الدكتور رياض الأمير
&
&
جاء مقال الدكتور عبدالله إبراهيم في إيلاف تحت عنوان Untermenschen المصطلح النازي الذي تداولته المؤسسة النازية الالمانية اثناء وصولها إلى الحكم وقبله لوصف الناس والشعوب بانهم دون مستوى البشر من العنصر الجرماني كمدخل متهما فيه الجيش الامريكي في العراق بانه يعتبر العراقيين تحت مستواهم وينظر اليهم نظرة دونية، استنادا إلى معاملة المعتقلين في سجن ابو غريب الرهيب. اعتقد بان ما جرى في سجن ابو غريب قضية ادانها العراقيون وفي طليعتهم من هم مع العراق الجديد قبل غيرهم. والمهم في قضية ابو غريب، دون التذكير إلى ان المعتقلين هم من جماعة النظام السابق الذين ساهموا بالتعذيب والذين قتلوا العراقيين وقوات التحالف، ان من كشف الحقيقة حولها هو اعلام الولايات المتحدة واستنكرها الامريكيون قبل غيرهم، فهذا معناه ليست هناك نظرة دونية من قبل الامريكان للعراقيين، لا في سجن ابو غريب ولا خارجه. واود ان اذكر بان امريكا من رئيسها إلى قادة ادارتها وقفوا احتراما مصفقين لمدة خمس دقائق للثقافة العراقية ورموزها في الثالث عشر من كانون اول/ديسمبر الماضي لمقدرة العراقيين في الاداء الموسيقي اثناء عزف الفرقة السمفونية العراقية في قاعة جون كندي في العاصمة الامريكية وبحضور حوالي الفين شخص. وقال الرئيس بوش يوم امس "إن بلادنا تكن احتراما كبيرا لأبناء الشعب العراقي ونحن مصممون على معاقبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات. وقد وجهت الاتهامات بالفعل لسبعة جنود. ان من ينظر بنظرة دونية إلى الآخر لا يفعل ذلك. وكانت صحيفة The New Yorker قد نشرت من تقرير جاء في 53 صفحة بقلم الجنرال Antonio M. Taguba في شهر شباط/فبراير الماضي، أي قبل نشر الصور باكثر من شهرين، محملا سلطات السجن من الفرقة 372 للشرطة العسكرية عن اعمال سادية ضد المعتقلين. ومن ينظر إلى الآخر دون مستوى البشر لا ينتقد ولا يصف اعمال رفاقه بالسادية وانما يعتبرها اعمال مشروعة بحق من هم دونهم. ان الامريكان، ليس دفاعا عنهم، لا يمكن اتهامهم بتبني نظرة دونية وعنصرية للاخرين لانهم شعب متكون من اعراق مختلفة ليس لها ذاك الامتداد العميق في التأريخ من اجل تكوين اديلوجية قومية ذات نزعة شوفينية، كما هو حال الفرنسين بما فعلوه خارج حدودهم ومنها الدول العربية. واعتقد ان فترة نهاية خمسينات القرن الماضي وما قام به الجنود " الامة العظيمة" ضد الجزائرين يمكن مقارنتها فقط مع ما قام به الفاشست الالمان ضد اعدائهم من الشعوب والقوميات الاخرى. ان قصة جميلة بو حيرد وغيرها لا زالت حية في الذاكرة العربية. لنعود إلى المصطلح النازي الذي بقي مصطلحا بعد القضاء على النازية في التاسع من مايو/ايار 1945 بتحرير الشعب الالماني والشعوب الاخرى التي استعبدت من قبلهم في اوربا. ولا زالت اوربا تعيد ذكرى الاعمال الفظيعة بحق الشعوب السلفاكية ( من الروس والاكوراينين والروس البيض وغيرهم ) والغجر واليهود الذين اعتبرهم الالمان دون العنصر الاري. وعلى الرغم من ان العرب احتلوا المرتبة قبل الاخيرة يليهم الزنوج حسب الترتيب الفاشستي في تقسيم الاجناس كان العديد منهم يمجدون المانيا الهتلرية ومنهم امين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني وغيرهما ولا زال الكثيرين من العرب يتعاطفون مع الفكر الفاشي لانه يلتقي معهم بالعداء لليهود وليس العداء للصهيونية كفكر عنصري