أسامة العيسة من القدس: تعتبر سنوات النصف الثاني من القرن التاسع عشر ليست فقط مهمة في تاريخ فلسطين، ولكنها حاسمة، فهذه الفترة شهدت التغلغل الأوروبي القوي في البلاد، وسهل التقهقر المضطرد للإمبراطورية العثمانية هذا التغلغل، الذي أنعش فكرة quot;الحروب الصليبية السلميةquot;، لإعادة استرداد الأراضي المقدسة ولكن هذه المرة بطريقة الإقناع والتبشير والمعاملة الحسنة وفتح المدارس، وهي ثقافة انتشرت شعبيا في أوروبا، ومعها تم إحياء الفكرة الصهيونية لإعادة اليهود إلى فلسطين، وشهدت هذه الفترة أيضا بدايات الاستيطان اليهودي غير الصهيوني في البلاد.
وفي هذه الفترة تعاظم دور القناصل الغربيين في فلسطين بحجة حماية الاقليات الدينية، وبروز الزعامات المحلية في مناطق مختلفة من البلاد، والتي يطلق عليهم شيوخ الجبال، واندلاع الحرب الأهلية بين حزبي: يمن وقيس التي قسمت فلسطين بطريقة غريبة وملفتة للنظر، فكل حزب ضم مسلمين ومسيحيين ودروزا وبدو وفلاحين وسكان مدن، على أساس الانتماء العربي القبلي القديم إلى فرعي يمن في جنوب الجزيرة العربية، وقيس في الشمال.
ويمكن وصف هذه الفترة الحاسمة والمهمة بأنها جزء من التاريخ المسكوت عنه فلسطينيا، الذي يكاد يكون مجهولا للقسم الأعظم من الفلسطينيين، ومن بينهم النخب الثقافية والسياسية، ولم تلق الاهتمام اللازم من المؤرخين والباحثين الفلسطينيين، الذي اهتموا اكثر ببدايات الاستيطان الصهيوني في فلسطين والتاريخ اللاحق له.
| قلعة السماحة |
وافتقدت الكتابات الفلسطينية القليلة عن تلك المرحلة ليس فقط الموضوعية وقصر النظر ولكن تجنب ذكر حوادث معينة، فمثلا من كان سيجرؤ على ذكر أن نقيب الأشراف في القدس عبد المطلب العلمي، تحول إلى المسيحية، وربما ذكر هذه المعلومة كان سيثير العصبيات العائلية في المدينة المقدسة، ولكن عندما تذكر من قبل باحث غربي جاد ويضعها في سياقها التاريخي فان الأمر ربما يكون مختلفا، مثل الباحث والأكاديمي الألماني الكزاندر شولش، الذي لفتت انتباهه هذه المرحلة من تاريخ فلسطين.
ووصل شولش إلى فلسطين في بداية ثمانينات القرن الماضي، وجال على معاقل شيوخ الجبال الذين ظهروا بقوة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفتن ببعض هذه المعاقل التي تسمى كراسي الحكم وهي في الواقع قلاعا مهمة، وكتب بتأثر عن لدى مشاهدته بعضها مثل قلعة في صانور، شمال الضفة الغربية.
وكتب أيضا بتأثر عن المعاقل التي لم يعد لها اثر، مثلما حدث عندما زار قرية اعبلين في الجليل التي حكم منها أحد ابرز الزعامات المحلية وهو عقيل أو عقيلة الحاسي، ذلك البدوي الغامض الذي ينحدر من مصر، وحكم الجليل الأدنى لعقود، وارتبط بعلاقات قوية مع قناصل الدول الأجنبية ونال أوسمة عديدة من دول أوروبية، وصال وجال ضد الحكم التركي، واعتقل ونفي وهرب وقاتل.
وبعد أن عاد إلى بلاده، أستاذا في جامعة ارنلغن، اعد شولش كتابه (تحولات جذرية في فلسطين 1856-1882: دراسات حول التطور الاقتصادي والاجتماعي السياسي)، معتمدا على كم كبير من المراجع بلغات مختلف ووثائق مهمة كثير منها تعود للفترة التي تناولها البحث من بينها رسائل وبرقيات القناصل الغربيين في القدس.
وفي صيف 1986، التقى شولش في ألمانيا، الباحث الفلسطيني الدكتور كامل العسلي الذي كان في زيارة للجامعات الألمانية بدعوة من الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي مع الخارج.
وفي ذلك اللقاء قال شولش للعسلي بان بحثه عن التحولات في فلسطين خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر في طريقه ليرى النور، بعد أن دفع به للمطبعة.
وفي أواخر صيف 1986، وبينما كان الكتاب يرى النور ويقراه بشغف العديد من المهتمين بالدراسات الفلسطينية في العالم، توفي شولش فجأة عن عمر 44 عاما.
