صبحي حديدي

هنالك ثلاث نتائج ممكنة: إنتصار للأسد. إنتصار للسنّة. أو نتيجة تنطوي على قبول مختلف القوميات بالتعايش معاً، ولكن في مناطق مستقلة ذاتياً على نحو أو آخر، بحيث لا تقمع بعضها البعض. هذه هي النتيجة التي أفضّل رؤيتها تتحقق. لكنها وجهة نظر لا تحظى بشعبيةrsquo;. هكذا تكلم هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، في تعليقه الأحدث بصدد مآلات الملفّ السوري، خلال ندوة شهدتها نيويورك مؤخراً، ونظمتها lsquo;مدرسة جيرالد فورد للسياسة العامةrsquo;، التابعة لجامعة ميشيغان.
وتابع كيسنجر يقول: lsquo;سورية، أوّلاً، ليست دولة تاريخية Historic State. لقد خُلقت، في هيئتها الراهنة، سنة 1920، وأُعطيت هذه الهيئة بغرض تسهيل سيطرة فرنسا على البلد، وكان ذلك قبل انتداب الأمم المتحدة. العراق، البلد الجار، أُعطي بدوره هيئة عجيبة، لتسهيل سيطرة إنكلترا. وهيئتا البلدين صُمّمتا على نحو يجعل من الصعب على أيّ منهما أن يسيطر على المنطقةrsquo;. ذلك يمكّن كيسنجر من الجزم بأنّ الوحدة الوطنية السورية مصطنعة، ولا تقوم إلا على قبائل مختلفة ومجموعات إثنية، فيتابع هكذا: lsquo;الصحافة الأمريكية تصوّر الحرب في سورية وكأنها نزاع بين الديمقراطية والدكتاتور، والدكتاتور يقتل شعبه ومن واجبنا معاقبته. لكنّ الحال في مجملها هي نزاع إثني وطائفي، ويتوجب عليّ القول إننا أسأنا فهمه منذ البدايةrsquo;!
غير أنّ كيسنجر يدرك أنّ من غير اللائق له الإيحاء بأية درجة من التواطؤ مع lsquo;الدكتاتورrsquo;، ضدّ lsquo;الديمقراطيةrsquo;؛ ولهذا يسارع إلى إيضاح موقفه، هكذا: lsquo;إنني مع الإطاحة بالأسد، لكنّ الخلاف بيننا والروس حول هذه المسألة هو إصرارهم على أنّ الإطاحة بالأسد ليست المسألة، بل هي كسر إدارة الدولة على غرار العراق، بحيث لا يتبقى مَن يمسك بها. عندها سوف تواجهون حرباً أهلية أسوأ. هذه هي الكيفية التي جعلت الفوضى تأخذ شكلها الراهنrsquo;. وهنا يحار المرء حقاً: هل مشكلة كيسنجر مع الملفّ السوري هي الحرب الطائفية في البلد، أم الحرب الإثنية، أم الحرب الأهلية بصفة عامة وشاملة؛ أم هي الخلاف مع الروس؟ ومتى، حتى بعد مرور عقدين ونيف على انطواء صفحة الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة ترسم ستراتيجياتها، أو تبدّلها، استناداً إلى الاتفاق أو الاختلاف مع الروس؟
ليس أقلّ إدهاشاً أنّ ملاحظات كيسنجر هذه كانت قد بدأت من lsquo;مشكلةrsquo; أخرى كبيرة، أشبه باعتراف/ نقد ذاتي: lsquo;لدينا مشكلة كبيرة في فهم مجتمعات مثل سورية، ولدينا مشكلة كبيرة في فهم العلاقات بين الدبلوماسية والقوّة والديمقراطيةrsquo;! فكيف، إذاً، اختُصر فهم مشكلات سورية (العويصة والمعقدة، كما نفهم من كيسنجر نفسه، على هذا النحو الاختزالي التبسيطي المريع: نزاع إثني وطائفي، ليس أكثر (ولا ندري إذا كان أقلّ!)؛ وما دام البلد مؤلفاً من lsquo;مجموعات إثنية عديدةrsquo;، فإنّ أية lsquo;انتخابات لن تعطي النتائج ذاتها كما في بلد مثل الولايات المتحدةrsquo;؟ وكيف استخلص كيسنجر أنّ المجموعات الإثنية في سورية lsquo;معادية لبعضها البعضrsquo;، على نقيض مجموعات الكون الإثنية؛ وأيّ سجلّ تاريخي أتاح له هذه الخفّة في تأكيد خلاصة لا دليل عليها في التاريخ السوري، تحت هذه الصفة المذهلة من الإطلاق؟
والحال أنّ واحدة من طرائق تلمّس الموقف الأمريكي الراهن تجاه الانتفاضة السورية، وربما انتفاضات العرب جمعاء في الواقع، هي تتبّع آراء كيسنجر، مخضرم السياسة الخارجية الأمريكية الأعلى كعباً، وتأثيراً، وصاحب الظلّ الطويل والثقيل الذي لم ينحسر بعد عن الكثير من ركائز السياسة الخارجية الأمريكية، رغم انقضاء 36 سنة على تقاعده. صحيح أنّ كبار مسؤولي إدارة الرئيس الأمريكي الحالي، باراك أوباما، توقفوا عن تلقّي النصح المباشر (والمأجور، بالمناسبة!) من lsquo;عجوز السياسة الواقعيةrsquo;، الذي بلغ التسعين هذا العام؛ إلا أنّ الأسباب تخصّ الحرج المهني غالباً، وليس لأنّ ما ينصح به كيسنجر بات بضاعة قديمة او مستنفدة.
