روبرت فيسك - الإندبندنت
المدن السومرية التي يبلغ عمرها 2000 عام باتت ممزقة ومنتهكة على أيدي اللصوص. وجدران مدينة الكلدانيين العظيمة quot;أورquot; نفسها تتصدع جراء الصخب الناجم عن حراك قطاعات وآليات القوات العسكرية. وثمة خصخصة النهب، حيث يشتري الملاكون المواقع الأثرية المتبقية من بلاد ما بين النهرين القديمة بغية تجريدها من تحفها وثرواتها. ذلك الدمار شبه الكامل لتاريخ العراق التاريخي ndash;مهد الحضارة الإنسانية نفسها- يظهر وعلى نحو سافر كأحد أكثر الرموز تعبيراً عن العار الذي يلف احتلالنا الكارثي لذلك البلد.
وفق الأدلة التي يقدمها علماء الآثار، فإنه حتى أولئك العراقيين الذين كانوا قد تدربوا كعمال آثار في حقبة نظام صدام حسين قد باتوا يستخدمون معرفتهم الآن كوسيلة للانضمام إلى النهابين في البحث في أنحاء المدن القديمة، ملحقين الدمار بالآلاف من الجرار التي لا تقدر بثمن، والأواني الزجاجية والتحف الأخرى في سياق بحثهم عن الذهب والكنوز الأخرى.
في أعقاب حرب الخليج الأولى عام 1991، تحركت جيوش من النهابين مقتحمة إلى المدن الصحراوية في جنوب العراق، وتم تدمير حوالي 13 متحفاً عراقياً. أما اليوم، فإن كل موقع أثري في جنوب العراق تقريباً قد أصبح تحت سيطرة النهابين.
في عرض يمزق القلوب، الذي ينشر في هذه الآونة، تقول عالمة الآثار اللبنانية جوان فرشخ إن جيوش اللصوص والنهابين لم تترك دون مساس حتى ولو quot;متراً واحداً من هذه العواصم السومرية التي كانت قد دفنت تحت الرمال منذ آلاف السنين.
quot;لقد دمروا بشكل منهجي كل بقايا هذه الحضارة في سياق بحثهم غير المتواني عن التحف الممكن بيعها: تلك المدن القديمة التي تغطي ما تقدر مساحته بعشرين كيلو متراً مربعاً، والتي كان يمكن لها أن تقدم -لو تم الحفر فيها بشكل لائق- معلومات هائلة جديدة عن تطور الجنس البشري.
quot;إن الجنس البشري يفقد ماضيه لصالح لوحة مسمارية أو تمثال أو قطعة مجوهرات، والتي يشتريها المتعامل بالآثار ويدفع ثمنها نقداً في بلد مزقته الحرب. ويفقد الجنس البشري تاريخه لأجل متعة جامعي التحف الخاصين الذين يعيشون بأمان في بيوتهم المترفة ويطلبون قطعاً معينة ليضيفوها إلى مجموعاتهم.
السيدة فرشخ، التي ساعدت في التحقيقات الأولية الخاصة بالكنوز المسروقة من متحف بغداد للآثار مباشرة في أعقاب غزو العراق، تقول إن العراق ربما ينتهي المطاف به قريباً وقد أصبح بلا تاريخ.
وتضيف: quot;هناك حوالي 10000 موقع أثري في البلاد. وفي منطقة الناصرية لوحدها، هناك حوالي 840 موقعاً سومرياً؛ وقد تعرضت جميعها لعمليات نهب منهجي. وحتى عندما كان يدمر الإسكندر الأكبر مدينة، فإنه كان يسارع إلى بناء أخرى دائماً. لكن السارقين الآن يقومون بتدمير كل شيء لأنهم يحفرون ذاهبين إلى أعمق الأساسات. والجديد في الأمر هو أن النهابين يصبحون أكثر وأكثر تنظيماً، ويعملون فيما يبدو بالكثير من الأموال في أيديهم.
quot;على نحو منفصل تماماً عن ذلك، تعمل العمليات العسكرية على تدمير هذه المواقع إلى الأبد. وقد كانت هناك قاعدة عسكرية أميركية في مدينة quot;أورquot; لمدة خمس سنوات وأصبحت الجدران هناك تتصدع بفعل وزن العربات العسكرية وصخبها. إن الأمر أشبه بوضع موقع أثري تحت تأثير زلزال مستمر لا ينتهيquot;.
من بين كل المدن الأثرية في عراق اليوم، تعتبر مدينة quot;أورquot; هي الأكثر أهمية في تاريخ البشرية كله. فبالإضافة إلى أنها ذكرت في quot;العهد القديمquot;، والتي يؤمن الكثيرون بأنها موطن النبي إبراهيم، فإنها تظهر أيضاً في أعمال المؤرخين العرب والجغرافيين تحت اسم quot;قميرناquot;، مدينة القمر.
