عبد الحميد صيام

اختار الأستاذ والعالم النووي الجزائري أنور هدام ديار المنفى في العاصمة الأمريكية واشنطن على أن يخضع في بلاده لسياسة تزوير الانتخابات أو وقفها وتكميم الأفواه وتحكم مجموعة من العسكر في مقدرات البلاد. أسس حركة الحرية والعدالة الإجتماعية مع آخرين وهو الرئيس الحالي للحزب. تتلمذ على أيدي المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي وشارك في نشاط الحركة السياسية التي تعتمد الإسلام المعتدل الوسطي المنفتح على الآخرين منهجا منذ أربعين عاما. درس العلوم النووية وكان أستاذا للدراسات النووية في جامعة العلوم والتكنولوجيا بالجزائر العاصمة. شارك في انتخابات كانون الاول/ديسمبر 1991 وفاز بأحد مقاعد العاصمة عن «جبهة الإنقاذ الإسلامية» وعندما تم وقف العملية الانتخابية في كانون الثاني/يناير 1992 عينته الحركة مسؤولا عن العلاقات الخارجية وانتدبته ممثلا عنها في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. لم يعد بعدها إلى الجزائر لأنه مقتنع أن إمكانية العمل السياسي بحرية تحت النظام الذي يقوده العسكر غير متوفرة. صحيح أنه إختار المنفى لكنه لم يستقل من العمل والنشاط والتعبئة من أجل جزائر حرة يسود فيها القانون والحريات والعدالة الاجتماعية وتبادل السلطة وفصل السلطات واحترام التعددية السياسية وضمان حقوق المرأة وتنويع مصادر الاقتصاد واحترام الأقليات وثقافاتهم ولغاتهم وتقاليدهم. إلتقت به «القدس العربي» في العاصمة الأمريكية وأجرت معه هذا الحوار.

○ تتابعون عن بعد الأوضاع في بلدكم الجزائر فما هو تقييمكم للوضع بشكل عام من الناحية الاقتصادية والاجتماعية بعد أكثر من سنة على انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لدورة رابعة؟


• في البداية أحيي قرّاء «القدس العربي» الأفاضل وأتقدم بأحر التهاني للمسلمين منهم بمناسبة عيد الفطر المبارك أعاده الله علينا جميعا وعلى أهلنا في القدس الشريف وفلسطين الحبيبة خاصة وفي باقي عالمنا العربي والإسلامي وباقي الشعوب المستضعفة في الأرض عامة بالخير والبركة وبالتخلّص من التبعية والتخلف وبتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية. تتعرض الجزائر منذ سنين طوال إلى نزيف رهيب لمقدراتها الطبيعية التي حباها الله بها، من قبل مجموعة فاسدة فاشلة وصلت إلى سدة الحكم وبقيت متشبثة به دورة تلو أخرى من خلال انتخابات شهد العالم على افتقارها الشفافية والنزاهة: رئيس عاجز عن مخاطبة شعبه منذ سنين، وحتى عن القيام بحملة انتخابية، وبدون تقييم حصيلة 15 سنة من رئاسته، يفوز في انتخابات 2014 لدورة رابعة بكرسي رئاسة الجمهورية وبنسبة خيالية تذكّرنا بعهد السوفييت.


