تونس - إسماعيل دبارة 
ربّما من الصّعب على النخب في تونس أن تتقبّل بسهولة أن الفكر السلفي قد يجد له مكانا بين الشباب في القرن الواحد والعشرين خصوصا وأنّ البيئة التونسية عادة ما توصف بالاعتدال و التسامح، لكنّ عدّة مؤشرات تشير بالفعل إلى أنّ الأفكار السلفية والمتطرّفة تجد قبولا لدى فئات من الشباب التونسي المتعلّم والآخذ بناصية التكنولوجيات الحديثة التي ساهمت في التعريف بهذا quot;الفكر الوافدquot;.
وتثير ظاهرة السلفية في تونس جدلا بين الحكومة ومنتقديها حول سبل معالجتها وهل أنّ المقاربة الأمنية المُتّبعة حاليا كافية لحماية الشباب من خطر الانغلاق والتطرّف.
تيّار وافد
يرى عدد من المتابعين والمختصين في الجماعات الإسلامية في تونس أنّ quot;السلفية بما هي تعبير عن الجماعات التي تجعل من السلف مبدأ أو أرضية لها وتتقيد بتوجهاتها ومرجعياتها وشخوصها ،ويرتبط بعضها بالعمل المسلح ضد من تعتبرهم أعداء الإسلام والأمة ، هي إيديولوجية وافدة عن المحيط التونسيquot;.
ويرى الإعلاميّ و الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية صلاح الدين الجورشي في تحليل له عن ظاهرة السلفية في تونس نشرته صحيفة الكترونية محليّة أنّه quot;لا جذور تاريخية ودينية للتيار السلفي في المجتمع التونسي وإن كانت هذه الخلفية الإيديولوجية والدينية قد تتقاطع مع بعض أصول الحركات الإسلاميةquot;.
ويميّز المختصون بين عدة تيارات ضمن الفكر السلفي بعضها يتبنى quot;الدعوة السلميّة quot; ،وبالتالي يتقيّد بالمراجع التي تؤكد على عدم الخروج على الحكام وإنما وجب نصيحتهم في حين يرى تيار آخر يوصف بـquot;السلفي الجهاديّquot; أنّ هؤلاء الحكام quot; قد خرجوا على الدين بإصرارهم على عدم تحكيمه في شؤون الناس والأمة وهو ما يقتضي شقّ عصا الطاعة عنهم و إسقاطهم بقوة السلاحquot;.
quot;الإحباطquot; يؤدّي إلى اعتناق السلفية
يرى الباحث في علم الاجتماع جابر القفصي الذي قدّم عدة ندوات فكريّة عن السلفية وأشكال التديّن عند الشباب في حوار مع القسم العربي لإذاعة هولندا العالميّة أنّه ومن الناحية السوسيولوجيّة يمكن اعتبار فئة الشباب ، فئة تنزع نحو التمرّد و الرفض. و يضيف:quot;انتشار الفكر السلفي بين الشباب التونسي في الفترة الأخيرة جاء نتيجة احباطات على المستوى العربي والإسلامي خصوصا في قضية فلسطين ونجده قد انتشر بعد سقوط نظام القطبين وهيمنة القطب الواحد ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكيّةquot;.
ويرى القفصي أن بعض الشباب التونسيّquot;يعتقد أنّ الحركات السلفية تقاوم الاستعمار والظلم ،خصوصا وأنّ التفكر السلفي هو تفكير تبسيطي ينتج وعيا سطحيّا يشير إلى اليأس وغياب ثقافة الحوار الديمقراطي ونقد الرأي الآخرquot;.
أعداد السّلفيين الشبّان...في ازدياد
في العام 2004 قرّر الشاب مصباح 25 سنة وهو أصيل أحدى مناطق الجنوب التونسي الالتحاق بالمُسلحين في العراق عبر سوريا. لكن السلطات التونسية اكتشفت محاولته مع ثلة من أصدقائه باكرا واعتقلتهم وسجنتهم بتهمة الانضمام إلى تنظيم إرهابي،يقول مصباح للقسم العربي:quot;تأثرت بالأفكار السلفية التي سجنت بسببها لأربع سنوات انطلاقا من برامج القنوات الدينية الخليجية ومواقع الانترنت الجهاديّة، المظلمة التي سلطت على العراق اثر الاحتلال الأمريكي دفعتني إلى تبني هذا الفكر الذي وجدته يتماشى ورغبتي في قتال العدوّquot;.
