laquo;صقرraquo; تولى الملف النووي الإيراني بدلاً من أن يكون laquo;حمامةraquo; السلام الفلسطينية - الإسرائيلية

عمرو عبد العاطي

كان من المتوقع أن يُعلن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ووزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، عن تعيين الديبلوماسي والسياسي المخضرم دينس روس مبعوثاً إلى منطقة الشرق الأوسط بدلاً من الديبلوماسي المحنك السيناتور السابق جورج ميتشل، نظراً إلى خبرة روس بالمنطقة وعملية السلام خلال عمله بإدارة بيل كلينتون كمبعوث لعملية السلام بمنطقة الشرق الأوسط. ويبرر كثيرون عدم تسمية روس لهذا المنصب لاستغلال laquo;معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنىraquo; الذي يعمل به روس كمستشار وزميل متميز في برنامج الزمالة زيغلر، التسريبات عن تعيين روس مبعوثاً للشرق الأوسط من أجل جذب مزيدٍ من الأموال والتبرعات للمعهد من الجالية اليهودية، وهو الأمر الذي زاد من شكوك أوباما وكلينتون من تعيين دينس روس لمنصب المبعوث الأميركي للمنطقة.
ورغم عدم تعيينه مبعوثاً إلى الشرق الأوسط وكثرة التوقعات من تعيين روس مبعوثاً إلى الملف النووي الإيراني، لم يُعلن عن روس مبعوثاً لإيران، ولكن وزيرة الخارجية الأميركية أعلنت عن تعيينه مستشاراً خاصاً، وليس مبعوثاً خاصاً لها لشؤون الخليج بما في ذلك إيران وجنوب غربي آسيا. ولعل السبب في تسمية روس في هذا المنصب وعدم ذكر إيران فيه ولا في نص خطاب التعيين راجع إلى غياب العلاقات الديبلوماسية بين طهران وواشنطن، وبالتالي لم يكن من المناسب تسمية المنصب، حسبما كان يتوقع كثيرون، ويتوقع أن يكون هذا السبب هو وراء تأخر تسمية روس، رغم كثرة التسريبات والتوقعات. ورغم هذا التأخير في تسمية روس إلا أن أوباما ربط في خطابه يوم السابع والعشرين من فبراير الماضي بينه وبين المبعوثين الآخرين جورج ميتشل، المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط، والديبلوماسي المخضرم ريتشارد هولبروك، المبعوث الخاص في شأن أفغانستان وباكستان، من أجل استقرار السياسة الأميركية في المنطقة، وإحداث تحول فيها عن سياسة سلفه جورج بوش الابن.
إيران في صميم المهام
رغم عدم ذكر إيران في اسم المنصب أو قرار التعيين، إلا أنها ستكون الأولوية الأولى لروس. فتعيينه في هذا المنصب يأتي في وقت تسعى فيه إدارة أوباما إلى إعادة هيكلة سياساتها تجاه إيران؛ لتداخل طهران في عديدٍ من ملفات المنطقة بداية من العراق ودورها الجلي في استقراره أو عدم استقراره، وكذلك أمن منطقة الخليج العربي ذات الأهمية الاستراتيجية في الفكر الأمني الأميركي لما تزخر به تلك المنطقة من احتياطات نفطية، ناهيك عن إمكانية تهديد طهران أمن الطاقة الأميركي والدولي باستهدافها ناقلات النفط في الخليج العربي أو من خلال غلق مضيق هرمز، وصولاً إلى الدور الإيراني في الصراع العربي - الإسرائيلي بعلاقاتها القوية مع قوى المقاومة والممانعة في المنطقة لا سيما laquo;حزب اللهraquo; اللبناني وحركة المقاومة الإسلامية laquo;حماسraquo;، وعلاقاتها الاستراتيجية بدمشق ووصولاً إلى حاجة واشنطن إلى طهران في أفغانستان في ظل مقاربة أميركية جديدة تجاه الوضع الأميركي المتأزم هناك. وأخيراً المساعي الإيرانية لامتلاك تكنولوجيا نووية. فأي تحول في السياسة الأميركية - الإيرانية من شأنه إحداث انفراجة في كثير من تلك الملفات، ومن ثم خدمة المصالح والسياسة الأميركية بالمنطقة.
وهذا التداخل الإيراني في كثير من ملفات المنطقة عبر عنه الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية روبرت وود بقوله: laquo;إن تعيين روس جاء لمنطقة تخوض فيها الولايات المتحدة حربين - في إشارة إلى العراق وأفغانستان - وتهديدات جمة على شاكلة الإرهاب والانتشار النووي وأساليب الوصول إلى موارد الطاقة والتنمية الاقتصادية وتعزيز الديموقراطية وحكم القانونraquo;.
