باريس ـ خالد النجار: كأنّ سيمون فتال تعيد للتاريخ سيرته الأولى، فهي تستحيي في تماثيلها الصّغيرة الانسانية بأسرها من آدم وحوّاء، إلى أبطال جلجامش، إلى فرسان القرون الوسطى، إلى العشاق التراجيديّين الضائعين أبدا أمام لانهائيّة العالم، وأمام أنفسهم. تختلط في عالمها ملوك وآلهة وراقصات ومتصوّفون وأطفال حتى زامر الحي حاضر، وراوي ألف ليلة و ليلة.. وهي في كل هذا تعيد صياغة علاقتنا بالمنحوتات والشخوص التي تمثل ذاكرتنا الثقافية والعرقيّة، تمثّل أبعادا سرية في اعماقنا وديناميّة تشدّنا إلى الماضي وتدفعنا في الآن في متاهة المستقبل.. وفي هذا الحديث شئ عن مسيرة هذه الفنانة التي جاءت من دمشق و نمت في أوروبا ومارست فنها في كاليفرنيا، من رسم و صناعة كتب و نحت..
من هي سيمون فتّال ؟
أنا سيمون، ولدت في دمشق.. أهم شئ وقع لي أنّي ولدت في دمشق (تضحك) انتزعوني من هذا العالم في سن الحادية عشرة؛ فظلّت دمشق في داخلي إنتماءا، واشتياقا. بدأ الفن عندي بعد بحث طويل عنه. لأنّني عندما كنت صغيرة كنت أحبّ الكتابة.
ولكنني ضعت بين اللغات العربية والفرنسية والانكليزيّة. أضعت الأداة التعبيريّة فبحثت عن أداة أخرى وجدتها في الرّسم. ثمّ في النحت. وهما لديّ شيء واحد.لم يكن لديّ رسّامين في محيطي. و أوّل مرّة رأيت الفن، رأيت الفن الحديث عندما سافرت إلى أوروبا مع أهلي. كان عمري 13 سنة وفوجئت بالرّسم. أحببت الرّسم كانت اوّل لوحة أحببتها لفرانز مارك.. رأيت لوحة فيها فرسان زرق وغزال أحمر. ذهب عقلي هكذا رأيت الفن الحديث قبل أيّ فنّ آخر. وأذكر كان معرضا عنوانه 50 سنة من الفن الحديث؛ و هناك رأيت كل الفن الحديث. وحتى في المدرسة الفرنسية التي تعلمت فيها لم يكن هناك مكان للفنون التشكيلية فظللت أقرأ الكتب فقط، لم أكن أعرف عالم الفنّ؛ ولم يكن جزءا من عالمي، ولم أتهيّأ له. كنت كما ذكرت لك أعيش في عالم الكتب. وبدءا من سنة 1967 ارتبطت بصداقات مع الرّسامين التشكيليين؛ و حينها شرعت في ممارسة الرّسم.
ديونيسوس من اعمال سيمون فتال
ما هي الإتجاهات الفنيّة ؟
والله أنا تهجّأت لغة الفنّ. لم أكن أعرفها في البدء. لم أدرسها بالمدرسة. وإنّما اكتشفت الفن أثناء ممارسته: كنت أرسم وأكتشف نبع الشئ من الدّاخل، في أثناء العمل. كنت أعمل وأنا لا أدري إن كان ما أنجزه جيّدا أم سيّئا. وكان أصدقائي يأتون ويقولون لي هذا جيّد. ولم يكن إلاّ بعد سنوات
لأنّه رغم أنّ العمل الفنّي يتمّ في الخارج المعركة مع العجينة أو الألوان ولكن وبقدر ما نتقدّم فيه، بقدر ما نتقدّم في اكتشاف عالمنا الدّاخلي.. ألم يكن هذا احساسك تقريبا ؟
صار لي أثناء العمل أكثر من اكتشاف، اكتشفت إلى حدّ ما نفسي. و استقريت في الشغل عن طريق الإيقاع الذي يمنحه العمل. أول لوحات رسمتها كانت أجنّة. بعدها رسمت أشياء مختلفة: خليطا أعمى؛ فقد كنت أرسم باستمرار شيئين، كنت أرسم هذا العالم الذي يشبه عالم ما تحت الماء؛ و أرسم الأشجار وبعدها شيئا فشيئا تجاوزت هذا العالم الغفل، هذا الخليط الأعمى. و بدأت أرسم الأشياء التي أراها.. رسمت أوّل الأمر صنّين الأبيض. كنت أرسم بالأبيض على الأبيض. الأبيض الذي كنت أراه من شبّاكي؛ كنت أرى صنّين تحت الثلج. وكان بيتي عالي ومفعما بالضّوء. ومن شدّة الضوء كانت الألوان تمّحي.. اشتغلت على هذا المنوال؛ على الأبيض، على تموّجاته، وتنوّعاته مدّة عشر سنوات.
