسبة للكاتب المحترف، ذلك أنه سلاح ذو حدّين فهو إما أن يمنحك مساحة عريضة من التلقي والمتابعة والاستلطاف، وإما أن يخسف بك في دركات البرودة والسماجة وثقل الدمّ.
وحين اختار تركي الدخيل هذا المركب الخطر فإنه دخل فيما يشبه عش الدبابير، وحين قرأت الكتاب علمت أنني أمام وجبة دسمة من المعلومة والفكرة والتجربة تعرض كلها في قالب من الأدب الساخر الجميل، ولم أستغرب حين قال لي الأستاذ محمد العبيكان إن تركي الدخيل وقّع في معرض الكتاب على ألفي نسخة من كتابه في يوم واحد.