وعن مهمة روس، قال وود: laquo;إن روس سيقدم المشورة الاستراتيجية لوزيرة الخارجية الأميركية وكبار مسؤولي الوزارة في شأن المنطقة والعمل على ضمان انسجام السياسات الأميركية مع الأوضاع في المنطقة والتنسيق مع كبار المسؤولين في وضع وصياغة مقاربات سياسية جديدة، وبطلب من الوزيرة، المشاركة في الأنشطة المشتركة بين الوكالات ذات الصلة في المنطقة. بالإضافة إلى دوره التنسيقي مع المبعوثين الآخرين، جورج ميتشل، المبعوث الخاص بمنطقة الشرق الأوسط، وهولبروك، نظراً إلى الدور الإيراني الجلي في منطقة الشرق الأوسط ومع قوى المقاومة والممانعة في المنطقة لا سيما (حزب الله) اللبناني وحركة (حماس)، فنجاح أو فشل ميتشل يرتبط بالموقف الإيراني من قضايا المنطقة الذي هو في تزايد مستمر، في وقت تراجعت فيه القوى الإقليمية التقليدية، وكذلك نجاح هولبروك يرتبط أيضاً بالتنسيق مع طهرانraquo;.
رؤية روس النووية
تتلخص رؤية دينس روس للأزمة النووية الإيرانية في مقالة له بمجلة laquo;النيوزويك الدوليةraquo;، والمنشورة على موقع laquo;معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنىraquo; في ديسمبر الماضي، والمعنونة بـ laquo;الحوار الحازم مع طهرانraquo;. وجاء في هذه المقالة أن إيران واصلت مساعيها إلى امتلاك أسلحة نووية؛ لأن الإدارة الأميركية السابقة - إدارة بوش - لم تمارس ما يكفي من الضغط أو الحوافز لإثناء طهران عن مساعيها تلك. وقال: laquo;إن عقوبات الأمم المتحدة خلال الأعوام الثلاثة الماضية كانت تستهدف برنامج التسلح الإيراني والبرنامج النووي والصاروخي في المقام الأول وليس الاقتصاد الأوسع نطاقاً. فاستهداف الاقتصاد بصورة مباشرة سيفرض على النظام الإيراني تقويض برنامجها النووي، إذ يعاني الاقتصاد الإيراني من نقاط ضعف، فإيران تستورد 34 في المئة من احتياجاتها من الغاز، وأن صناعتي النفط والغاز الطبيعي لديها هما مصدرا الدخل الرئيسيان اللذان تستخدمهما طهران في كسب تأييد الشعب (شراء سكانها)، وبالتالي فإنها في أمس الحاجة إلى استثمارات وتكنولوجيا جديدةraquo;. ويرى روس أن من شأن العقوبات laquo;الذكيةraquo; أن تجبر قادة إيران على النظر إلى التكاليف الباهظة في عدم تغيير سلوكهم.
ورأى في مقالته أن السبيل للضغط على طهران في شأن برنامجها النووي هو التركيز بدرجة أقل على منظمة الأمم المتحدة والتركيز بدلاً من ذلك بصورة كبيرة على الحلفاء الأوروبيين، واليابان، والصين، والمملكة العربية السعودية، لحمل إيران على إبداء تعاونها مع المجتمع الدولي في شأن برنامجها النووي، وتعاونهم مع واشنطن في العمل على تقويض الطموح النووي الإيراني. وأشار إلى أن تكاتف الجهود الأميركية والدولية سيكون له كبير الأثر على الضغط على إيران، لافتاً إلى شكوى الأوروبيين بأنهم إذا ما قلصوا من تعاملهم التجاري مع طهران انبرى الصينيون لاستغلال الفرصة بتعزيز تعاونهم مع الإيرانيين. ولذا اعتبر روس أن انضمام الصين إلى فريق الضغط سيبدد هذا الخوف.
ودعا روس إلى الموازنة بين العصا (القوة الصلدة) والجزرة (القوة الناعمة)، بعبارة أخرى الموازنة بين العقوبات والحوافز: laquo;علينا تقديم مزايا سياسية واقتصادية وأمنية لطهران شرط تغيير سلوكها ليس في قضية طموحها النووي فحسب، بل في مجال ما يُطلق عليه (الإرهاب)... إن المزاوجة بين العقوبات والحوافز سيُظهر لطهران الخسائر التي تلحق بها جراء مضيها في الطريق النووي، وكذلك ما سيكسبه قادتها من الاعتدال في سلوكهمraquo;.
