العملية الارهابية التي طالت ضريحين مقدسين لدى الشيعة وأثارت معظم أبناء هذه الطائفة التي طالما کانت تتبنى خطا وسطيا في منتهى الإعتدال من القضية المذهبية بوجه خاص، قد لا يمکن التکهن بالمدى السلبي لآفاقها المستقبلية، سيما وإن الشيعة لم ينسوا بعد تلک العملية الارهابية التي طالت واحدا من أبرز قادتهم الميدانيين وهو محمد باقر الحکيم ناهيک عن تلک الهجمات المتفرقة التي يعرضت و يتعرض لها المواطنون الشيعة من قبل الجماعات الارهابية التي ليس بالامکان التغاضي عن أصولهم السنية. هذه العملية التي هزت الشيعة لافي العراق فحسب وإنما في معظم أرجاء العالم، قد لاتمر مرور الکرام ومع إن المرجع الشيعي الاعلى آية الله العظمى علي السيستاني قد أصدر فتواه الخاصة بحرمة التعرض للمساجد السنية مثلما سارعت العديد من الاحزاب و الشخصيات السياسية السنية الى إدانة تلک العملية، لکن ذلک لم يمنع من حدوث عدة عمليات تعرض متباينة لمقرات الحزب الاسلامي العراقيquot;السنيquot; بالاضافة الى مساجد سنية في مناطق متفرقة، هذا من غير التوقعات بما سيحدث لاحقا أو في القادم من الايام. هذه العملية التي يبدو إن تخطيطا دقيقا قد أعد لها مع حرفية واضحة في التنفيذ رافقتها، قد تمت في مرحلة تأريخية حساسة جدا من عمر العراق حيث يتمتع الشيعة فيها ولأول مرة عبر التأريخ بحرية کاملة في أداء طقوسهم المذهبية و باتوا يفرضون وجودهم کرقم صعب في المعادلة العراقية، وفي هکذا وضع سوف يکون من الطبيعي جدا لهکذا طائفة تعرضت الى ظلم طويل في مختلف الحقب التأريخية أن لاتسکت عن تلک العملية الإجرامية وتترجم موقفها بإتجاهات متباينة تتفق والفهم السائد لدى کل شريحة إجتماعية من شرائح هذه الطائفة. ولست أعتقد بأن المرجعية الشيعية قادرة على لجم الغضب الشيعي الذي طفح به الکيل أخيرا بعد التعرض الى واحدة من أهم المقدسات الحساسة لديه والتي سلمت على مر العصور وفي ظل مختلف النظم السياسية السائدة من التخريب بهکذا صورة، سوف يجد من الصعب عليه أن يکظم غيظه مرة أخرى و ينتظر(أصحاب الحل و العقد)کي يحسموا الامر ويجدوا مخارجا للازمة. النقطة المهمة والتي يجب ملاحظتها و وضعها في محل الاعتبار هي أن الإعتقاد المذهبي للفرد الشيعي يمتلک قوة و ديناميکية تفتقدها المذاهب الاسلامية الاخرى و يرجع سبب ذلک الامر الى عوامل عدة قد تکون مسألة الظلم الکبير الذي وقع عليهم عبر التأريخ من أبرز الاسباب ذلک إنهم أکثرية عوملت دوما على إنها أقلية حتى في ظل الوضع السياسي الجديد للعراق حيث تحاول کل من واشنطن و لندن وضع حد للصعود الجارف للشيعة في ظل النظام الديمقراطي المعمول به في العراق. کما إن محاولات النيل من معتقدات الشيعة التي هي بالاساس إسلامية بحتة و لاتختلف ذلک الاختلاف الشاسع عن بقية المذاهب الاسلامية الاخرى، والتشکيک بمصداقية إنتماءهم و ولائهم ناهيک عن قضايا أخرى لسنا في صددها في هذا المتسع الضيق، والتي ترکت و تترک أبلغ الاثر في نفوسهم إذ يشعرون بغبن غير عادي حين يجدون قوى و تيارات معينة تحاول تحجيمهم أو حتى تکفير بعضا من معتقداتهم، کل ذلک لو أضيف إليه الوقع السلبي البالغ للعملية الآنفة، سوف تدفع الهدوء و الصبر الشيعي في العراق الذي مضى عليه أکثر من 1400 عام الى سياقات قد لا تتفق أبدا والمراحل التأريخية السابقة، وإذا علمنا بأن السنن و العوامل التأريخية تتداخل فيها عوامل عديدة کي تأخذ شکلها النهائي ولاسيما مسألة العامل الآني الذي يلعب في کثير من الاحيان دور عود الثقاب في وسط برميل من البارود، فإننا نجد إن تداعيات هذه العملية سوف تکون وطأتها شديدة وبالامکان أن تحدث إنعطافا نوعيا في المسار التأريخي. إن الکرة الان في الملعب السني الذي يبدو إنه أخفق في لجم تلک التيارات الارهابية التي تتعاون quot;العديد منهاquot; بشکل أو بآخر مع أطراف سياسية مهمة محسوبة على السنة، وهو أمر يعلمه أبسط إنسان شيعي، وإن تلک العملية التي إستهدفت مسجدين فيهما ضريحي إمامين شيعيين، ليس من السهولة إقناع عامة الشيعة بإنها مؤامرةquot;إمبريالية ـ صهيونيةquot;والربت على أکتافهم للسکوت، بل إن الامر هذه المرة يمر في معترک خطير جدا يجب أن يتم التمييز خلاله وبصورة واضحة بين الخيط الابيض من الاسود، إذ إن الامر قد وصل الى ما يسمونهquot;خط أحمرquot;، وهو مسطلح إستخدمه غالبية الساسة العراقيين في مناوراتهم السياسية لکن من دون أن تکون خطوطهمquot;حمراءquot;فعلا ذلک إن الخط الاحمر هو أساسا يمتلک عمقا في العقل الجمعي للجماهير وتبدو قوته عند أثارته. أيها السادة، ضرب مرقدي الامامين الشيعيين في سامراء هو الخط الاحمر الذي إنتهکت حرمته من قبل زمر الارهاب و سوف ترون بداية فصل جديد و دموي حاسم من تأريخ العراق، فصل دفعوا الشيعة قسرا إليه!

نزار جاف
[email protected]