أما من الناحية السياسية والاجتماعية، كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد وعد بإصلاحات لكنها لم تجسد على أرض الواقع. ففي خطاب عام موجه إلى الشعب في 14 نيسان/أبريل 2011، أعلن استعداده لتنفيذ «إصلاحات سياسية لتعميق العملية الديمقراطية». هذه التدابير قُدمت على أنها استجابة من قبل النظام للاحتجاجات التي تكثفت في البلاد منذ بداية العام 2011 عند انطلاق ما اسميه «الربيع الديمقراطي» في منطقتنا العربية، والذي مع الأسف لا يزال في العديد من الدول يواجه ثورة مضادة عنيفة كلفت شعوبنا الكثير وما زالت. لكن، سرعان ما تبين أن الإعلان عن الإصلاحات في الجزائر كان يهدف إلى تهدئة مخاوف شركاء الجزائر أكثر من مخاوف الجزائريين أنفسهم. لقد رحّب الدبلوماسيون الأجانب على الفور بهذا الإعلان. ومع مرور الزمن، أصبحت الفجوة واضحة بين الإصلاحات السياسية المعلنة رسميا والقوانين الصادرة في كانون الثاني/يناير 2012 والمنفذة لها وبين الممارسات على أرض الواقع! لا يزال النظام وبصفة منتظمة يقوم بسحق، وبأسلوب عنيف وشرس أحيانا، المظاهرات السلمية من أجل التغيير السياسي أو حتى من أجل مطالب اجتماعية اقتصادية كما حدث في الأيام الأخيرة مع أهالي منطقة واد مزاب وبولاية غرداية بالتحديد. وذلك مع صمت غير مفهوم من المجتمع الدولي ووسائل الإعلام العالمية! إن قوانين عام 2012 تلك، بدلا من أن تستجيب لمنطق الانفتاح وتكريس نظام حكم ديمقراطي الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية، في الواقع شكلت تراجعا كبيرا في مجال الحريات، وانتهاكا تاما للالتزامات الدولية التي تعهدت بها الدولة الجزائرية، بما في ذلك التعهد الدولي باحترام الحقوق المدنية والسياسية الفردية والجماعية. هكذا، إعلان الرئيس بوتفليقة لإجراء إصلاحات ضرورية تم ترجمته على أرض الواقع إلى تشديد قبضة النظام، ذي الطابع العسكري في حقيقة أمره،على المجتمع المدني والمجال السياسي، وإلى تغييب تام للمؤسسات الدستورية ودورها الرقابي وبالتالي إلى المزيد من تفشي الفساد وإتلاف المال العام.


إذن، رغم تلك الوعود بالإصلاحات، ورغم تشبث مجموعة الرئيس بوتفليقة بكرسي رئاسة الجمهورية للدورة الرابعة بذريعة تحقيق الاصلاحات، لا تزال الجزائر تبحث عن طريقها نحو التخلص من الاستبداد والتبعية، وتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية.


ومن الناحية الاقتصادية، لقد ازداد الوضع تعقيدا جراء انخفاض أسعار النفط. وذلك مقلق جدا بالنسبة لبلد كالجزائر لم يتمكن من الخروج بعد من اقتصاد الريع الذي لا يزال يُعول بنسبة تفوق 95٪على تصدير المحروقات. إن القراءة المتأنية للإحصاءات الرسمية المتوفرة لمديرية الجمارك بوزارة المالية، فيما يخص التجارة الخارجية للجزائر خلال 15 سنة الأولى من رئاسة بوتفليقة، اي بين سنتي 2000 و2013، تُبين أن رغم أن نسبة السكان سجلت زيادة بنسبة 22 ٪ فقط بين عامي 2000 و2013 (31،7م و38،7م)، فإن حجم واردات المواد الغذائية للجزائر ارتفع ثلاثة أضعاف مما يجعلها أول بلد افريقي مستورد للمواد الغذائية بنسبة 75٪ من حــاجياتها، بدلا من إنتاجها محليا، وذلك رغم اتساع أراضيها الزراعية.


كما أن تلك الإحصاءات الرسمية تبين لنا بوضوح تزامن ارتفاع نسبة إجمال الواردات وخاصة الغذائية مع ظهور المشاكل الصحية لدى رئيس الجمهورية سنة 2006، وتسلم الملف الاقتصادي للجزائر من قبل مجموعة يجهل هويتها الشعب الجزائري. والآن مع انخفاض سعر البترول يريدون فرض تقشف مفرط على الشعب. كل ذلك سببه سياسة اقتصاد الريع والبزار التي ظلت تتبعها الحكومات المتعاقبة في هذه الفترة. فلا يتوقعن أحد أن يتمكن الرئيس بوتفليقة، وهو اليوم عاجز حتى عن القيام بمهامه الدستورية، أن يصلح خلال العهدة الرابعة هذه ما أفسده خلال العهدات الثلاث الأولى لرئاسته.


