يصل موسم إحتفالات الميلاد ـ الكريسماس ـ الصاخب المزدحم لأكثر من عشرة أسابيع ذروته اليوم (25 ديسمبر)، بتحول البلاد الى مدن أشباح تخلو من المارة أو مشغلي وسائل المواصلات والخدمات، من أجل اجتماع الأسرة حول وجبة الغذاء في تقليد يعود الى قرون في أوروبا.
وللموسم معان مختلفة وأحيانا متناقضة. فهو موسم عصيب للأم. ويبقى الكريسماس يوم الأطفال بتلقي الهدايا من الشخصية الخيالية سانتاكلوز، او بابانويل، مما يتيح للآباء والأمهات شراء فترة من حسن السير والسلوك.
ويثير نمط الاستهلاك في هذا الموسم احتجاج رجال الدين وأسفهم على إفساد المال والمعاملات التجارية للمناسبة الدينية; فالكريسماس، كما يذكروننا; هو عيد ميلاد المسيح، ومناسبة للصلاة من اجل السلام. العلمانيون بدورهم يذكرونهم ان المناسبة وثنية الأصل، استبقت المسيحية وكانت احتفال منتصف الشتاء لرفع الروح المعنوية ضد الشتاء القارس، ولياليه الطويلة المظلمة بالأكل والشرب واللهو.
أما المسرح، فموسمه استهلاكي إذ يقدم مسرحيات شعبية تعرف بالبانتوميم، او تحويل الفلكلور العالمي الى تمثيليات محلية، فعلي بابا ينقل البصرة الى قلب انجلترا، و«الأربعون حرامي» متعددو الجنسيات سحبوا بلير وسياساته الى خشبة المسرح، وينطبق ذلك على علاء الدين وسنو وايت والأقزام السبعة، فالشقيقتان الدميمتان لسندريلا، في هذا العام مثلا، كانتا من نصيب عمالقة الممثلين الرجال كالسير روني كوربيت، والممثل العالمي السير ايان ماكيلان، مدير المسرح القومي البريطاني.
وفي المقابل، يكون موسم أعياد الميلاد مع المسرح، استثناء من القاعدة، فتقاليد جمهور لندن عاصمة المسرح العالمي، تصبح الأدب الجم والصمت، حيث لا يحدث التصفيق الا في نهاية المسرحية. ويتعامل البانتوميم مع الجمهور الذي يحذر البطل روبين هود أو علاء الدين، ان الشرير يقف وراءه. والى ذلك، فالتقاليد تقض مضاجع الساسة، إذ امتلأت عروض البانتوميم هذا العام بالتعليقات السياسية اللاذعة الانتقاد لفضائح الساسة، وتضخيم أخطائهم ابتداء من ورطة الرئيس بوش في العراق، الى استقالة وزير الداخلية البريطاني بلانكيت اثر فضيحة علاقته بامرأة متزوجة رأيناها في زوجة أب سندريلا.
ولكن جلود الساسة خشنة وتستطيع تحمل وخزات البانتوميم، ومن هنا يصبح الموسم فرصة لترويج بضاعتهم حسب مزاج المشتري، أي الناخب وما يطلبه. أما زعماء الأحزاب، فقد لوحوا بشعارات الدين مع دعوات للخير والسلام، كتوقيت رحلة توني بلير الى فلسطين، مسقط رأس المسيح. ويتنقل الصحفيون بشقاوتهم بين التيارات والفئات، يفحصون بعين الصقر كل ما يصلح لسياط تلهب ظهور الساسة، وكل ما يمثل السلطة ورموزها من مؤسسات رسمية أو اجتماعية. ولكن اختيار الساسة لبطاقات المعايدة التي أرسلوها بأسمائهم في هذا الموسم أوقعتهم في شراك الصحفيين، فقد حملت بطاقة داوننج ستريت صورة بلير وزوجته، المحامية المشهورة شيري (عزيزة هانم) يقفان ووراءهما نافذة.
ملأت تعليقات الصحفيين الساخرة أعمدة تكفي لتغطية الفدادين التي وزعها الإصلاح الزراعي لتخريب اقتصاد الريف المصري في الخمسينات. عزيزة هانم (والتي عرف عنها الميول اليسارية في فترة الدراسة عندما وقعت في غرام لاعب الجيتار (توني) تتشبث بذراع زوجها الأيسر، والذي بدا يحاول الإفلات منها الي أقصى يمين الصورة (وهو متهم بخيانة الأصولية العمالية والتحول نحو اليمين). أما اختياره «للبلوفر» بخطين أسودين، فقد أثار تساؤلات عما إذا كانت دهسته سيارة أمريكية، والخطان يعكسان آثار «كاوتش» العجلات على سترته؟
زعيم حزب المحافظين المعارض لم يكن أسعد حظا من غريمه بلير، فقد حملت بطاقته صورة مجموعة من طيور «البنجوين» فوق صخور تغطيها الثلوج، وفي مقدمتها طائر يحاول احتضان الآخرين. فهل هي دعوة للمحافظين المشتتين في كل مكان للتجمع والتوحد، وتدفئة بعضهم البعض، كما تفعل طيور «البنجوين» في صقيع صخور القطب الجنوبي؟
السخرية الأكبر كانت من نصيب تشارلز كينيدي، زعيم حزب الأحرار الديموقراطيين، إذ حملت بطاقاته صورة ليس فيها أي كائن حي ولا حتى ذبابة، وإنما بيت ريفي في وسط جبال اسكتلندا وثلوجها المحيطة به من كل مكان. العزلة وغياب الناس والثلوج في مكان ناء دليل على خلو الحزب من الأعضاء، وتلاشي احتمال وجود جيران قد يقبلون تحالفا مع الحزب، وخلو أدمغة منظري الحزب وزعيمه من أي أفكار أو سياسات، هكذا قال المعلقون.
