الحديث عن الإبداع الثقافي ودوره في الاقتصاد الوطني اخذ ابعادا جديدة في عصرنا الحديث حيث العولمة والتغيرات السريعة في خريطة العالم. تلك التغيرات المتسارعة غيرت الخارطة الجغرافية والسياسية والبيئية للعالم ولا يزال التغير مستمرا كحالة وكعملية ديناميكية ومستمرة. هناك دول جديدة لم تكن لها وجود ودول تغير نظام حكمها بصورة جذرية خاصة بعد انهيار جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة والمنظومة الاشتراكية والتغيرات الجذرية في الشرق الاوسط وما نتج من كل ذلك من تغير في الأنظمة حيث لم يتغير الخارطة السياسية لدولها على الأقل في الوقت الحاضر بينما نرى أن الخارطة الجيو- السياسية للعالم في تغير مستمر.
لو قدر لنا ان نرى الأرض من الفضاء الخارجي وشاهدنا القسم المظلم تحت غطاء الليل لشاهدنا صورة للمناطق المنيرة على الأرض وهي طبعا دول ذو حالة اقتصادية مرفهة. لكن تلك الصورة تختلف إذا نظرنا الى انتشار سكان الأرض لرئينا صورة اخرى وتختلف الصورة تباعا اذا حاولنا رؤية الحالة التعليمية لسكان الارض او ربما الحالة الإبداعية الخلاقية كعدد براءات الاختراع في دول العالم. ان كون الأرض مسطحة كما ينظرها توماس فريدمان ويعني بذلك ان عصر العولمة قد جعل من الكون قرية كونية وطبعا يخالفه ريشارد فلوريدا داعيا بان الانتشار السكاني على الكرة الأرضية تعطي صورة اخرى للارض وهي ليست مسطحة.
من ناحية اخرى تغير مفاهيم العالم العلمية نظرا للتغيرات المتسارعة في عالم المعرفة والاكتشافات الجديدة والتواصل مع تطور الكومبيوتر ووسائط الاتصلات المسموعة والمرئية والمقروءة والانترنت عبر الاقمار الصناعية ناهيك عن تغير كبير في نظرتنا الى العالم وربما هناك العديد من الاكتشافات الكبيرة لا يباح بها في الوقت الحاضر للاننا كبشر لا نستطيع استيعابها وتبقى سرا لمدة طويلة يعرفها البعض بل يموتون اخذين معهم تلك الاسرار. ان تطور العقل البشري مع انفتاح عولم معرفية جديدة كانت في غيائب المجهول سيؤدي لاحقا الى ثورات في العقل البشري وانهيارا للمنظومة المعلوماتية والعلمية وربما مجمل الموروث الثقافي الانساني الفكري والعقائدي.
نحن اذن قارئ الكريم امام تحديات كبيرة والانسانية على حافة هاوية مفصلية في الحياة الانسانية على الثرى. الثروات الوطنية بكل تاكيد محدودة والانسانية في حالة نمو مستمر ولست ها هنا اعيد نظرية مالتوس التشائمية ومدرسة روما في الاقتصاد والتي كانت استنتاجاتها تبني على أساس إن تسارع انخفاض الكمي للثروات الطبيعية والموارد الزراعية وبموزاته زيادة سكان الأرض سيؤدي في النهاية الى حدوث الحروب والكوارث متناسية تماما التطور العلمي والمعرفي حيث الزراعة الحديثة وتطور طرق الإنتاج. لكن ربما واقع الأمر يفرض علينا ان نفكر مليا بان هناك حدود لكل شئ. لا ريب ان هناك يوما في الافق وبعد دهور قد يتحول دول بترولية الى دول ربما صحراوية ذو ناطحات سحاب ودول ارضيها كثيفة بالغابات والاشجار الى دول قرفة جافة هنا يجدر الاشارة الى ان ارض الرافدين كانت تسمى بالسواد لكثرة الخضار على ارضيها الزراعية طبعا قيل دهور خلت. الحالة التعليمية للشعوب مهمة جدا في العملية التطورية البشرية. نوعية الحياة يعتمد بصورة مباشرة على الاقتصاديات الخلاقة للبشر وكما إن تلك أي النشاطات الخلاقة مكون جامع لمجمل النشاطات والفعاليات الإبداعية التي تساهم مباشرة في دفع عملية الإنتاج والتطور العلمي، الاقتصادي، البيئي، البشري وكافة المجالات الاخرى. لا بد من الإشارة ها هنا الى أهمية سواد السلم الاجتماعي وروح التسامح في المجتمعات وقبول الفكر الآخر والتعددية في المجتمعات كعامل أساسي لتطورها. المجتمعات المفتوحة والمتعلمة
تقدم للإنسانية كل يوم اختراعا جديدا او دواء جديدا ويكتشف أبنائها وسائل الراحة لبني البشر. هذا الرأسمال البشري الخلاق سيأخذ بالبشرية الى عوالم جديدة في المستقبل.