أضحت الجزائر اليوم رهينة المتعصبين لــ «الاستيراد والاستيراد فقط». الأرقام تؤكد أننا بلد مستورد هيكليا. في عام 2013، سجل المركز الوطني للسجل التجاري 31337 شركة لـ «الاستيراد والتصدير». مع العلم أن في عام 2008 تم تسجيل 25502 شركة، أي هناك زيادة قدرها 22.9٪ خلال خمس سنوات (سنوات مرض الرئيس). مع العلم أن 2٪ فقط من هذه الشركات تعمل في مجال التصدير، والبقية، أي 98٪، تقوم حصرا بالاستيراد.


لقد سجّل النظام فشلًا ذريعًا في بناء الدولة المستقلة التي ينعم فيها المواطن بالحرية والتي تكون ذات اقتصاد متين، قادر على المنافسة داخل النظام العالمي. آن الاوان لتمكين الشعب من اختيار سلطة سياسية تنبثق منه وتعبّر عن تنوّعه. إن مواصلة اعتماد اقتصاد البزار والفساد، ومحاولة تحميل الشعب تبعات سياسات فاشلة فُرضت عليه سوف يزيد الازمة تعقيدا. فبدل أن يفرض التقشف المفرط على الشعب، ينبغي اعتماد اقتصاد منتج ووضع حد للفساد وللنزيف الاقتصادي. لكن لا يعقل الحديث عن التحول الاقتصادي هذا من اقتصاد الريع والبزار والفساد، نحو اقتصاد منتج دون تحقيق التحول السياسي الحقيقي.


○ تعرضت البلاد مؤخرا لمجموعة من العمليات الإرهابية وخاصة في معامل الغاز في عين أمناس بالصحراء في كانون الثاني/يناير 2013 وعدد من الحوادث المتفرقة الأخرى. هل ستتأثر الجزائر بموجة الإرهاب التي وصلت لجيرانها والتي تعاني كثيرا من ظاهرة الإرهاب مثل ليبيا ومالي وإلى حد ما تونس؟ ما تقييمك للأوضاع في الجزائر وهل هي عيية على الاختراق بسبب عزوف الشعب عن العنف بسبب ذكريات العشرية السوداء أم أن الجزائر مثل غيرها يمكن أن تصبح أرضا خصبة للمتطرفين؟


• أتمنى ألا تنتقل العدوى إلى الجزائر. أنظر يا أخي كلما ارتفعت أصوات مطالبة بالتحول السياسي كلما رفع النظام شمّاعة الإرهاب. لكن أمن الجزائر القومي مهدد بسبب فشل السياسات الأمنية للنظام نحو الإرهاب عابر الحدود. صحيح أن النظام استطاع، إلى حد الآن، بسط هيمنته وسيطرته على المجتمع والحياة المدنية والسياسية في البلد بالحديد والنار وإرهاب الدولة. لكنه، نظرا لطبيعته العسكرية التي لا تتقن سوى لغة السلاح والقوة، برهن فشله في مواجهة الإرهاب الدولي لأنه ظل يركز على الحل الأمني فقط رغم أن حدودنا طويلة وصعبة. دولة متقدمة مثل أمريكا لا تستطيع حماية حدودها مئة بالمئة. إذن، الحل الأمني يجب أن يكون مرفوقا بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية تقوي الجبهة المدنية في الداخل ضد أي اختراقات إرهابية. تشهد المؤسسة العسكرية في الجزائر ارتفاعا ملحوظا في الضغط عليها عبر جميع حدودنا وحول آبار النفط وأماكن استراتيجية أخرى. لذا، حسب نظرتنا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية، لابد من اتخاذ جملة من الإجراءات الضرورية والمتكاملة للحفاظ على أمن المواطنين والوطن والوحدة الوطنية، وأمن وسلامة منطقتنا المغاربية والساحل، منها:


- العمل على تقوية السياسة الخارجية الجزائرية واستعادة مصداقيتها بالخصوص مع دول الجوار ودول الساحل وشركائنا في المتوسط والأطلسي. حيث فقدت السياسة الخارجية الكثير من مصداقيتها وفاعليتها منذ أكثر من عقدين.