ورأى روس أن السياسة الذكية لإدارة الأزمة النووية الإيرانية تكمن في الاعتماد على تلك السياسية القائمة على المزاوجة بين القوتين الصلدة والناعمة، وهذا المزيج من القوتين يطلق عليهما عالم السياسية الأميركي جوزيف ناي - أبو القوة الناعمة - وريتشارد أرميتاج في تقرير صادر عن laquo;مركز الدراسات الدولية والاستراتيجيةraquo; القوة الذكية.
ولعل هذا جليٌّ في تصريحات المسؤولين الأميركيين التي تزاوج بين القوتين. ففي المؤتمر السنوي الدولي للأمن في ميونيخ، أخيراً، أكد نائب الرئيس جوزيف بايدن استعداد واشنطن إلى الحوار مع إيران. وفي أول مؤتمر صحافي لأوباما في التاسع من الشهر الجاري جدد أوباما دعوته لإقامة حوار مباشر مع إيران وبمقاربة جديدة للعلاقات الأميركية - الإيرانية، ولكنه في الوقت ذاته لا يعلق التعاون الدولي ضد إيران وفرض عقوبات عليها والتلويح بالقوة الصلدة في حال إصرار طهران على المضي في طموحها النووي وتخطي العتبة النووية وامتلاك أسلحة نووية.
وفي نهاية مقالته في laquo;النيوزويكraquo; أكد روس على ضرورة تجنب الإدارة الأميركية الجديدة التعايش مع إيران نووية أو العمل العسكري لمنع إيران من أن تصبح دولة نووية.
وفي ورقة بحثية له تحت عنوان laquo;إيران... تقييم الخيارات الأميركية الاستراتيجيةraquo; نشرها laquo;مركز الأمن الأميركي الجديدraquo;، أخيراً، نصح روس بأن تزاوج السياسة الأميركية أيضاً في انخراطها مع إيران بين عدم فرض شروط مسبقة للحوار والضغط على إيران، طارحاً في ورقته تلك كيف يكون الحوار والضغط من دون أن يشعر أي من طرفي الحوار أنه في وضع ضعيف.
ورأى روس أن أولى خطوات هذا الحوار هو دمج واشنطن والأوروبيين في الحوار مع طهران من دون مطالبتها أن تتوقف عن تخصيب اليورانيوم. ولتجنب سوء فهم أن إيران خرجت منتصرة من هذه الصفقة قال: laquo;ثمنها ستدفعه الدول الأوروبية بتبني عقوبات صارمة على الاستثمارات ونقل التكنولوجيا لإيران، عموماً، أو في مجال الطاقة. وهذه السياسة من شأنها أن تُوصل رسالة إلى طهران مفادها رغبة واشنطن في استمرار الحوار وأن تلك العقوبات القاسية مفروضة من دول الاتحاد الأوروبي كلهاraquo;.
معارضة لتعيين روس
أثار تعيين روس حفيظة الأوساط الإيرانية؛ نظراً إلى أن روس من أكثر الشخصيات الموالية لإسرائيل في إدارة أوباما، وهو ما يبدد طموح واشنطن في إحداث تغيير في سياساتها تجاه طهران، الذي بدأت تشير إليه إدارة أوباما من خلال تصريحات أوباما وأعضاء إدارته.
وفي هذا السياق، رأى البروفيسور ويليام بيمان، الخبير في الدراسات الشرق أوسطية، بجامعة مينيسوتا، أن laquo;تعيين روس سيقوض من فرص البدء في حوار بناء مع طهران لخلفيته المعارضة لإيران وموالاته لتل أبيبraquo;، مشيراً إلى أن laquo;روس كان أحد الموقعين على (مشروع القرن الأميركي الجديد)، وأحد الداعين إلى غزو العراق في تسعينات القرن المنصرم، وأيضاً إلى عمله بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى الموالي لمنظمات اللوبي الإسرائيلي داخل واشنطن، خصوصاً منظمة (أيباك)raquo;.
