محمد السماك
عندما احتلت فرنسا لبنان وسوريا بعد الحرب العالمية الأولى، حاولت فرض هيمنتها بتوظيف التعدد الديني والمذهبي في المنطقة من خلال تحويله إلى أداة للصراع والتفجير الطائفي. ولما وضعت المنطقة تحت انتدابها، أقرت فرنسا مخططاً لإقامة دول طائفية علوية ودرزية وسنية في سوريا، وذلك بعد أن ضمت مناطق من سوريا إلى لبنان وأعلنت دولة لبنان الكبير في عام 1920 على يد الجنرال laquo;غوروraquo;. وكردّ فعل على ذلك، قامت حركات قومية معارضة تمثلت في حركة القوميين العرب وحزب laquo;البعثraquo; والحزب القومي الاجتماعي وكذلك الحزب الشيوعي، كقوى عابرة للطوائف والمذاهب ورافضة ليس فقط للانتداب الفرنسي، ولكن رافضة أيضاً وأساساً لإعادة رسم الخريطة السورية على أساس ديني ومذهبي.
كانت إثارة النعرات الطائفية هي الفعل، وكان قيام هذه الحركات القومية رد فعل. وعندما اجتاح السوفييت أفغانستان وفرضوا سيطرتهم عليها، قامت حركة laquo;طالبانraquo; كرد فعل على هذا الاحتلال. صحيح أن هذه الحركة تعززت بالدعم الأميركي، إلا أن تخلي الولايات المتحدة عنها بعد الانسحاب السوفييتي، أدى إلى رد فعل ثان دفع الحركة إلى السيطرة على الدولة الأفغانية، ومن ثم إلى قيام تنظيم laquo;القاعدةraquo; واحتضانه.
ووقع الأمر ذاته في العراق بعد اجتياح القوات الأميركية واحتلالها له في عام 2003. فقد قامت كرد فعل على الاحتلال، حركة مقاومة بأسلوب وشعارات ونموذج تنظيم laquo;القاعدةraquo;. ولأن الطبيعة الديموغرافية العراقية تختلف عن الطبيعة الديموغرافية في أفغانستان، فقد أدى الاحتلال ورد الفعل عليه إلى تمزق العراق مذهبياً وعنصرياً، علماً بأنه لم يكن قبل ذلك مجتمعاً سليماً ومعافى من أمراض الطائفية والعنصرية.
وحتى الثورة الإسلامية في إيران لم تنفجر في عام 1979 بقيادة الخميني إلا كرد فعل على التبعية الإيرانية في عهد الشاه للولايات المتحدة وعلى الانفتاح الإيراني على إسرائيل والتعاون معها. ويرمز إلى ذلك تحويل السفارة الإسرائيلية في طهران بعد الثورة إلى مقر منظمة التحرير الفلسطينية التي لم يكن الشاه الراحل يعترف بها.
وقد ولد laquo;حزب اللهraquo; من رحم الاحتلال الإسرائيلي للبنان في عام 1982، ولا يزال يستمد مبررات وجوده واستمراره من وجود الاحتلال واستمراره في بعض المناطق اللبنانية في الجنوب والجنوب الشرقي. وحتى لو صح الادعاء بأن الحزب خرج من رحم الثورة الإيرانية وأن مقاومته للاحتلال الإسرائيلي للبنان قدمت خدمة جليلة للاستراتيجية الإيرانية في إقامة رأس جسر لها على المتوسط وإعلانها لاعباً رئيساً في تقرير مصير السلم والحرب في المنطقة، فإن ذلك لا يغير من جوهر الأمر. وهو أن العدوان الإسرائيلي والاحتلال كانا الحافز وراء ذلك.
وفي عام 1967 عندما احتلت إسرائيل القدس مع الضفة الغربية وغزة وسيناء ومرتفعات الجولان، صوّرت انتصارها في الحرب على أنه تجسيد للإرادة الإلهية، وأن هذا laquo;الانتصار الإلهيraquo; هو الثاني بعد الانتصار في إقامة إسرائيل في عام 1948. وأن الانتصار الثالث القادم هو بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى!
وقد تلقفت هذا التوظيف الديني للانتصار العسكري الإسرائيلي الحركة الصهيونية المسيحانية في الولايات المتحدة، وهي حركة سياسية- دينية كبيرة ومنظمة تؤمن بالعودة الثانية للمسيح، وبأن لهذه العودة شروطاً لابد من توافرها والعمل عليها وهي تجميع يهود العالم في فلسطين -صهيون- وبناء الهيكل الذي يعود المسيح إليه ويحكم العالم منه لمدة ألف عام، يسمونها الألفية، بعدل وسلام. ولذلك اعتبرت هذه الحركة الانتصار الإسرائيلي انتصاراً لنظريتها الدينية وانطلقت في حملة سياسية- مالية واسعة النطاق لدعم إسرائيل والدفاع عنها داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وكرد فعل على ذلك قامت حركات الإسلام السياسي.