- تفعيل الاتحاد المغاربي والعمل على توفير المناخ المناسب للتنسيق والتكامل الاقتصادي والأمني المغاربي لما يخدم مصالح شعوبنا الاستراتيجية ونموها ويحافظ على أمنها القومي، ويعزز استقرار منطقتنا المغاربية وفي الساحل، ويمكنها من التصدي معا لظاهرة التطرف العنيف والإرهاب ويحصنها من أي تدخل أجنبي.
- إنشاء لجنة مغاربية من خبراء في حل النزاعات للتكفل بحل كل أزمات المنطقة لما يخدم أمننا القومي واتحادنا المغاربي.
- التصدي لظاهرة الإرهاب في إطار تنسيق عسكري وأمني مغاربي: لا بد من التصدي لكل من يلجأ إلى التطرف العنيف وإلى استخدام السلاح لفرض مفاهيمه أو مشروعه السياسي، بغض النظر عمن يقف وراءها. لقد أصبحت الظاهرة تشكل خطرا حقيقيا على بلدنا ودول الجوار والساحل ولأمننا القومي. لا بد من الإشارة هنا إلى أنه لا يوجد أي مبرر للظاهرة. ومع هذا، نرى في الوقت الذي من واجب الحكومة المنتخبة حماية مؤسسات الدولة والمدنيين من بطش الإرهاب، لا بد من العمل على إزالة أسباب التطرف العنيف والإرهاب. ومن هنا جاءت دعوتنا لاحداث التحوّل السياسي والانتقال الديمقراطي التوافقي نحو نظام حكم مستقر يعبر عن خيار الشعوب في تنوعها.
- العمل على إعادة صياغة علاقة «المدني بالعسكري» من أجل مؤسسة عسكرية وطنية مهنية قوية تخضع للرقابة من قبل الشعب عبر مؤسساته المنتخبة، تمكن المؤسسة من التفرغ لمهامها الدستورية للحفاظ على سلامة ووحدة التراب الوطني، وللبحث العلمي العسكري الاستراتيجي لما يخدم الأمن القومي.


- التمكن من العلوم الاستراتيجية والتحكم في التكنولوجيا: توفير الجو المناسب للخبراء الجزائريين للمساهمة الفعلية في وضع الجزائر على الطريق السليم الذي سيعرف فيه العالم نوعا آخر من التهديدات التي تتطلب استثمارا بشريا وماديا مناسبين عوض دفع تكلفة باهظة الثـمـن على حـسـاب الــسـيادة الوطنية جراء التبعية العلمية والتكنولوجية.


لقد طرحت حركتنا هذه المقاربة الأمنية المتكاملة على الساحة السياسية في الجزائر، سلطة ومعارضة، ضمن «مذكرة من أجل مشروع وطني موحد للانتقال الديمقراطي في الجزائر « أصدرناها في أول ايار/مايو الماضي، لكن لحد الآن النظام يسير عكس هذا الحل الواقعي. آن الأوان للنظام ان يعترف أن الجزائر تعيش أزمة سياسية حقيقية ذات انعكاسات اقتصادية واجتماعية وأمنية خطيرة، بسبب السياسات المنتهجة، قد تفضي ليس إلى إفلاس الدولة كما وقع عشية أحداث تشرين الاول/أكتوبر 1988 فحسب، بل إلى فقدان السيادة الوطنية، إذا لم يُتدارك الأمر ونهج مقاربة جديدة ونمطا فكريا مغايرا للذي تسبب في إنشاء هذه الوضعية. تملك الجزائر إمكانيات تنمويّة هائلة، وخبرة دبلوماسية معتبرة، وترسانة عسكرية كبيرة، بإمكانها مواجهة المخاطر الأمنية في المنطقة وتحقيق التحوّل من اقتصاد الريع إلى اقتصاد منتج، ويمكنها كذلك وقف نزيف مقدراتها وتجاوز أزمتها الاقتصادية. لكن هذا مرهون بإيجاد إرادة وطنية لمرافقة ذلك بتحوّل سياسي شامل حقيقي، يفتح المجال لكل الكفاءات والفعاليات الوطنية في الداخل والخارج للإسهام في تقييم الوضع والبحث عن بدائل وحلول حقيقية للأزمة المركبة التي تعيشها البلاد. فبعد 53 سنة من الاستقلال وأكثر من سنتين من خطاب بوتفليقة المشحون بوعود الإصلاحات الدستورية وبعد أكثر من سنة من انتخابه لعهدة رابعة، تعيش الجزائر المشاكل نفسها في فترة يشهد فيها العالم تغيرات كبيرة وانخفاضا مقلقا جداً بنسبة لبلد لم يستطع الخروج بعد من الاقتصاد الريعي. الجزائر تحت هذه المعطيات ليست مؤهلة لعبور مثل هذه الأزمة بسلام للأسف.
○ تشهد منطقة غرداية حوادث خطيرة سقط على أثرها 22 ضحية. الاحتكاك الطائفي والقبلي والديني شيء غريب على الجزائر. هل حمى الطائفية التي تعيث خرابا في اليمن وسوريا والعراق قد تصل الجزائر؟ هل هناك أياد خارجية تريد أن تعبث بأمن البلاد بعد أن كادت تطوي صفحة المواجهات؟


