صبحي حديدي
التقرير الإستخباري الأمريكي، الذي رُفعت عنه السرّية مؤخراً وأثار ضجة عالمية لأنّ بعض استنتاجاته تسير علي نقيض التفكير الرسمي لإدارة الرئيس الامريكي جورج بوش حول برنامج إيران النووي (يشير التقرير إلي أنّ الشطر العسكري من البرنامج قد توقف منذ العام 2003)، لا يستجلي مشهداً غامضاً بقدر ما يذرّ الكثير من الرماد في العيون.
وهو استطراداً يثير الكثير من الريبة، سواء في ما يخصّ الخلاصات الأساسية التي ينتهي إليها (بعضها مثير دراماتيكي، ويتناقض مع خلاصات سابقة توصّلت إليها جهات إستخبارية أخري قبل سنتين، ليس أكثر)؛ أو في ما يخصّ توقيت نشر التقدير، حين يبدو البيت الأبيض منهمكاً تماماً في حشد المجتمع الدولي خلف خطط الضغط علي إيران، أو حتي استهدافها عسكرياً.
وليس بالأمر العابر، من حيث المبدأ والتقاليد والسجلّ والأعراف الراسخة التي تعود إلي عقود طويلة، أن تنخرط جهة إستخبارية في هذا العيار العالي من الاختلاف مع سياسات البيت الأبيض، أي أن تختلف مع الرئاسة والخارجية والدفاع، وستشار الأمن القومي، ومجلس أمن الوطن، ثمّ وكالة المخابرات المركزية، ومجموع قطاعات الأمن القومي والداخلي، أو ما يُسمّي ببساطة جماعة الإستخبارات Intelligence Community في نهاية المطاف. وفي أيار (مايو) من العام 2005 كانت هذه الجماعة قد توصّلت، في تقرير عُرف آنذاك باسم التقييم الإستخباري القومي ، إلي أنها تقدّر، بثقة عالية، أنّ إيران مصممة حالياً علي تطوير أسلحة نووية بالرغم من التزاماتها الدولية والضغوط الدولية، ولكننا لا نقدّر أنّ إيران لن تتراجع أبداً عن موقفها . فكيف يناقضها التقدير الإستخباريّ الجديد هذه الأيام؟ هنا اللائحة المثيرة:
ـ نحن نحكم، بثقة عالية، أنه في خريف 2003 أوقفت طهران برنامجها الخاص بالأسلحة النووية.
ـ ونحكم، بثقة عالية، أنّ التوقف دام سنوات عدّة علي الأقلّ (وزارة الطاقة ومجلس الأمن القومي ثقتهما ضئيلة في أنّ إيقاف هذه الأنشطة يمثّل إيقافاً لكامل البرنامج الإيراني الخاصّ بالأسلحة النووية).
ـ ونقدّر، بثقة معتدلة، أنّ طهران لم تستأنف برنامجها للأسلحة النووية حتي أواسط 2007، ولكننا لا نعرف ما إذا كانت حالياً تعتزم تطوير أسلحة نووية.
ـ نحكم، بثقة عالية، أنّ التوقف جاء أساساً إستجابة للتدقيق الدولي المتزايد، والضغوط الناجمة عن كشف أشغال إيران النووية السابقة غير المعلَن عنها. ـ نقدّر، بثقة بين معتدلة وعالية، أنّ طهران تُبقي خيار تطوير اسلحة نووية مفتوحاً في الحدّ الأدني .
وإلي الذين يلفت انتباههم، كما كانت عليه حال كاتب هذه السطور، تلك الترسانة العجيبة من المصطلحات الشعورية أو الإستشعارية (مثل: نحكم، نقدّر، ثقة عالية، معتدلة، بين معتدلة وعالية؛ إلي جانب أخري مثل: منخفضة، محتملة، غير محتملة، متكافئة، محتملة واردة، واردة كثيراً، أكيدة تقريباً...)، تجدر الإشارة إلي أنّ كتّاب هذه التقديرات الإستخباراتية ينطلقون من المبدأ التالي: لأنّ الأحكام التحليلية ليست أكيدة، فإننا نستخدم لغة إحتمالوية (Probablistic إذا جازت هذه الترجمة)! تعكس تقديرات جماعة الإستخبارات حول أرجحية تطوّر الأحداث . وفي المثال المضادّ الذي يقفز إلي الذهن سريعاً، ويسفّه ألاعيب الحواة التحليلية هذه، يتساءل المرء أين كانت غائبة كلّ الترسانة التحليلية الإستشعارية حين كذب بوش وتوني بلير علي العالم بأسره حول امتلاك نظام صدّام حسين أسلحة الدمار الشامل، وأنها السبب الأوّل وراء غزو العراق؟
غير أنّ مثال الاختلاف الثاني بين تقديرات 2007 و2005 يمكن أن يزوّد المرتاب في تقديرات اليوم، مثل تقديرات الأمس ـ بكثير من الأسباب التي تحيل الارتياب إلي استراتيجية مبسطة في فهم هذا الطراز من الممارسة العلنية لألاعيب الانطباق أو الافتراق بين مختلف أجهزة الإستخبارات الأمريكية. يقول تقييم 2005: لدينا ثقة معتدلة في التكهن بأجل إحتمالي تتمكّن فيه إيران من صنع سلاح نووي؛ ونقدّر أنّ هذا غير ممكن قبل مطلع منتصف العقد القادم . وبصدد إنتاج الموادّ المشعّة يقول التقييم إياه إنّ إيران يمكن أن تنتج كمية كافية منها عند نهاية هذا العقد إذا نجحت في إحراز تقدّم أسرع ممّا رأيناه حتي الآن . تقديرات 2007 تردّ هكذا:
ـ نحكم، بثقة معتدلة، أنّ الأجل الأقرب الذي تكون فيه إيران قادرة علي إنتاج كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب، اللازم لصنع السلاح، هو مطلع 2009، لكنّ هذا غير وارد جدياً.