وبعدين؛ بعد البيت العالي والضوء، و البياض؟
ـظليت أرسم هذا الإطار حتى خلصت المرحلة. لقد قلت كل ما يمكن أن أقوله عن صنّين، عن الزّهر، عن غروب الشمس.. صنين الزّهر قبل الغروب؛ والأبيض بعد الغروب. و جاءت الثمانينات؛ و لم ترد الحرب الأهليّة ان تنتهي ولكن المرحلة انتهت؛ وذهبت إلى أميركا؛ وهناك توقفت عن الرّسم لأنّي رأيت نفسي بجوّ جديد وجميل ولكن ليس لي ما أقوله عنه.
صرت هناك ناشرة، تحترفين صناعة الكتب؛ وهذا تشكيل ؟
أجل بعد سنة من إقامتي هناك أنشأت دار نشر. وبعدما شعرت أن دار النشر صار لها إسم عدت إلى الفن. عدت إلى المدرسة التي أذهب إليها مرّتين في الأسبوع لأخوض عالم النّحت. وقد مضى علي هناك الآن 12 سنة .
بدأت بداية غريبة، على عكس العادة بالفن الحديث دون المرور بالمراحل التاريخية الأكاديميّة. ثم نراك تنتقلين من الرسم إلى النحت؛ وهو أمر غريب ثان. إذ& نادرا ما تمارس النساء النحت وعدد النحاتات من النساء نادر جدا في تاريخ الفن؟
كان الرّسم ضرورة حياة بالنّسبة لي؛ و كما قلت لك سابقا: لقد أعدت خلق، وصياغة نفسي بالرّسم.
يعني الرّسم أبعدك عن الضياع وكان دربك إلى ذاتك؟
ـأجل، في حين لديّ في النّحت ما أقوله؛ عندي خطاب ليس بمعنى الخطبةوإنّما بمعنى جملة من الأفكار، شيئا أقوله للعالم؛ شيئا عن عالمنا، عن المرحلة التي نمرّ بها الآن في هذا المشرق..إذن الرّسم هو الدّرب الذي يقود إلى الدّاخل؛ والنّحت هو ما أقوله لللآخرين&
وفكرة معرضك الأخير الذي يحتشد بكل هذا الشعب من الطين المحروق؟
أستطيع أن اقول أن هذا المعرض هو تعبير ونتاج مرحلة تمتدّ على العشر سنوات الماضية.
كيف جاءت هذه الأعمال؟
ـ أردت أن أسوّي نحوتا. منذ البداية وجدت نفسي مشغولة بالتاريخ العربي. عملت هودجا، وهو اوّل الأعمال وسوّيت فرسانا وخيلا. وهكذا انطلقت.. ظهر لي أن أرسم كل أبطال تاريخنا؛ هناك تماثل بيننا وبينهم.. كل هؤلاء الأبطال عادوا من جلجامش إلى أنكيدو إلى الفدائي إلى البطل المحارب إلى الفتى إلى شيخ البلد، إلى الشيخ الصّوفي، إلى شيخ القبيلة وامرأته، إلى المرأة والطّفل، إلى عشتار والسّنطور.. كلهم موجودون مع سلحفاة ما قبل التاريخ، والطّائر السّحريّ.. وعملتهم بالطين بهذه المادّة التي هي طريّة، وحيّة وتشبه الإنسان.. فهي تنكسر بسرعة.
وكيف يكون دخولك في العمل؟
وأنا أعدّ الطين، وفي أثناء التّهيأة تأتي فكرة العمل؛ وكأنّي وأنا أعرك الطين، أسوّيه هو بالتوازي يفعل شيئا في داخلي. ليست لي فكرة مسبقة . وإنّما حركات التهيئة هي أيضا بداية للفكرة؛ هذه التهيئة تريح فكري، وتخلق لديّ حالة فراغ، وفي هذا الفراغ تنشأ الفكرة وتبدأ حياتها.
في أي أوقات تأتيك الحالة؟
أغلب الأعمال أنجزتها في السبت والأحد؛ في المدرسة التي أظل فيها من الظهر حتى الليل؛ في حين لم امارس الرّسم مطلقا بعد الثالثة بعد الظهر. الرسم يريد الضوء. في حين أن النحت بالليل من اجمل الأشياء؛ هو ينسجم مع هدوء الليل.

&
بريد القسم الثقافي في ايلاف [email protected]
&
&