• بالفعل عاشت ولاية غرداية بوادي مزاب في الآونة الأخيرة أوضاعا مؤلمة وخطيرة غريبة عن المجتمع. إن تلك الأحداث التي ذهب ضحيتها العشرات من المواطنين العزل وفي العشر الأواخر من رمضان، ليس لها أي مبرر عرقي أو مذهبي. بل هي أعمال إجرامية يجب رفع أي غطاء، من أي مؤسسة دينية كانت أو سياسية، عن المتسببين فيها ومرتكبيها وإحالتهم إلى القضاء في شفافية تامة، وتعويض جميع المتضررين، والتكفل الجدي بمشاكل أهل المنطقة والاستجابة لمطالبهم المشروعة. كما ينبغي تحميل السلطة التنفيذية ــــ رئيس الجمهورية والحكومة ــــ مسؤولية أمن وسلامة جميع المواطنين دون أي تمييز، ومسؤولية حل مشاكلهم. لقد اكتفت السلطة الفاشلة والفاقدة للشرعية الدستورية والشعبية بإصدار رسائل وبيانات ووعود لم ترق لحل مشاكل أهلنا بولاية غرداية. وبدلا من الاستجابة إلى مطالب المواطنين المشروعة، تركت هذه السلطة الفاقدة لروح المسؤولية فئة قليلة من الشباب المتهور إلى خلط الأوراق وضرب استقرار منطقة جد حساسة بالنسبة لبلدنا، وأمنه القومي، من وراء ستار صراع مذهبي عرقي مفتعل. والسلطة لا تتهاون في قمع أي مظاهرة سلمية مهما كانت مطالبها، تترك الأمور تتعقد لدرجة يصبح فيها التفريق بين الأفعال وردود الأفعال صعباً حتى على سكان المنطقة نفسها. ومع هذا، لا ينبغي التركيز على الحل الأمني فحسب. ولذلك في بيان لحركتنا صدر يوم 12 ايار/يوليو الماضي، تم التحذير من الاكتفاء بالمعالجة الأمنية لملف ولاية غرداية، كما تم التنبيه إلى خطورة إقحام الجيش الوطني الشعبي مرة أخرى في أزمات ليست من اختصاصه. وأدعو هنا مرة أخرى العقلاء في النظام تدارك الوضع وانتهاج مقاربة جديدة ونمط فكري مغاير للذي تسبب في إنشاء مشكلة غرداية، وتفادي هكذا اتجاه قد يصل إلى نقطة اللاعودة التي ستكلف بلدنا وشعبنا بل ومنطقتنا المغاربية الكثير والمزيد من المصائب.