ـ نحكم، بثقة معتدلة، أنّ إيران يُحتمل أن تكون قادرة فنّياً علي إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب في أجل ما، خلال فترة 2010 ـ 2015 (مكتب الإستخبارات والابحاث ، التابع لوزارة الخارجية، يحكم بأنّ من غير المحتمل أن تبلغ إيران هذه القدرة قبل 2013 بسبب مشكلات فنية وبرمجية منتظَرة) .
وفي ما يخصّ الموادّ المشعّة، يكرّر التقدير الحكم ذاته بصدد اليورانيوم عالي التخصيب: بثقة معتدلة، الأجل الأقرب هو مطلع 2009؛ وأيضاً: هذا غير وارد جدياً !
والمرء يتساءل هنا: ماذا يقول التقدير الجديد فعلياً، وماذا قال التقييم القديم، وكيف يتفقان أو يختلفان؟ واستطراداً، كيف تمكّن دماغ الرئيس الأمريكي، غير المعتاد علي إبصار الألوان الرمادية، من استيعاب تعقيدات هذه الدوّيخة ، كما يقول التعبير الشعبي؟ وهل كان غريباً أن يكون تعليقه الأوّل علي التقدير الجديد، هكذا: إنه إنذار خطير ؟ أو أن يلوّح نائبه ديك شيني، شيخ صقور الإدارة، بـ عواقب وخيمة إذا استمرّت إيران في برنامجها النووي العسكري (وكأنّ التقدير الجديد لم يرَ النور أصلاً)؟ أو، في السياقات ذاتها تقريباً، ان يهلل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بأنّ التقرير انتصار كبير للجمهورية الإسلامية ضدّ الإستكبار الدولي!
ورغم هذه الآلة الديماغوجية علي الجانبين، حيث وقودها الزيت الذي تنتجه تقارير من نوع تقدير 2007 وتقييم 2005، يتوجّب علي المرء أن يتذكّر حقيقة بسيطة مفادها أنّ الإدارة الراهنة ماضية (حتي لو صدرت عشرات التقارير الإستخبارية الأخري التي تناقض سياساتها جزئياً، أو ربما جوهرياً) في تضخيم نطاق مخاطر العالم ما وراء المحيط، وبالتالي إضافة المزيد من الأعضاء إلي نادي محور الشرّ وليس شطب بعضها أو منحه شهادة حسن سلوك من أيّ نوع: كان المحور يضمّ ثلاثة في عام 2001 (إيران والعراق وكوريا الشمالية)، فصار اليوم ستة (إيران، كوريا الشمالية، كوبا، بورما، روسيا البيضاء، وزمبابوي)!
إلي هذا كلّه، ثمة تقارير استخبارية أخري يمكن أن تجلب الحبور إلي قلوب الصقور في الإدارة، ولا تجبّ سواها أو تطعن فيه أو تناقضه فحسب، بل تحيله إلي لعبة أطفال. نحن في طور من التقلّب وانعدام الثبات غير مسبوق ، يقول دافيد غوردون أحد مؤلفي تقرير أمريكي حكومي رسمي عن أحوال العالم سنة 2020، أعدّه مجلس الإستخبارات القومي في الولايات المتحدة، أي الجهة المعنية بوضع صانعي السياسات في صورة الأخطار التي تنتظر قراراتهم. أهمّ ما في التقرير أنّ توازن القوّة القادم في ميدان الإقتصاد سوف ينتقل إلي آسيا (الصين والهند خصوصاً)، حيث ستزداد نسبة النموّ بمعدّل 80% قياساً علي العام 2000، الأمر الذي سيجبر واشنطن علي إعادة النظر في أولويات سياساتها الراهنة الخاصة بأوروبا والشرق الأوسط. صحيح أنّ أمريكا سوف تظلّ القوّة الكونية الأعظم، إلا أنّ موقع القوّة النسبي الذي تتحلّي به سوف يتآكل أكثر فأكثر حسب التقرير. إلي جانب الاقتصاد، يقول مؤلفو التقرير إنّ العالم سنة 2020 سوف يتعرّض للكثير من الأخطار الأمنية، وأنّ ارتباط البشر عبر الإنترنيت وشبكات العولمة سوف يخلق جماعات افتراضية تفرز مختلف الأشكال الجديدة من سياسة الهويات، فتزيد من تعقيدات قدرة الدول علي الحكم، وإمكانية المنظمات الدولية في التدخّل. وبالطبع، يؤكد التقرير التأكيد علي العامل الأخطر: الإسلام السياسي، بصفة خاصة، سوف يكون له تأثير كوني ملموس علي امتداد الفترة حتي 2020، وسيلمّ شمل المجموعات الإثنية والقومية المتباعدة، ولعله سوف يخلق سلطة تتجاوز الحدود القومية .