بعد أن تأسست قبل حوالي 4000 عام من الميلاد، أسس سكانها السومريون مبادئ الري، وطور الزراعة وصناعة المعادن. وبعد ذلك بخمسمائة عام -فيما أصبح يعرف على أنه quot;عصر الطوفانquot; -قدمت أور بعضاً من أول أشكال الكتابة، والأختام الإسطوانية والبناء. وفي منطقة quot;لاسراquot; المجاورة، استخدم الطابوق المخبوز كسندات مالية -أول نظام للشيكات في العالم -وكان عمق علامة الإصبع في الطين يؤشر على مقدار النقود التي ينبغي تحويلها. وقد ضمت القبور الملكية في quot;أورquot; مجوهرات وخناجر وذهباً وأختاماً إسطوانية أزورية، وأحياناً رفات العبيد.
داوم ضباط أميركيون على القول إن بناء قاعدة أميركية ضخمة في بابل كان بهدف حماية الموقع، لكن عالمة الآثار العراقية زينب البحراني، وهي أستاذة تاريخ الفن والآثار في جامعة كولومبيا تقول إن هذا هو quot;اعتقاد خاطئquot;. ففي تحليل للمدينة، كما تقول، quot;فإن الضرر الذي لحق ببابل هو ضرر كثيف وغير قابل للإصلاح، وحتى لو أن القوات الأميركية حاولت حماية المدينة، فإن وضع الحراس حول الموقع كان ليكون أكثر منطقية بكثير من جرفها بالجرافات وإنشاء أكبر موقع قيادة لقوات التحالف في المنطقة هناك.
كانت الضربات الجوية عام 2003 قد تركت المعالم الأثرية دون ضرر، لكن البروفيسورة بحراني تقول quot;إن الاحتلال قد أسفر عن تدمير هائل للتاريخ إلى حد تجاوز بكثير مجرد المتحاف والمكتبات التي تعرضت للنهب والتدمير عند سقوط بغداد. فهناك سبعة مواقع أثرية تاريخية قامت قوات التحالف وقوات الولايات المتحدة باستخدامها على هذا النحو منذ نيسان عام 2004، وكان أحدها هو القلب التاريخي لمدينة سامراء، حيث تم في عام 2006 تفجير مرقد الإمام العسكري الذي كان قد بناه الناصر صلاح الدينquot;.
يعتبر استخدام المواقع الأثرية التاريخية كقواعد عسكرية انتهاكاً لميثاق لاهاي وبروتوكول عام 1954 (الفصل الأول: المادة 5)، والتي تغطي فترات من الاحتلال؛ وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تصادق على الميثاق، فإن إيطاليا وبولندا وأستراليا وهولندا، والتي أرسلت كلها قوات إلى العراق، هي من بين الأطراف الموقعة عليه.
تلاحظ السيدة فرشخ أن الطوائف الدينية بينما تحصل على نفوذ في كل محافظات العراق، فإن المواقع الأثرية تقع أيضاً تحت سيطرتها. وهي تحكي قصة عبد الأمير الحمداني، مدير الآثار في محافظة ذي قار في الجنوب، الذي حاول يائساً -ولو بلا طائل- أن يحول دون تدمير المدن المطمورة خلال الاحتلال. وقد كتب الدكتور الحمداني نفسه أن بوسعه فعل القليل القليل لمنع quot;الكارثة التي نشهد عليها جميعاً ونشاهدها تحدثquot;.
عام 2006، كما يقول الحمداني، quot;جندنا 200 ضابط شرطة، أننا كنا نحاول وقف عمليات النهب عن طريق القيام بدوريات في المواقع الأثرية بأقصى ما يمكن. لكن تجهيزاتها لم تكن كافية لإنجاز هذه المهمة لأنها كانت لدينا ثماني سيارات فقط، وبعض البنادق والأسلحة الأخرى والقليل من أجهزة بث الراديو لخدمة كامل المحافظة حيث كان 800 موقع أثري تتعرض للانتهاكquot;.
quot;إن هذا لا يكفي بالطبع، لكننا نحاول تأسيس نوع من النظام حتى عنت القيود على التمويل في داخل الحكومة أن لا يعود باستطاعتنا دفع ثمن البنزين اللازم لتسيير الدوريات في المواقع. وهكذا انتهى بنا المطاف ونحن نحاول مكافحة النهب في مكاتبنا، لكن ذلك كان أيضاً قبل أن تشرع الطوائف الدينية بحيازة السيطرة على جنوبي العراقquot;.