أما هدية الكريسماس، فكانت الصراعات السياسية الفنية الدينية العلنية والتي جعلته موسم الاحتجاجات بشكل لم يسبق له مثيل.
فطائفة السيخ الهندية غطت أخبارها الصفحات الأولى، بعد مواجهات ساخنة أدت الى تحطيم نوافذ مسرح مدينة برمنجهام والقبض على ثلاثة واصابة أربعة من رجال البوليس مساء السبت 18 ديسمبر، عندما تظاهر 400 من السيخ محاولين إيقاف عرض مسرحية «بيهزتي» ـ وتعني العار أو انعدام الشرف ـ بعد اتهام مؤلفتها غوربيت كاور بهاتي، وهي نفسها من طائفة السيخ، بالكفر وإلحاق الأذى بالمعتقدات الدينية. وكان عدد من رجال الدين السيخ، والذين اعترفوا للصحافة بأنهم لم يشاهدوا المسرحية أو يقرأوا نصها، قد طالبوا بإلغاء العرض. وتدور أحداث المسرحية، وهي من نوع الكوميديا السوداء، في معبد خيالي للسيخ، وتضم مشاهد عنف، وتحرشات واعتداءات جنسية وحادثة قتل، الأمر الذي دفع رجال الدين السيخ الى إلهاب مشاعر السيخ في معابدهم المنتشرة في المنطقة المحيطة بمدينة برمنجهام. وبضغط من البوليس، وتحذير من شركة التأمين بأنها لن تدفع تعويضات، قررت إدارة المسرح وقف عرض المسرحية، لأنها لا تضمن سلامة المتفرجين أو العاملين. وتشجع المتطرفين من السيخ الذين قالوا إنهم سيكررون الاحتجاجات إذا ما عرضت المسرحية في مكان آخر.
وقد التزم الساسة الصمت تجاه ذلك، فهم لا يريدون خسارة أصوات السيخ، والساسة انتهازيون، وتحدى الصحفيون والمدافعون عن حرية التعبير أيا من الساسة ان يكون شاهد أو قرأ المسرحية، أو حتى يعرف أي شيء عن ديانة السيخ، خاصة وان نائب البرلمان العمالي للمنطقة هو السياسي العمالي المسلم خالد محمود، والذي هاجم المسرحية.
وفي اعتقادي ان إيقاف مسرحية إرضاء لاحتجاج مجموعة من الغوغاء، هي كارثة حضارية تفوق كارثة تدمير برابرة الطالبان لأضخم تماثيل بوذا قبل بضع سنوات، وتفوق مأساة قهر الفاتيكان لغاليلليو، فلا يتوقع احد ان تخضع بلاد الحرية والديموقراطية لابتزاز الغوغاء، والذنب يقع على الساسة الانتهازيين الذي يغلبون السياسات الشعبية الغوغائية، طمعا في الصوت الانتخابي للعامة الأقل تعليما وفهما لضرورة التمسك بحرية الرأي، لإعمال سياسات العقل، والحفاظ على رموز الحضارة، كخط الدفاع الأول ضد الإرهاب. وتحتج الكنيسة الكاثوليكية هي الأخرى، فضمت صوتها للسيخ لقهر حرية التعبير، وجاء احتجاجها على فساد ذوق إعلان في برامج القناة الرابعة المستقلة، يصور لوحة العشاء الأخير، والمسيح ممسك بسيجارة وزجاجة جعة، والحواريون يلهون ويمرحون.
وهناك اشتباك عدد من المنظمات الإسلامية ـ وأغلبهم من شبه القارة الهندية وأقلية من الشرق أوسطيين ـ في معركة مع صحيفة «الديلي تلغراف»، لأن رئيس تحريرها السابق تشارلز مور، كتب مقالة يحذر فيها الساسة من مغبة إصدار القوانين الشمولية التي تسحب بريطانيا في اتجاه روسيا ايام ديكتاتورية جوزيف ستالين الشيوعية، ابتداء من فرض حمل البطاقات الشخصية (الهويات) على الناس، وهو أمر ليس إجباريا في بريطانيا، الى مشروع قانون جديد «لحماية أديان الأقليات»، يضع الكاتب أو الرسام وراء القضبان بسبب نكتة أو كاريكاتير، يفسرها البعض انها ضد الإسلام أو الهندوسية أو اليهودية، أو البوذية أو غيرها من عشرات الديانات. ولكن مور كان يدافع عن مبدأ حرية الرأي، ويعبر عن صوتنا كمبدعين ومفكرين برفض المزيد من قوانين تكبيل الحريات، فيما عرضه مجرد تدوينه لوجهة نظر الآخرين ـ وليس وجهة نظره هو ـ عن رموز إسلامية للنيران. ولنا أن نتخيل أنه وإذا ما أتيح لمثل ذلك القانون أن يصدر، فالواقع يصبح مختلفا، ومعه كنا بدءا من مور والكاتبة كاوربهاتي، ومدير القناة الرابعة، ونهاية بكاتب هذه السطور سنكون وراء القضبان، وليس بين افراد أسرنا في أعياد الميلاد.