لا اعتقد أن هناك أياديٍ أجنبية من وراء الأحداث. صحيح أن هناك جهات أجنبية تسعى لاستغلال الأحداث لابتزاز الدولة والمطالبة بالمزيد من التنازلات عن ثرواتنا الطبيعية مثل فرنسا وأمريكا لفرض قواعد عسكرية أجنبية في أراضينا. لكن هناك إجماعا وطنيا جزائريا لرفض أي وجود عسكري في بلدنا أو في بلدان الجوار. مع هذا، المشكل جزائري محض قد يوظف أجنبيا إن لم يتم معالجته بصفة دائمة. فالمشكل سياسي يحتاج إلى حل سياسي دائم مقرونا بحلول متكاملة ثقافية تكرس تنوع سكان المنطقة، واجتماعية تعزّز الترابط بين المواطنين، واقتصادية تزيل الفوارق وتعزّز القدرة الشرائية وتكافؤ فرص الشغل للجميع.
○ ما زال هامش الحريات العامة ضيقا وما زال التعبير عن رفض الأمر الواقع محفوفا بالمخاطر. كيف في رأيكم يمكن للجزائر أن تخرج من هذا المأزق بحيث تتحول تماما إلى دولة القانون والتعددية وتبادل السلطة وفصل السلطات؟


• وصفكم للوضع دقيق. وأعتقد أن أحداث غرداية الأليمة كشفت بكل وضوح أن السلطة التنفيذية ـــ رئيس الجمهورية والحكومة ـــ التي فشلت في التعامل مع الوضع الأمني والاجتماعي المتردّي في معظم دول الجوار والساحل، عاجزة عن حل المشاكل في بلدنا، وفي تحقيق التحول الاقتصادي المطلوب أمام استمرار انخفاض سعر البترول. وهكذا السلطة التنفيذية بل والنظام ككل أصبح يشكل خطرا حقيقيا على بلدنا ووحدة شعبنا وترابنا الوطني بل وأمننا القومي. الأمر الذي يجعل الجزائر مضغة سهلة للتدخل الأجنبي بذريعة حماية الأقليات أو حماية مصالحه واستثماراته في صحرائنا. أصبح الكل في الجزائر مقتنعا اليوم أن أي نظام سياسي يستمد قوته من الاستبداد والإقصاء لن ينجح في تحقيق المصلحة العامة بل بالعكس يحقق فقط مصالح فئات معينة. هذا تطور إيجابي حيث لم يعد هناك في المعارضة المعتمدة من يبرر تضييق هامش الحريات من قبل السلطة ذريعة الحفاظ على أمن الدولة! المطلوب اليوم هو التواصل مع الجميع، سلطة ومعارضة، عسكريين ومدنيين، وإقناعهم أن المصلحة العليا تقتضي منا جميعا تحمّل مسؤولياتنا، وتجاوز الخلافات الايديولوجية والسياسية، والتنسيق معًا لتوفير الظروف المطلوبة لإحداث تغيير شامل حقيقي نحو نظام سياسي أفضل يستجيب لطموحات الشعب ويعبّر عن تنوّعه، ويضع حدًّا للانهيار الاجتماعي، ويُوقف استنزاف المقدّرات البشرية والمادية لبلادنا، ويُحارب كل الآفات التي ظلت تُعرقل تنميته الوطنية الشاملة. على أن يكون التغيير توافقيا سلميا محكما يتمّ بصفة تدريجية ومسؤولة يجعل الدولة أداة في يد الشعب بكل فئاته للحفاظ على مصالحه الاستراتيجية ومستلزمات التمكين من مصادر الطاقة الحيوية والزراعة، وتوفير الأمن والسلم والاستقرار للجزائر ولدول الجوار.