ورغم تصاعد المخاوف من دور روس المتشدد في الملف النووي الإيراني، قلل كريم سجادبور، الباحث المتميز بمؤسسة laquo;كارنيغي للسلام الدوليraquo;، والمتخصص في الشؤون الإيرانية، من دور روس في الملف النووي الإيراني قائلاً: laquo;إن المسؤول عن الملف الإيراني بوزارة الخارجية الأميركية بيل بيرنز سيستمر في ممارسة دوره الرئيس في تشكيل السياسة الخارجية الأميركية تجاه طهرانraquo;، معتبراً laquo;اختياراً مثالياً لما يتمتع به بيرنز من قدرات ديبلوماسييه ومخابراتية، فضلاً عن القدرة على التعامل مع الإيرانيين والأوروبيين، وكذلك مع الروس والصينيين لدرجة الاحترام والتقدير التي يتمتع بها بين حلفاء واشنطنraquo;.
وفي المقابل هناك من يؤيد تعيين روس في هذا المنصب الجديد والتعامل مع الملف الإيراني، إذ لفت كثيرون داخل واشنطن وخارجها إلى أن تعيين روس، والذي يُعد من الشخصيات ذات laquo;الوزن الثقيلraquo; داخل الإدارات الأميركية، مؤشر على الجدية التي توليها واشنطن للدور الإيراني في المنطقة والبرنامج النووي الإيراني. وأشار آخرون إلى أن تعيين روس يضمن تأييد التيار المتشدد الأميركي الذي ينتقد سياسة أوباما القائمة على الحوار مع إيران والانفتاح الأميركي على طهران.
وأشاد البعض بهذا التعيين نظراً إلى أن روس قادر في حال التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران أن يتفاوض مع تل أبيب لعلاقاته القوية بالمسؤولين الإسرائيليين والمتخوفين من القدرات النووية الإيرانية والرافضين للحوار مع طهران والراغبين في تبني إدارة أوباما سياسة متشددة تجاه طهران، مثل التي تبناها بوش. فوجود روس في منصبه هذا سيساعد على التوصل إلى صيغة تفاهم ترضي الأطراف الثلاثة في الأزمة، واشنطن وتل أبيب وطهران.
* عن laquo;تقرير واشنطنraquo;


روس... سياسي وديبلوماسي مخضرم

يجمع روس بين خبرة العمل السياسي والديبلوماسي والبحثي، فبعد تعيينه في منصبه الجديد سيترك روس laquo;معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنىraquo;، إذ كان مستشاراً بالمعهد وزميلاً متميزاً في برنامج الزمالة laquo;زيغلرraquo;. ولمدة اثني عشر عاماً من العمل الديبلوماسي، كان لروس دور كبير في تشكيل الانخراط الأميركي في عملية السلام بمنطقة الشرق الأوسط والحوار المباشر، فقد كان روس الرجل الأول لعملية السلام في الشرق الأوسط أثناء ولاية إدارة كلٍ من جورج بوش الأب وبيل كلينتون. وقد قام روس بدور الوسيط في مساعدة الفلسطينيين والإسرائيليين للوصول إلى الاتفاق الموقت عام 1995؛ كما توسط بنجاح في اتفاقية الخليل عام 1997 وقام بتسهيل معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية.
وكخبير سياسي وديبلوماسي محنك لما يزيد على عقدين من الخبرة في الشؤون السوفياتية والشرق الأوسط عمل روس عن كثب مع وزراء الخارجية جيمس بيكر، ووارن كريستوفر، ومادلين أولبرايت. ولروس خبرة كبيرة بالعمل الديبلوماسي والحكومي، ففي إدارة بوش الأب عمل روس مديراً للتخطيط السياسي بالخارجية. وشغل روس منصب المبعوث الخاص للشرق الأوسط أثناء ولايتي الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.
ويشير موقع laquo;معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنىraquo; في الجزء التعريفي بروس إلى دوره المتميز في السياسة الأميركية تجاه الاتحاد السوفياتي السابق فقد كانت أطروحته لنيل درجة الدكتوراه عن صناعة القرار في الاتحاد السوفياتي السابق، وتوحيد ألمانيا، والمفاوضات الأميركية داخل حلف شمال الأطلسي، ومفاوضات الحد من التسلح، والتحالف الدولي في حرب الخليج الثانية 1991.
ولدوره في العمل الحكومي الأميركي والديبلوماسي حصل روس على عدد من الأوسمة لتميزه السياسي فقد منحه الرئيس كلينتون الميدالية الرئاسية للخدمات الفيديرالية المدنية المتميزة، ومنحه كل من وزير الخارجية بيكر وأولبرايت أرفع وسام لوزارة الخارجية. وحصل أيضاً على ميدالية جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس التي تخرج فيها، وكذلك على أعلى وسام منها. وحصل روس على الدكتوراه الفخرية من عدد من الجامعات منها المعهد اللاهوتي اليهودي، وجامعة سيراكيوز، وكلية أمهيرست.