تلك مقدمة وودت بدا حديثي بها كي اذكر القارئ بان تلك المتغيرات المتسارعة تعنينا جميعا ويجب ان نكون على معرفة ووعي بما يدور حولنا. لكن حديثي سيكون حول الاقتصاديات الثقافية الخلاقة ذلك المصطلح الجديد الذي أتى مع التطورات المتسرعة المذكورة أعلاه وهنا استخدم كلمة الإبداع الثقافي بمعناها العام شاملا جميع النشاطات الانسانية الابداعية وفي كافة المجالات وحتى الرياضة والالعاب.
كنت في زيارة لمتحف المدينة مع حفيدي ذو التاسعة ودخول المتحف مجاني ها هنا في مدينتنا والمتحف ذو قاعات كبيرة تعرض فيها لوحات فنية وقطع اثرية تاريخية من التاريخ القديم والحديث للمدينة القابعة على اقطاف بحيرة فترنquot; التي تمتد الى ١٥٠ كيلومترا شمالا وفي وسط السويد كالقلب النابض. بدا الصغير مهتما وتلهفا لقراءة كل صغيرة وكبيرة ووقف طويلا امام احدى المعارض (الصورة) متسائلا ماذا يعني ذلك. شرحت له المنظومة العقائدية الإنسانية المختلفة وكيف يتم احترام وتقدير حرية الراي والاعتقاد ويضمن عن طريق القوانين.
هذه الصورة طبعا جديدة في المجتمع السويدي الذي لم يرى الحرب ومنذ ٢٠٠ عاما وتحول بعد موجات من المهاجرين خلال السنوات الخمسون الاخيرة فتحولت احياء باكملها الى احياء للمهاجرين على اطراف المدن الثلاث الكبيرة العاصمة استوكهولم و يوتابوري ومالمو، اللفظ السويدي للاسماء، وبذلك احتك السويدين ولاول مرة بابناء جاليات من عقائد دينية مختلفة.
قال لي صغيري بان احب مادة الى قلبه في المدرسة هي التاريخ. فرحت بداخلي لهذه الالتفاتة الذكية ووعدته بان نزور كافة المتاحف الموجودة في مدينتنا وما اكثرها.
لا اعرف لماذا تخيلت قارئي الكريم صورة اخرى للشرق حيث يتجول السياح في مدينة سيدنا إبراهيم عليه السلام في أور ويرجعون الى بابل ليتجولوا عند شارع الموكب وليشربوا من بئر يأجوج ومأجوج وينامون عند اسوار نينوى وتشرق شمس تموز مرة اخرى وتعود مرة اخرى ضيائها جالبة الخير للبشرية، انه مجرد خيال قارئي.
أن المجتمع السويدي اكتشف وجود تعددية ثقافيةndash;عقائدية بين ابنائها فحول كل ذلك الاغناء والثروة الثقافية والعقائدة الى جزء ممكمل لها. هذه النظرة المفتوحة للثقافات المتباينة ادى الى انفتاح المجتمع وابنائها على تلك الثقافات وطلب معرفة المزيد عن تلك الثقافات. احد اشهر الرسامين الذين هاجر عائلته من المانيا واليوم يعتبر ايقونة ثقافية في المدينة هو الرسام quot;جون باورquot; وكانت ابنتي الصغيرة داريا قد نشرت وعلى موقع ايلاف بحثا حول هذا الرسام قبل سنين خلت وهي اليوم تعمل مدرسة لمادة التاريخ. ان العديد من السياح ياتون اليوم الى المدينة من اجل زيارة المتحف الذي خصص إحدى القاعات للوحاته ومقتدياته. ومن طرائف الامور اني بنفسي التقيت ببعض السياح الالمان وهم يبحثون عن المقبرة التي توجد فيه قبر هذا الرسام فكنت دليلا لهم ووجهتهم الى مكان المقبرة فسعدوا بالزيارة واية سعادة. لم ينسى ضيوفي ان يحدثوني عن معتقلات النازيين وكيف تحولت تلك المعتقلات اليوم الى مزار يقصده الزوار من جميع أرجاء العالم ليروا هول المعانات الإنسانية ومدى جبروت الطغاة والجبابرة من حاملي الفكر القومي السلبي.