○ كيف تقيمون المعارضة الجزائرية في الداخل والخارج؟ هل تعتقدون أن الانتخابات المقبلة ستشهد تحولا نحو التعددية الحقيقة أم أن «مجموعة القوى المسيطرة» ستبقى كما هي تتحكم في البلاد من الخلف ولا يهم من يكون الرئيس ولا يهم كذلك أكانت المعارضة منظمة أم مفككة؟


• المعارضة شأنها شأن السلطة في تخبط تام. من جهة أخرى لإحداث التغيير المنشود، يجب على المعارضة أن تكون أكثر توحداً في الرؤية والوجهة، الواقع غير ذلك. بالإضافة إلى أن المعارضة ”الرسمية” تتشارك مع السلطة في عدم انفتاحها على باقي المعارضة. لا يمكن لمعارضة تحمل أعراض السلطة أن تغير شيئا. التغيير يتطلب صحية أكثر. ومع هذا نحن كما اسلفت نتواصل مع الجميع، ونحاور الجميع، مدنيين وعسكريين، سلطة ومعارضة معتمدة رسميا وغير معتمدة، لأن ثقافة الحوار وقبول الآخر واحترام التنوع وحق التباين هي الكفيلة لتحقيق التوافق حول مشروع وطني موحد للانتقال الديمقراطي في الجزائر.( والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.)


○ ما هي قراءتكم، كفيزيائي نووي وكسياسي، للاتفاق التي توصلت إليه إيران حول ملفها النووي مع مجموعة الخمسة + واحد؟


• أعتقد أن البعض، خاصة بعض الحكومات العربية وبعض وسائل الإعلام العربي الرسمي، يخلط بين سياسة إيران في منطقة الشرق الأوسط وفي العراق وسوريا واليمن بالتحديد، وهي سياسات مرفوضة وغير مقبولة على الاطلاق عندنا، وبين ملفها النووي ورفع العقوبات الجائرة عنها. إنتصار إيران في هذه «المعركة» مع الغرب هو انتصار لجميع الدول التي تريد ممارسة حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي. فمن حق جميع الدول بناء اقتصاديات تقوم على العلم والمعرفة، من حقها جميعا بناء اقتصاديات تقوم على الطاقة النووية.

فمن الغباء أن يعتقد البعض أن هذه المفاوضات مسرحية ضد العرب، لأنه وبكل صراحة لم تصل دولنا بعد إلى المستوى الذي يضطر فيه الغرب وإيران تضييع وقتهم بهذه الطريقة (قرابة عشر سنوات من التفاوض) لتمرير ملف يمكن تمريره بدون مفاوضات. إذن، يجب علينا التعقل والابتعاد عن نظرية التآمر حتى نتمكن من التفريق بين الأمرين والاستفادة من قوة المفاوض الإيراني، والمتمثلة باختصار في ثلاثة أمور أساسية وهي: 1 ـــ خدمة مصالح الشعب الإيراني، 2ـــ شرعية السلطة السياسية التي تستوجب احترام المفاوض الغربي لها، 3 ـــ التحكم في الملف وحماية علمائهم في الطاقة النووية. عندما تريد تطبيق هذه القواعد على الملفات العالقة بين العرب والغرب، كالملف الفلسطيني مثلا، أو بالنسبة لبلدي الجزائر مثلا، ملف الشراكة الأوروبية الجزائرية أو ملف دخول المنظمة العالمية للتجارة، تُصاب بالخيبة والإحباط. باختصار وبدون الدخول في التفاصيل التقنية، إيران سطرت لنفسها أهدافا استراتيجية من وراء هذه المفاوضات الماراثونية وحققت كل واحد منها دون استثناء! فحسب الرئيس روحاني: « أرادت إيران تحقيق أربعة أهداف من وراء الاتفاق النووي: 1 ـــ استمرار البرنامج النووي، 2 ـــ إنهاء العقوبات واعادة الأموال، 3 ـــ إلغاء قرارات مجلس الأمن، 4 ــــ ازالة الملف النووي من مجلس الأمن. لقد حققناها جميعا». الكيان الصهيوني منزعج من هذا الاتفاق، لأن بعد هذا، ليس هناك ما يمنع من فتح ملف سلاحه النووي! فعلى الحكام العرب والإيرانيين مراجعة حساباتهم والتحلي بالهدوء والحكمة، فالعالمان العربي والفارسي حليفان طبيعيان، ربنا واحد، ونبينا واحد…وعدونا واحد، فلا ينبغي ان نخطئ الهدف!
&