والتقرير يستبطن (لكي لا نقول إنه يتنبأ بوقوع) أربعة سيناريوهات كونية: عالم دافوس ، نسبة إلي المنتجع السويسري حيث يُعقد سنوياً المنتدي الشهير وأهمّ محفل لاقتصاد السوق؛ وسيناريو السلام الأمريكي ، حيث ستضطرّ واشنطن إلي قيادة أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، قسراً ودون إجماع دولي؛ وسيناريو الخلافة الجديدة ، حين ستمتدّ موجة إسلامية راديكالية تشمل العالم المسلم بأسره، بما يعنيه ذلك من آثار مباشرة علي اتجاهات العولمة بصفة خاصة؛ وأخيراً، سيناريو دورة الخوف ، التي ستنجم عن اتساع نطاق أسلحة الدمار الشامل وبلوغها أيدي الإرهاب.
هذه الخلاصات تلتقي، أو تكاد تتطابق، مع سلسلة أخري من التحدّيات رصدها تقرير أمريكي رسمي آخر، صادر هذه المرّة عن وزارة الدفاع الأمريكية برسم الكونغرس، ويتضمن مراجعة العقيدة العسكرية الأمريكية واستشراف آفاقها حتي العام 2015. ما يظلّ مدهشاً وطريفاً، وعصياً علي الفهم أيضاً، هو إصرار دائرة الدفاع ، مؤلفة التقرير، علي التمسك بسيناريوهات تعبوية وقتالية ولوجستية تمّ إعدادها قبل أربعة عقود علي الأقل لمواجهة حلف وارسو، الآن بالذات حين انضمّت معظم دول ذلك الحلف البائد إلي النادي الأطلسي!
في القسم التمهيدي الثاني، وتحت عنوان المناخ الأمني العالمي ، يقول خبراء البنتاغون إنّ الولايات المتحدة تواجه مناخاً أمنياً ديناميكياً وغير مضمون، وحافلاً بالفرص مثل التحديات. ففي الجانب الإيجابي نحن في طور الفرصة الاستراتيجية. لقد تراجع خطر الحرب الكونية، وقِيَمنا في الديمقراطية التمثيلية واقتصاد السوق يتم اعتناقها في العديد من أطراف العالم، الأمر الذي يخلق فرصاً جديدة من أجل السلام والرخاء وتوطيد التعاون بين الشعوب. ودينامية الاقتصاد العالمي تتسبب في تبدّل التجارة، والثقافة، والتفاعلات المتبادلة علي نطاق عالمي. وإن تحالفاتنا، علي غرار الناتو واليابان وكوريا، تتأقلم بنجاح مع التحديات الراهنة، وتؤمّن الأساس لبناء عالم مستقر ورغيد. وخصومنا السابقون، مثل روسيا ودول حلف وارسو، يتعاونون معنا اليوم في سلسلة عريضة من المسائل الأمنية. والحقّ أن الكثيرين في العالم يرون في الولايات المتحدة الشريك المصطفي من أجل الأمن .
عالم مستقرّ ورغيد، إذاً، فما المشكلة؟ تقول تقديرات البنتاغون: ومع ذلك فإن العالم يظل مكاناً بالغ الخطورة وغير مضمون، ومن المرجح أن تواجه الولايات المتحدة عدداً من التحديات الهامة لأمنها ومصالحها، من الآن وحتي العام 2015 ، بينها الأخطار التي قد تصيب الحلفاء، والفشل في ضبط انتشار وتداول المعلومات، وتدفق موجات الهجرة العشوائية، والحروب الأهلية، إلخ... إلخ...
بأيّ مستوي من الثقة: عالٍ، معتدل، منخفض، محتمَل، غير محتمَل، متكافيء، محتمَل وارد، وارد كثيراً، أكيد تقريباً...؟