ومن بين الذين حرصوا على اقتناء الكتاب وترجمته كامل العسلي الذي حزن لوفاة شولش وعن ذلك كتب في مقدمة ترجمته للكتاب quot;أحزنني النبأ جدا لان شولش كان عالما تحلى بأخلاق العلماء ولانه كان متعاطفا بصدق مع القضايا العربية، وخاصة قضية فلسطين، وكرس جهوده في السنوات الأخيرة لكشف الجذور التاريخية لهذه القضية وتفنيد المزاعم الاستعمارية والصهيونية بشأنها بشكل علمي رصين. وازداد إعجابي بالمؤلف بعد قراءة كتابه الأخير وباطلاعه الواسع ودقته وإنصافه ولفت نظري أهمية المعلومات الواردة في الكتاب للقارئ العربي قبل سواه خصوصا وان كثيرا منها مستقاة من وثائق غير منشورة في خزائن المحفوظات في البلدان الأوربية ولم يسبقه أحد إلى الاستفادة منها. وبناء على ذلك فكرت في ترجمة الكتاب إلى اللغة العربيةquot;.
وهو ما حدث وصدر الكتاب عن الجامعة الأردنية، ولم يتسنى لصاحبه أن يعيش ليرى أن ما كتبه عن الفلسطينيين بإمكانهم قراءته.
وما يلفت الانتباه ما كتبه شولش في ختام دراسته quot;..وإذا ما استعرضنا أثناء سفرنا عبر البلاد اليوم آثار الزمن السابق على الستينات من القرن التاسع عشر فإننا لا نعثر إلا على القليل مما يبرز أمام العيونquot;.
ودعا إلى صيانة الأحياء التاريخية في المدن وقصور الأعيان المدن وكراسي الزعماء المحليين التي وصفها بأنها في quot;أسوأ حالاتهاquot;.
وكتب بألم عن مصير هذه الآثار التاريخية التي تقع الان داخل إسرائيل قائلا عنها quot;في إسرائيل في حدود 1949اختفت تماما على أية حال معظم المواقع العربية السابقة واختفت معها القلاع ومقار العائلات التي أشرنا إليها في مؤلفنا هذا، ومن بينها اجزم، ومجدل بابا، وبيت عطاب، وبيت نتيف، وبيت جبرينquot;.
واضاف quot;وإذا كانت آثار الماضي المرئية لمجتمع من المجتمعات قد دمرت أو عندما لا يعود في وسع مجتمع أن يكترث للحفاظ على آثاره فان هذا مؤشر على الكوارث التي لا بد أن تكون قد نزلت بهquot;.
ورأى آنذاك quot;أن الاهتمام المتزايد الذي يبديه الفلسطينيون اليوم بتاريخهم الخاص في الضفة الغربية وفي إسرائيل ووجود مبادرات مختلفة عندهم للحفاظ على التراث التاريخي والثقافي هو علامة على إرادة تأكيد الذات التي لا تكسر. ان نشاطات كهذه يمكن ان تقوم بمساهمة هامة في تحديد الموقع وفي المحافظة على الهوية الذاتيةquot;.
ولو عاش شولتش لانتظر حتى هذه السنوات، ليرى نجاح تضافر جهود عدة جهات لإعادة الحياة، لاثنين من معاقل شيوخ الجبال.
واولها في قرية عرابة، حيث مكنت شراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي/ برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني ووزارة السياحة والآثار الفلسطينية وبلدية قرية (عرابة)، وبتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ـ ضمن مشروع لإيجاد فرص عمل والحد من الفقر ـ من ترميم قلعة آل عبد الهادي، الذين هيمنوا على المنطقة ونسجوا تحالفات استراتيجية مع إبراهيم باشا ابن محمد علي والأوروبيين.
وحظيت عرابة التي تبدو الان كموقع ثانوي، لا يكاد يرى على الخريطة، باهتمام المستشرقين والرحالة، لأهميتها التاريخية. وفي 8 أبريل (نيسان) 1827، زار الكونت الفرنسي ليون دي لابوردي عرابة، وتشير كتاباته إلى نفوذ عائلة عبد الهادي ومدى غناها، مع انه كان يحمل رأياً مسبقاً مخالفاً لذلك قبل وصوله إلى القرية.
وكتب لابوردي عن زيارته لعرابة quot;توقعنا أن نحظى بمأوى من فلاح ما يمنحنا غرفته الوحيدة وبقايا عشائه المتواضع. وكم كانت مفاجأتنا كبيرة عندما تمت مرافقتنا إلى بيت فسيح جدا. احتشد تحت قوس البوابة جمع من الخدم الذين تقدموا بنشاط لأخذ ألجمة مطياتنا. بإمكان المرء أن يتخيل انه في قصر مسحور. وقد علمنا أننا ننزل في ضيافة الشيخ عبد الهادي، صاحب اكبر نفوذ في المقاطعة بأكملها، وبعد أن ترك لنا مجالاً للاستمتاع بوجبة أولية، جاء الشيخ عبد الله لزيارتنا وتحدث كرجل ملم بشؤون الحكم، واستمرت عظمة هذا الاستقبال غير المتوقع حتى لحظة رحيلناquot;.