آخر. وبعد اندحار الفاشية في المانيا تعلم الالمان درسا في ان المأساة التي جلبتها الطغمة العسكرية الفاشية عليهم في اشعال حربين كانت نتيجتها تقسيم بلادهم واحتلالها من قبل الحلفاء، جاءت من العقيدة الفاشية التي مثلتها الهتلرية، على الرغم من حملها اسم " الوطنية الاشتراكية ". ونتيجة لذلك يحرم الآن أي شئ يرتبط بالفكر النازي او يدعو لعودته. ولم يسمح للجماعات النازية لتشكل تنظيم سياسي لها حتى اصبحت جماعات قليلة لا قيمة لها في المجتمعات المتحضرة. وكذلك فعلت الدول الاوربية الاخرى التي اكتوت بنيار الفاشية، حتى غدت كلمة فاشست اهانة كبيرة . أدخلت المانيا تاريخ النازية وما قامت به من اعمال بشعة بحق الشعوب الاخرى في مناهجها الدراسية وفي جميع المراحل من اجل قطع الطريق لاي فكر مشابه للعودة إلى المسرح السياسي مذكرة ما قام به الالمان بحق الشعوب والاجناس الاخرى. واصبح مفهوم التميز العنصري كحد السيف ضد من يمارسه في الحياة العامة، وتربية الناشئة حول مخاطره. ومن جراء ذلك اصاب الشعب الالماني مرض " عقدة الذنب " التي تمثلت في وقوفها مع اسرائيل واعتبار أي نقد لها كالعداء للسامية، وهذا ما جلب لاسرائيل مكاسب جمة، منها التعويضات المالية والدعم غير المحدود من جميع الحكومات الالمانية بغض النظر ان كانت من اليمين او اليسار. اما العرب وبعد اندحار النظام البعثفاشي في بغداد الذي اشعل حربين كبيرتين راح ضحيتها الاف من العرب والمسلمين واحتلاله ارض دولة شقيقة وسبب لشعبها الكثير من المآسي، بالاضافة إلى ما قام به ضد الشعب العراقي من اعمال لا يمكن ان يقوم بها انسان سوي، لا زال الكثير من المثقفين العرب يؤججون الشارع، ليس فقط إلى عودة رموز ذلك النظام وانما الدفاع عنهم وتمجيد اعمالهم. وان كل ما يجري في الإعلام العربي واللقاءات " القومية" لا تندد بما قامت به الفاشية العربية في استخدام الاسلحة الكيماوية والمعتقلات والمقابر الجماعية ودفن الناس احياء او استباحة حرمة شعب شقيق او اعتداء على شعب جار مسلم وغيرها، وانما تشجع كل عمل يساعد على عودة قتلة العراقيين والعرب والمسلمين وتأهيلهم من جديد.
فمكلمة Untermenschen لم تبقى في قاموس العرب والمسلمين مصطلحا فقط وانما ممارسة يومية لا تستهجن وانما تمجد وتلقى الدعم من رجال الدين كما هو الحال من القومجين. فالعرب اول من مارس ويمارس العداء للاخرين والنظرة الدونية لهم. فالماضي غير البعيد شاهد على ذلك فتهجير الاكراد من منازلهم في عملية الانفال وتهجير الاكراد الفيلية من بلدهم واغتيال الآف من شبابهم في المعتقلات وقتل الاكراد بالاسلحة الكيمياوية في حلبجة وإزالة عشرات القرى الكردية والتركمانية وافراغها من سكانها واحلال عرب مكانهم وقتل اليزيدية والشبك، تهجير "المعدان" سكنة العراق الاصلين في الاهوار وتجفيف مياهها التي قام بها النظام القومي العروبي في العراق. العداء المستفحل لكل ما هو ليس عربيا الذي طال كل فرد لا يساند الفكر الفاشي العروبي المشوه. ولم يبقى الحال على العداء ضد القوميات الاخرى وانما ضد العرب من غير السنة لاتهامهم بانهم فرس، وهم من القبائل العربية الاصلية التي تفوق في اصالتها سكان العوجة وغيرها من اماكن قادة الفكر المتعصب الشوفيني. هذا في العراق اما إذا ذهبنا بعيدا عنه فنرى في السودان صور بشعة من التميز العنصري المبني على النظرة الدونية لشعوب مسلمة غير عربية في منطقة دارفور التي راح ضحيتها لحد الآن في احصائية غطت فترة من عام 1990 ولغاية شهر تشرين اول/ اكتوبر 2003 وحسب تقرير المجموعة السودانية لحقوق الانسان واحصائية الامم المتحدة تهديم 650 قرية قامت بها الحكومة السودانية وقتل 30000 شخص ونزوح اكثر من مليون آخر من قبائل غير عربية هي فور والمساليت والزغاوه وهناك امكانية تعرض 360000 شخص للموت بسبب الجوع والمرض خلال الفترة من الآن ولغاية شهر كانون ثاني/ يناير من العام القادم (سودانايل، دارفور...