وفي سنة 2009، وبعد عدد من السِيَر غير الرسمية، صدرت سيرة كيسنجر الرسمية فلم تسلّط الضوء إلا على مزيد من ازدواج شخصيته: مجرم الحرب في ناظر الأكثرية الساحقة، وعجوز lsquo;السياسة الواقعيةrsquo; الأريب الداهية عند قلّة القلّة. ألستير هورن، كاتب السيرة التي حملت عنوان lsquo;كيسنجر: 1973، السنة الحاسمةrsquo;، اعتبر أنّ تلك السنة شهدت اجتماع أقدار كيسنجر، سواء في صالحه أو ضدّه: الحرب العربية ـ الإسرائيلية في تشرين الأوّل (أكتوبر)، هزيمة أمريكا في فييتنام، الوفاق مع الاتحاد السوفييتي، فضيحة lsquo;ووترغيتrsquo; واستقالة الرئيس الأمريكي ريشارد نكسون، حيازة جائزة نوبل للسلام، تولّي وزارة الخارجية.
لكنّ هورن لا يتورّع عن تعداد جرائم كيسنجر، رغم أنه يجد لبعضها مبررات ذرائعية ناجمة عن اعتناق صيغة قصوى من مذهب الواقعية السياسية، أو الـ Realpolitik: قصف فييتنام وكمبوديا (حيث نتذكّر نحن، وليس هورن، أنّ تعداد الضحايا بلغ 700 ألف، سقطوا تحت وطأة قذائف تعادل خمس قنابل من عيار هيروشيما)؛ الدعم السرّي للانقلاب العسكري ضدّ حكومة الرئيس التشيلي سلفادور ألليندي، الشرعية، واغتياله؛ تقديم دعم مماثل إلى عدد من الأنظمة اليمينية والرجعية والدكتاتورية، هنا وهناك في العالم؛ التورّط الواضح، رغم تمويه الأدلة جيداً، في أعمال الاغتيال والاختطاف التي عُرفت باسم lsquo;عملية الكوندورrsquo;؛ منح الضوء الأخضر للدكتاتور الأندونيسي سوهارتو لغزو تيمور الشرقية، وتزويده بالأسلحة والعتاد، حيث سقط ما يقارب 200 ألف ضحيةhellip;
في ما يخصّنا، نحن العرب، هنا لائحة مختصرة بما اتخذه كيسنجر من مواقف، وما أشار به من توجهات:
ـ نصح الدولة العبرية بسحق الانتفاضة الأولى، lsquo;على نحو وحشيّ وشامل وخاطفrsquo;، وهذه كلمات كيسنجر الحرفية التي سرّبها عامداً جوليوس بيرمان، الرئيس الأسبق للمنظمات اليهودية الأمريكية؛
ـ الموقف lsquo;التشريحيrsquo; المأثور من الاحتلال العراقي للكويت، ودعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى تنفيذ lsquo;ضربات جراحيةrsquo; تصيب العمق الحضاري والإجتماعي والاقتصادي للعراق (لبلد والشعب، قبل النظام وآلته العسكرية والسياسية)؛
ـ الدعوة العلنية، المأثورة تماماً بدورها، إلى lsquo;نزع أسنان العراق دون تدمير قدرته على مقاومة أي غزو خارجي من جانب جيرانه المتلهفين على ذلكrsquo;، في مقالة مدوّية بعنوان lsquo;جدول أعمال ما بعد الحربrsquo;، نشرها في تاريخ حاسم ذي دلالة بالغة: 28/1/1991، بعد اسبوع على بدء الأعمال العسكرية في lsquo;عاصفة الصحراءrsquo;؛
ـ توبيخ فريق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، لأنّ ما تعاقدوا عليه مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أوسلو، ثمّ في البيت الأبيض، ليس سوى lsquo;أواليةrsquo; متحرّكة ستفضي عاجلاً أم آجلاً إلى دولة فلسطينية (هي التي يرفضها كيفما جاءت، وأينما قامت، ويستوي لديه أن تتخلق من محض lsquo;أواليةrsquo;، أو تنقلب الى أقلّ من بلدية)؛