في السنة الفائتة، تلقت دائرة الآثار التابعة للدكتور الحمداني ملاحظة من السلطات المحلية، والتي توافق على إنشاء مصانع للطوب الفخاري في المناطق التي تحيط بالمواقع الأثرية السومرية. لكنه تبين بسرعة أن أصحاب المصنع قصدوا إلى شراء الأراضي من السلطات العراقية لأنها كانت تضم وتغطي الكثير من العواصم السومرية والمواقع الأثرية الأخرى. وكان المالك الجديد سوف quot;يحفرquot; المواقع الأثرية، ويفكك quot;الطوب الطيني القديمquot; لتشكيل طوب جديد للسوق ويقوم ببيع المكتشفات المدفونة تحت الأرض إلى تجار الآثار.
رفض الدكتور الحمداني بشجاعة التوقيع على الملف، كما تقول السيدة فرشخ: quot;وكان لرفضه تداعيات فورية. حيث قامت الجماعات الدينية التي تسيطر على المنطقة بإرسال الشرطة إليه مع أوامر بسجنه بتهم الفساد. وتم سجنه ثلاثة أشهر في انتظار محاكمته. لكن مجلس الدولة للآثار والتراث دافع عنه خلال محاكمته، وكذلك فعلت قبيلته ذات النفوذ، وتم إطلاق سراحه واستعاد منصبه. وأصبحت مصانع quot;الطوب الطينيquot; مجمدة، لكن التقارير ظهرت إلى السطح عن استراتيجية مشابهة يجري انتهاجها في مدن أخرى في المواقع الأثرية المجاورة، مثل أقاراكوف زيغارات قرب بغداد. حتى أي وقت يستطيع الأثريون العراقيون إدامة النظام؟ هذا سؤال لا يستطيع سوى الساسة العراقيين المنتمون إلى الطوائف الدينية المختلفة الإجابة عليه، بما أنهم هم الذين يوافقون على هذه المشاريعquot;.
جهود الشرطة التي أصبحت الآن تحظى ببنية منظمة جيداً ومدعومة من الزعماء القبليين، أثبتت أنها مؤثرة وحاسمة.. ففي عام 2005، استطاعت سلطات الجمارك العراقية -بمساعدة القوات الغربية، القبض على العديد من تجار الآثار في بلدة الفجر قرب الناصرية. وقد صادرت المئات من القطع الفنية الأثرية وقررت إعادتها إلى المتحف في بغداد. لكن تلك كانت غلطة قاتلة.
تم إيقاف القافلة على مبعدة بضعة أميال من بغداد، وتم قتل ثمانية من عملاء الجمارك، وأحرقت جثامينهم وتركت لتتعفن في الصحراء، واختفت التحف الفنية. وتقول السيدة فرشخ: quot;كانت تلك رسالة واضحة من تجار الآثار إلى العالمquot;.
تحمل جحافل النهابين منظمة تهريب فضفاضة هائلة. وتقوم الشاحنات والسيارات والطائرات والقوارب بحمل المنهوبات التاريخية العراقية إلى أوروبا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة واليابان. ويقول المشتغلون بالآثار أن عدداً متنامياً باطراد من مواقع الشبكة العنكبوتية تعرض تحف ما بين النهرين وقطعها الفنية في كل مكان، والتي يعود تاريخها إلى 7000 عام.
لقد أصبح مزارعو جنوب العراق الآن نهابين محترفين، يعرفون كيف يحددون جدران البنايات المدفونة ويستطيعون شق الطريق مباشرة إلى الغرف والمدافن. ويقول تقرير علماء الآثار: quot;لقد تم تدريبهم (المزارعين) على كيفية سرقة العالم وتجريده من ماضيه، وقد استطاعوا جني أرباح كبيرة يعتد به من ذلك. إنهم يعرفون قيمة كل قطعة فنية، ومن الصعب رؤية السبب الذي ربما يثنيهم عن النهبquot;.
بعد حرب الخليج عام 1991، استأجر علماء الآثار النهابين السابقين كمستخدمين لديهم ووعدوهم بالحصول على رواتب حكومية. وقد نجح ذلك طالما بقي علماء الآثار في المواقع، لكنه كان أيضاً واحداً من الأسباب الاساسية للدمار اللاحق؛ حيث يعرف الناس الآن كيف ينقبون وما يمكن أن يعثروا عليه.
تضيف السيدة فرشخ: quot;كلما زاد الأمد الذي يجد العراق فيه نفسه في حالة حرب، كلما زاد خطر تعرض مهد الحضارة للتهديد. بل إن ذلك الإرث ربما لن يدوم حتى يتعلم أحفادنا منهquot;.