حرب ضد التمرد أم حرب إبادة www.sudanile.com (. ولم تشفع لشعوب تلك القبائل اسلامهم وانهم كانوا من يكسوا الكعبة في السابق. ان عمليات التهجير وحرق القرى وقتل العزل سياسة تتبعها الحكومة السودانية باسم القومية العربية والإسلام حيث وصلت إلى السلطة بانقلاب قامت به الجماعات الإسلامية بقيادة حسن الترابي. وفي الوقت الذي تطالب فيه الحكومة السودانية بحث الوضع في العراق مبتهجة بتورط الامريكان في ما تسميه "المستنقع العراقي" ناسية نفسها انها متورطة وعلى اسس شوفينية عنصرية حتى اخمص قدميها في مستنقع حقيقي في دارفور . وإذا مررنا على سوريا ترينا احداث القامشلي الاخيرة العداء السافر لاكرادها المبني على العنصرية القومية باسم الوحدة الوطنية. اما في المغرب العربي فان التعالي والنظرة الدونية للأمازيغ (البربر) التي تشكل صورة واضحة للتطرف القومي والتميز العنصري والنظرة الدونية لشعوب مسلمة ساهمت بشكل كبير في بناء الدولة العربية الإسلامية منذ العقود الاولى للإسلام. ولازال العرب من دول اخرى يلقون التميز في التوضيف والمعاملة في دول الخليج العربية، فكيف حال العمالة الوافدة فيها؟ وان أي قضية ترفع ضد مواطن في منازعة تجارية إذا كان الخصم غير مواطن سوف تكون لصالح العربي المواطن. ان قصة الخبير العربي الذي قدم استشارة لاحد اغنياء الخليج ودفع اتعاب سفره من جيبه الخاص على حساب مساعدة ابنه الطالب الجامعي في رفض التاجر ذلك دفع اتعاب الخبير وهي التي لا تمثل سوى جزء صغير جدا من ارباح التاجر في بيع سيارة رينو واحدة او سجادة صينية واحدة احدى صور التميز والنظرة الدونية للآخرين، مهما كانت منزلتهم العلمية ومكانتهم الاجتماعية.
اما إذا عرجنا إلى المتأسلمين فنرى العجب العجاب فزيارة واحدة إلى احد المساجد التي يشرف عليها التيار السلفي تسمع دعوة قتل اليهود والنصارى قبل قراءه الفاتحة، لا لسبب وانما لانهم يهود ونصارى، ولم ينجو الشيعة الذين يصلون باتجاه نفس القبلة ويشهدون بلا إلا اله إلا الله ومحمد رسول الله ويقمون الصلواة الخمس، من حملة الغائهم وحتى الدعوة لقتلهم. ان تفجيرات باكستان الاخيرة ضد مساجد الشيعة وكذلك تفجيرات كربلاء والكاظم في العراق التي راح ضحيتها عشرات من المسلمين والتي نفذتها عناصر القاعدة والجماعات المنظوية تحت لوائها التي تستمد عقيدتها من الإسلام السلفي وباسمه، بانية فكرها على نصوص من القرآن والسنة وعلى مؤلفات علماء مسلمين كابن تيمية في السابق وفي الوقت الحاضر محاضرات "المستقطر" الشيخ القرضاوي وغيره الكثير. فعلينا ان لا نعلق غسيلنا على شماعات الآخرين ونتهمهم بما ليس فيهم وعلينا ان نبدأ بتنقية فكرنا وتصرفنا من الشوائب والامراض ومنها النظرة الدونية والعداء للاخر، لانه ليس عربي او مسلم ، إن اريد لهذه الامة ان ترقى إلى مصافي الامم الحية في القرن الواحد والعشرين.
&
&د.عبدالله إبراهيم
UNTERMENSCHEN