وعلى الرغم من أنّ الحكومة التونسيّة تقاوم بحزم الإرهاب والتطرّف ، إلا أنّ نشرات الأخبار غالبا ما تورد أسماء لشباب تونسيين تورّطوا في أعمال عنف خارج الحدود كاعتقال ومقتل تونسيين في مخيّم quot;نهر الباردquot; اللبناني وآخرين قتلوا في العراق وأفغانستان والشيشان وعدد من المناطق الساخنة عبر العالم.
و يمكن للمتابع أن يلاحظ نشاطات السلفيين في تونس عبر الشبكات الاجتماعية المعروفة كشبة quot;فايسبوكquot; حيث يقومون باستقطاب الشباب إلى هذا الفكر وتقاسم مقاطع فيديو لفتاوى تصدر عن شيوخ سلفيين خليجيين ومن ثمة مناقشتها مع الشباب اليافع ودعوته لتبني بعض المقولات المتطرّفة.أما خارج المجال الافتراضيّ فإن التضييق على نشاطهم من قبل أعوان الأمن لا يتيح لهم التحرّك بشكل كاف.
تيار غير منظّم
لا يبدو أن السلفيين في تونس يُنظمون صفوفهم ضمن quot;تيار سلفيquot; معروف له زعاماته وناطقون باسمه كذا الشأن في عدد من دول الخليج العربيّ ، لكن الثابت أنّ آليات التفكير والنقاش والعلاقات الشخصية تُجمّعهم، و إن كان لهم زعيم يسمونه quot;شيخ السلفيينquot; هو الخطيب الإدريسي الذي سجنته السلطات التونسية لمدة عاميين بسبب فتاويه لـquot;بالقيام بعمليات جهادية وعدم الإرشاد عن وقوع جريمةquot;،وذلك اثر اشتباكات دموية في أواخر العام 2006 بين مجموعة إرهابية و القوات النظامية في ضاحية تونس الشمالية.
الجيل الجديد من الشباب السلفي لم يسمع عن الشيخ الإدريسي أصلا ، بل يتعلّق بمشائخ من مصر والخليج بعضهم توفيّ منذ سنوات وبعضم لازال حيا ويطلق الفتاوى عبر الفضائيات.
المقاربة الأمنية غير كافية
quot;ستزداد أعداد الشباب حملة الفكر المُتطرف ما دامت الحكومات العربية لا تملك تصورا فلسفيا وفكريا عميقا لمعالجة ظاهرة السلفيةquot; هذا ما يخلص إليه الباحث في علم الاجتماع جابر الفصي في حديثه للقسم العربي و يتابع:quot;المقاربة الأمنية في تونس نجدها تتقاسم نفس المرجعية التي يروّج لها السلفيون خصوصا و أنها تضيّق على الفكر المستنير والمعتدل كما يحصل أحيانا من منع لملتقيات فكرية ينظمها منتدى quot;الجاحظquot;.(منتدى ثقافي إسلامي معتدل)
الحكومة من جهتها دقت ناقوس الخطر مع تزايد الضّغوط التي يطلقها نشطاء حقوقيون ومثقفون بعدم جدوى الحل الأمني الذي أدى إلى محاكمة وسجن قرابة الألفي شاب بحسب إحصائيات منظمة العفو الدوليّة.
وشهد كل من العام 2008 و 2009 تحركات ملحوظة لوزارة الشؤون الدينية (الأوقاف) بإصدار كتب ومطبوعات تدعو إلى quot;التصدي للفكر السلفي الدخيل ونشر تعليم الإسلام السمحة والمعتدلةquot;.
إلا أنّ جابر القفصي يصف تلك الإجراءات بـquot;الحلول السطحية والترقيعيّةquot; ، إذ لا بديل بحسب رأيه عن quot;الحوار مع الشباب السلفي لأنهم تونسيون في النهاية، فالحكومة لم تنقد بعد الفكر الديني من الداخل وهو ما يؤدي إلى تشجيع هذه الظاهرة ، بل نلاحظ أن من يخرج من السجن يصرّ على مواصلة تبني الفكر المتطرفquot;.
ويضيف الباحث الاجتماعي:quot; وسائل الإعلام أيضا لا تقوم بواجباتها في هذا السياق لم نشاهد ولو برنامجا وحيدا عن هذه الظاهرة عبر التلفزيون الحكومي أو الخاص هنالك وصاية من الكهول على الشباب ،ونبذ للحوار معهم في حين أن الحلّ يكون بإعداد دراسة عن هذه الظاهرة للبحث عن أسباب تبني الشباب للتطرّف تمهيدا لإعادة إدماجهم في المجتمع وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة تجنبا للكوارث quot;على حدّ تعبيره.
الأفكار السّلفية تلقى رواجا بين الشّباب التونسي
هذا المقال يحتوي على 903 كلمة ويستغرق 5 دقائق للقراءة