وقد عرفت ثلاث دول عربية هي لبنان وسوريا والعراق، نماذج من الصراعات المذهبية على خلفيات ردود فعل لتدخلات خارجية. فلبنان المتعدد الأديان والمذاهب وحتى العناصر (الأرمن والسريان)، كان دائماً في مرمى الاستراتيجية الإسرائيلية التي تستهدف تقسيم المنطقة إلى دويلات دينية توفر بصراعاتها الداخلية الأمن الاستراتيجي لإسرائيل. ومنذ الخمسينيات من القرن الماضي وجه بن غوريون أول رئيس حكومة إسرائيلية رسالة إلى وزير خارجيته موشي شاريت يحضه فيها على العمل على تقسيم لبنان. ومشهورة مقولته: laquo;أعطني جنرالاً مسيحياً موالياً لإسرائيل أعطك دولة مسيحية في لبنانraquo;. وقد حصلت إسرائيل على جنرالين وليس على جنرال واحد، هما سعد حداد وأنطوان لحد، ولكنها لم تحقق هدفها بسبب الوعي المسيحي الوطني.
صحيح أن المسيحيين اللبنانيين عانوا طويلاً من التجاوزات الفلسطينية إلى حد أن منظمة التحرير الفلسطينية فرضت سيطرتها على لبنان لحين من الزمن، إلا أن هذه المعاناة لم تذهب بهم إلى التخلي عن لبنان الموحد إلا لفترة قصيرة وكرد فعل مؤقت. وقد جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليقيم قاعدة جديدة للوحدة الوطنية تتجاوز الديمقراطية العددية إلى الديمقراطية التوافقية في إطار المناصفة في المناصب الوزارية والمقاعد النيابية وفي توزيع السلطات الرئيسية الثلاث على الطوائف.
أما في سوريا فالأمر مختلف، فالرئيس السابق حافظ الأسد ومنذ laquo;الحركة التصحيحيةraquo; التي قام بها، أمسك بمقاليد الحكم ومارس السلطة المطلقة، إلا أنه فعل ذلك -ولو شكلاً- تحت مظلة حزب laquo;البعثraquo; الذي يرفع شعار القومية والعلمانية. وعندما توفي كان قد أوصى بأن يصلي على جثمانه الشيخ محمد سعيد البوطي وهو شيخ سني من أصل كردي. وقد قبل المشايخ العلويون بهذا الأمر على مضض.
صحيح أن الأسد حوّل الجيش السوري بقياداته وأركانه إلى قوة علوية وأقصى عنها المسلمين السنة، إلا أنه اضطهد عشائر علوية أيضاً واستوطن عدداً من قيادييها في سجونه. وهو ما عرفه العراق أيضاً في عهد صدام حسين. فقد اضطهد مواطنيه الشيعة، واضطهد في الوقت ذاته مواطنيه السنة من الأكراد خصوصاً. وما ارتكبته قواته في حلبجة من مجازر استخدم فيها السلاح الكيماوي يفوق في هوله ما ارتكبته هذه القوات في النجف الأشرف والبصرة وسواها من المدن الشيعية التي رفعت في وجهه قفاز العصيان المدني. ومع ذلك فإن الجيش العراقي الذي حارب إيران في عام 1980 كان يتألف في أكثريته من عناصر وقيادات شيعية.
لقد أدى إقصاء السنة -الطائفة الأكبر في سوريا- عن السلطة إلى رد فعل تمثل في الثورة التي انفجرت من حادث عادي في درعا كان يمكن احتواؤه بسهولة لو توافر حد أدنى من الحكمة والعقلانية. وأدى إقصاء السنة -الطائفة الموازية للشيعة في العراق- عن السلطة إلى رد فعل تمثل في حركات التمرد والعصيان التي تشهدها مناطق متعددة من العراق. ولكن أوضاع هذه المناطق السنية تنموياً واجتماعياً، ليست أسوأ حالاً من المناطق الشيعية التي تعاني من الحرمان نتيجة الفساد والهدر وسوء الإدارة.
في قوانين الطبيعة أن لكل فعل رد فعل، والعلاقات بين الجماعات -وخاصة داخل الدولة الواحدة- هي جزء من هذه الطبيعة.
وقد عرف التاريخ حكاماً كثيرين حاولوا ليّ ذراع هذه الطبيعة فما نجحوا، وعرف كثيرين أيضاً حاولوا صنع طبيعة على قياس طموحاتهم فانقلبت وبالاً عليهم وعلى أوطانهم، وما أكثر الأمثلة الحيّة!