وفي أواخر فبراير (شباط) 1856، دخلت ماري اليزا روجرز، شقيقة نائب القنصل البريطاني في حيفا، جناح الحريم في قصر عبد الهادي. وكانت نساء العائلة في شغف لمعرفة كل شيء عن أول امرأة أوروبية يلتقين بها، فطرحن عليها الأسئلة، سألنها، مثلا، إذا ما كانت متزوجة، وبعد أن أبلغتهن أنها كانت عزباء، سألنها عن والدها. وفي إشارة إلى اهتمامهن في معرفة مدى ثرائها، كان أول سؤالين طرحنها عليها هما: quot;كم عدد الجمال التي يملكها والدك؟quot;، وquot;هل أشجار الزيتون التي يملكها والدك حديثة العهد ومثمرة؟quot;.
وما زالت توفر كتابات روجرز عن قسم النساء في قصر عبد الهادي معلومات مهمة للمهتمين بالدراسات الفلسطينية، وكانت روجرز شاهدة على مأساة إنسانية، عندما تم إجلاء أطفال ونساء عائلة عبد الهادي إلى منزل شقيقها، بعد تدمير معقل العائلة من قبل العثمانيين وزعامات محلية، ولكن في النهاية تم الخضوع للطلب العثماني بتسليم اللاجئين إلى السلطات.
ومن اكثر المتحمسين لمشروع ترميم قصر عبد الهادي الدكتور حمدان طه مدير دائرة الآثار الفلسطينية الذي يقول بان ترميم القصر يكتسب quot;أهمية خاصة لسكان القرية، لأن جزءا من هذا المبنى كان يستخدم في السابق سجنا قبع فيه أجداد العديد من السكان، وعندما يصبح المبنى مركزا حيويا، تتولد روابط اكثر إيجابية مع القصر، يتم تناقلها من جيل إلى جيلquot;.
وهناك قلعة أخرى جديرة بالاهتمام هي قلعة البرقاوي المهيبة التي شيدت عام 1600م في بلدة شوفة، وتحمل القلعة اسم زعيم عائلة امتلكت النفوذ خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، هو الشيخ عيسى البرقاوي. وتعرضت القلعة للإهمال على مدى أعوام طوال فأصبحت مصدعة ومزعزعة. وكان السكان يستخدمونها حظيرة لمواشيهم، ونساء القرية اللواتي كن يخبزن على الطابون بجانب القلعة يتذكرن ذلك اليوم الذي استعمل فيه عمال البناء الديناميت لتفجير مرتفع من حجر الجير أثناء إنشائهم لطريق سريعة، مما أدى إلى انهيار المبنى.
ويقول طه quot;قلعة البرقاوي هي عنصر محوري في هوية البلدة وأسطورتها الشعبيةquot;، ويضيف quot;الناس يفضلون التحدث عن القلعة على أن يخطوا داخلها، لأنها حسب قولهم تعج بالأفاعي، وعندما يواجه أهل البلدة بأسئلة عن القلعة، فإنهم يحيلونها إلى أي من المسنين المعروفين، مثل أبو زاهرquot;.
يتذكر أبو زاهر أن القلعة كانت مركزا للنفوذ أثناء الحكم العثماني واعتبرت في بعض الفترات مركزا للمنطقة برمتها، ويضيف قائلا quot;كانوا أثناء الحرب يقصفون القلعة التي كان الناس يستخدمونها كمأوى حصين لهم، لقد حكم الشيوخ المتنفذون سكان المنطقة وتصارعوا الواحد ضد الآخر، ولكن العثمانيين فرضوا فيما بعد حكما مركزيا، فتمرد أهل شوفة ضدهم وشاركوا بحماسة في الثورة التي اشتعلت عام 1831quot;.
ويؤكد أبو زاهر ما تتناقله الأسطورة الشعبية من أن العثمانيين وضعوا مدفعا في شجرة زيتون واستخدموه لقصف القلعة، والآن أصبحت هذه الشجرة تعرف باسم زيتونة المدفع.
ويقول الدكتور طه quot;إن المكانة المركزية التي تحتلها القلعة في التاريخ الشفوي المحلي تكشف عن أهميتها بالنسبة للسكان، ومن هذا المنطلق، فان ترميم القلعة يساهم في صيانة تاريخ شوفة ويتيح للسكان الاستمتاع بالموقع وممارسة الأنشطة فيهquot;.
ويضيف quot;لقد حول المشروع القلعة إلى موقع مبهج يفتح أبوابه للسكان والزائرين، ويتضمن الموقع متحفا يحتوي على مجموعة من مقتنيات قلعة البرقاوي وقاعة لإقامة المعارض المؤقتة وقاعة محاضرات وورشة عمل فنية وحرفية ومكتبة ومقهى يوفر جلسة جميلة في الحديقة، بالإضافة إلى ذلك، تم تشييد مدرج في الهواء الطلق لاستضافة الاحتفالات الثقافيةquot;.
وربما يشكل ترميم قلعتي شوفة وعرابة بعض العزاء للمهتمين بالدراسات الفلسطينية مثل الراحل شولش، ولكنه بالطبع غير كاف، خصوصا وان المطلوب ليس فقط الترميم ولكن التعريف بتاريخ فترة حاسمة، يتم تناسيها، من قبل المؤرخين الفلسطينيين، بشكل يبدو متعمدا وغير مفهوم.