كنت قد رويت تجربتي تلك في احدى كتاباتي لصحيفة المدينة ونشر في صفحتها الثقافية قبل أسابيع. ان هناك دولا تصرف الملايين على قطعة فنية او اثرية وربما على قبر احد الاولياء او ربما فنانا او مطربا او مجرد تمثال معدني او نصب يزوره الملايين كل عام هنا في اوربا و والولايات المتحدة والبرازيل ومصر وتايلاند والصين واستراليا وكل مدن المعمورة. ليس لان تلك النصب والتماثيل تحولت الى ثروة وطنية تجلب ملايين السياح كل عام وتدير على دولها ثروات كبيرة لا بل ان تلك التماثيل ثروة وطنية يعيش على مردودا للاف من الناس يعملون في الفنادق والمطاعم والمطارات ووسائل النقل والمواصلات وهؤلاء الذين يبيعون التذكارات للسياح. خذ مثلا برج ايفل في باريس برج حديدي قديم اراد سكان باريس رفعها مرات عددة وهدمها ولكنه تحول الى رمز للمدينة ومدعاة لفخر الفرنسيين يدير ارباح طائلة حيث يوفد الملايين سنويا ومن كافة انحاء المعمورة لزيارة البرج وربما الصعود الى اعلى طوابقها لمشاهدة مدية العشاق والفنون والمتاحف والكنائس والقصور الملكية وجامعة سوربون، فرساي، الاليزيه، شارع شانزليزيه وقوس النصر الشهير، وربما كازينو الطاحونة الحمراء وحتى سجن باستيل ومقصلتها يبحثون عنها دون طائل في مدينة باريس. ان الولايات المتحدة تصرف الملايين من الدولارات لصيانة والمحافظة على تمثال الحرية القابع على جزيرة تطفو في البحر يزورها الملايين سنويا وتدير ثروة للبلاد ويعتبر رمزا للبلد وثروة وطنية. كما هي عليها تلك اليافطة التي
كتب باحرف كبيرة بيضاء quot;هوليودquot; التي تحولت الى مقصدا للسياح تدر الملايين. هذه الأمور مجتمعة تكون نواة الاقتصاديات الخلاقة الثقافية الإبداعية والتي تحولت الى ملك للإنسانية جمعاء.
لا ريب قارئي الكريم ان السياحة في عالمنا اليوم تاتي باموال طائلة وتكون اساس الثروة الوطنية في دول ك اسبانيا واليونان وايطاليا وقبرص وتركيا. ناهيك بان هذه الصناعة تدر ارباح جانبية من مبيعات وازدهار في الاسواق المحلية وتاثيرها على ايرادات المطاعم والفنادق والمواصلات وامور اخرى كثيرة.
لا ريب ان متحفا ك متحف برلين او البريطاني و ارميتاج ولوفر ومدينة ك دولة الفاتيكان التي هي باكملها متحفا حيا وروما القديمة و ومدن ايطاليا الرومانية القديمة والمدن اليونانية تلك المتواجدة في تركيا الحالية او في قبرص او حتى في سوريا وفلسطين والأردن والعراق واليونان نفسها مفخرة لجميع الانسانية. الدول تستفيد من مقتنيات تلك المتاحف ثروات كبيرة دون ان تكون بنفسها قد شاركت في تكاليف تلك المعروضات وربما لم يستفد الفنانون أنفسهم في حياتهم شيئا بل ماتوا جائعين عفيفين. ناهيك بان تلك المعروضات ربما من ممتلكات امم اخرى وقد تم السطو عليها او اقتنائها وللحقيقة قارئي الكريم أنا من الذين اشكر تلك الأمم لحفاظها على آثارنا والتي تعد ملك للإنسانية اجمع.
كنت في زيارة للمتحف البريطاني وبالمناسبة دخولها مجاني مما اتاح لى وخلال اسبوعين دراسة تراث اهل الرافدين وطيبة عن قرب ومشاهدة رواع من الفن الشرقي الاصيل وكتابات شكسبير وديكنز واليوت ورسومات الواسطي فراعني حب البريطاني لاقتناء الاثار وجمعها والمحافظة عليها ثم الاستفادة منها بعرضها في متاحفها وتحويل كل تلك الاثار الانسانية الى مصدر اقتصادي يجلب الثروة لبلدانها. تلك الفكرة قارئي الكريم هي خلاقية اقتصاديات المبنية على الإبداع الثقافي الإنساني في كافة مجالات الحياة. ربما يتسائل البعض كيف يتحول مجرد قبر لشخصية معروفة الى ثروة اقتصادية للبلاد. حدثتكم عن زيارتي الى لندن وفيها طبعا اردت زيارة المقبرة التي تحوي في ثراها وتحت ترابها اجساد عباقرة وعظماء فكان لي زيارة اخرى في باريس باحثا عن المطربة اديت بياف والساعدي واحمد قايا واخرون. قبور هؤلاء تحولت الى مزارات ياتي زوارها من كافة انحاء المعمورة.
جلست مع بعض أصدقائي وعلى قارعة الطريق اتلذذ باطباق شهية من ماكولات تونس الحبيبة فاذا باحد الجالسين بقربي يلتفت إلي ويسألني بالعربية عن هويتي فذكرت له باني رافيديني الانتماء تركت الديار قبل اربع عقود ونيف فقال متعجبا ولا زلت تتحدث العربية فأجبته مازحا أتحدثها مع ثمانية لغات اخرى فقادنا الحديث عن الشرق بعد ان حدثته عن زيارتي الى مقبرة العظماء فقال بالله عليك هل هناك مقبرة في بغداد دفن فيها مشاهير يحوي بين قبورها قبور هارون الرشيد والبرمكي والامين والمامون وكسرى وسرجون الأكدي واشوربانيبل وملوك المغول والبياتي والجواهري والمتنبي فقلت:
وهل تجد قبرللشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم عزيزي
للحديث بقية قارئي الكريم.
السويد