ـ سخريته من بعض lsquo;الفتية الهواةrsquo; في البيت الأبيض، ممّن يخلطون lsquo;البزنسprime; بالأخلاق، والتجارة بحقوق الإنسان (ومثاله الأثير هو الصين)؛ ولا يميّزون في حروب التبادل بين العصبوية الأورو ـ أمريكية، وشرعة التقاسم الكوني لسوق شاسعة بقدر ماهي ضيقة (مواثيق الـ GATT وأخواتها)؛


ـ أخيراً، مواقفه من lsquo;الربيع العربيrsquo;، الذي lsquo;يُقدّم كثورة أقليمية يقودها الشباب بالنيابة عن المبادىء الليبرالية الديمقراطيةrsquo;، في حين أنه انتهى إلى النقيض (في نظره: ليبيا بلا دولة، ومصر تتحكم بها أغلبية إسلامية ناخبة)؛ وأمّا في سورية، فإنّ الأمر lsquo;يعكس النزاع القديم، العائد إلى آلاف السنين، بين الشيعة والسنّة، ومحاولة الأغلبية السنّية استرداد الهيمنة من الأقلية الشيعيةrsquo;؛ وهذا هو السبب، يضيف كيسنجر، في أنّ lsquo;الكثير من مجموعات الأقليات، كالدروز والكرد والمسيحيين، ليسوا مرتاحين للتغيير في سوريةrsquo;!
وأياً كانت الحال، فإنّ كيسنجر لا يخرج عن lsquo;مدوّنة السلوكrsquo;، كما اختطها في كتابه الأشهر lsquo;دبلوماسيةrsquo;، 1994:
1 ـ العالم الراهن يقتضي، أكثر من أي وقت مضى، امتلاك المعنى الأشدّ وضوحاً وبروداً ونفياً للعواطف، بصدد مضمون وجدوى مفهوم المصلحة الوطنية (والكونية، لأنّ المصلحة الوطنية الأمريكية هي مصلحة البشرية جمعاء، شاءت تلك البشرية أم أبت)؛
2 ـ ينبغي وضع أكبر قدر ممكن من علامات الاستفهام والريبة، أبد الدهر و دونما تردّد أو تلكؤ، على أيّ ترتيبات متصلة بالأمن الجماعي، سيما تلك التي ترتكز جوهرياً على lsquo;الإجماع الصوفي الغامضrsquo; حول أخلاقية انتفاء القوّة (وبالتالي اللجوء إليها) في مختلف ميادين العلاقات الدولية؛
3 ـ لا مناص من ترجيح (ثمّ صياغة وتطوير) التحالفات الصريحة القائمة على المصلحة المشتركة، وغضّ النظر عن التحالفات المقابلة، أي تلك التي تحوّل مقولات lsquo;السلامrsquo; وrsquo;الحرّيةrsquo; إلى شعارات وشعائر زلقة ومطاطة وجوفاء. أعراف lsquo;القرية الإنسانية الكونيةrsquo; ليست قابلة للصرف في سوق مزدحمة شرسة لا ترحم. أعيدوها إلى أفلاطون والأفلاطونيين، يطلب كيسنجر، وفي الإعادة إفادة وتجنيب لشرّ القتال؛
4ـ تأسيساً على ذلك، لا بدّ من إقرار واعتماد الحقيقة القاسية التالية: التنازع، وليس السلام، هو الأقنوم الطبيعي الذي ينظّم العلاقات بين الشعوب والقوى والأفراد؛
5 ـ ولهذا، ختاماً: lsquo;لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل توجد مصالح دائمة فقطrsquo;. كان اللورد بالمرستون (وزير خارجية بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي)، على حقّ حين اجترح هذه العبارة الذهبية؛ وهو على حقّ اليوم أيضاً، في نظر كيسنجر، وأكثر من أي وقت مضى.
ويبقى أنّ كيسنجر ارتكب، بصدد انتفاضة الشعب السوري، ما اعتاد على ارتكابه إزاء انتفاضات الشعوب جمعاء؛ خاصّة وأنه بروفيسور التاريخ الأسوأ فهماً لتلك القاعدة التي تقول إنّ اختزال التاريخ الاجتماعي للشعوب هو عتبة اختزال المجتمع ذاته، سياسة واقتصاداً وثقافة. وهي، أيضاً، مدخل إلى تلك الحال التي عبّر عنها كارل ماركس، في صياغة لامعة خالدة: التاريخ يعيد نفسه، مرّة في صيغة مأساة، وأخرى في صيغة مهزلة!