((ما أقصر المدى بين الوجود والعدم، فما هي سوى انتفاضة فاغتمامة، وكأن الحي لم يفن بالأمس))

1

قبل التمتمة
والغيبوبة المُعتمة
القاسية المُؤلمة
في غرفته الحزينة المُظلمة
أيقن صاحباه
مؤيد وخالد
سيهوى الصرح الخالد
حين قال لهما
ان الامر خطير
عسير ومرير
وكما يبدو هذه المرة
وكأنما هذا الإيحاء
لازم لسانه من اله الشعر
ليناجيه
حان الوقت
ولقد أديت ما أديت
فوفيت واكتفيت
رويت وارتويت
يا سر ــ الكون
يا سركون

***
وفي اليوم التالي
زارك الإثنان
لإلقاء تحية الصباح
بإرتياح ومزاح
ليتفجاءا
بتسليمك المفتاح
لرحيلك الأبدي
في حلم سرمدي
وليعلنا للملأ
بإنبلاج الصبح
هوى الصرح
خمدت النار المتأججة
وانطفأ ذلك النبراس النير

***
ساعات لم تدم
وانتشر الخبر
عن غياب سركون القمر
عن انقطاع مفردات المطر
وليبق رحيله
نوع من السفر
وترحاله الدائم
نوع من الأثر
هذا ما شاء القدر
في وقت لم يُنتظر
لنبل انسان
لم يذق لذة عمر الكِـبر

2

كان كلما احتسى من مشروبه الخاص ورحل مع رموزه الإسطورية البيتـنهرينية في صياغة أفكاره الشعرية يترنح بمخاطبتي عبر الهاتف بصوت جهوري ملئ بدفء المودة والشوق والبراءة ليلقي التحية بآشوريته العذبة وليناديني بإسم فيه مسحة شاعرية اعتاد أن يخاطبني به لأرد عليه مباشرة وكما عودته quot; أهلا بك يا سر الكون يا سركون quot;، فيدور الحديث عما هو جديد في عالمه ومشاريعه المستقبلية، ليبادرني بالتالي التساؤل عن مشروع كنا قد اتفقنا في التعاون على انجازه، متضمناً مجموعة قصص قصيرة لأدباء آشوريين أقوم بترجمتها وليتفحصها هو بمجهره التقييمي. وكان بغتة ما يقاطعني في الآونة الأخيرة بسبب وخزة مباغتة مما كان يعانيه من هجمات ارهاصات مرض القلب الذي كان سبباً في مضاعفات أخرى حَـمّـلته على ما لا يطيق حمله ليستدرك بأن الأمر خطير هذا المرة لا تقوى ارادته على منازعته، عامداً على مطاوعة قوة الموت الخفية التي أودت بحياته في الدقيقة الحادية عشرة إلا ربعاً من صباح يوم الإثنين المصادف 22 تشرين الأول 2007. وفي أوقات مناسبة كنت استغل اتصاله لقراءة قصيدة أو الحديث عن حدث أدبي عبر غرفة المحادثة في البالتولك للكتاب والشعراء التي قضى في ادارتها فترة الشاعر الراحل كمال السبتي، والتي رحلت هي الأخرى برحيله، وهنا كان سركون يلزمني على الأكتفاء من مواصلة الحديث رغم الحاح رواد الغرفة على المواصلة. فيقول لي quot; اوقعتني في الفخ يا باش مهندس الآشوري quot;، وليضيف قائلاً quot; ناشا بسّـا كجيخلي quot; أي يا رجل تعبت، مصاحباً تعليقه بقهقهة ايقاع شعري.
3

ذات مرة وقبل عدة سنوات كنت في زيارة تثقيفية الى معالم لندن وبعض المدارس بصحبة مجموعة من تلامذتي المتفوقين في المرحلة الثانوية في السويد من الناطقين بالآشورية والعربية، فإتفقنا أنا وسركون أثناء تواجده أن يقوم بالحديث عن تجربته الشعرية والقصصية في الفندق الذي كنا نزلاؤه في مركز المدينة.
وهنا سألني: بأية لغة سأتحدث؟
فقلت: بالآشورية.
قال: بربك وكيف لي ان اترجم المصطلحات؟
قلت: بربك.. الذي يترجم لغة أو زقزقة العصافير، هل يستعصى عليه الأمر الترجمة باللغة الأم.
وهنا قهقه وقال: هذه كانت أيام كنت أفقه لغة العصافير. (سنأتي على الحديث فيما بعد عن تلك اللغة).
قلت: خذ الأمور على طبيعتها.
قال: سأحاول.
تم اللقاء فيما بعد.. وانتظر التلاميذ بفارغ الصبر، ليلتقوا انساناً بلغ عمره ضعف أعمارهم وأكثر، غير متوقعين بأنه يحمل مشاعر الشباب وما يجول في أفكارهم. فتحدث عن بداياته وتجاربه ومعايشاته مع مسيرته الحياتية منطلقاً في حديثة دون أية مقاطعة، لحين أن استدركت أن الوقت يداهمنا. وهنا قاطعته معلناً بأن هناك فقرة أخرى في برنامجنا. وهو غير آبه للوقت حينما قلت له بأنك تحدثت أكثر من ساعتين. فبادرني بالقول: أنا مستغرب من نفسي أن قلت لك هذه أول مرة في حياتي ألقي محاضرة بهذه السعة والمدة والغريب باللغة الآشورية.
ومن شدة استلطاف السامعين لحديثه، طلبوا مني تمديد الوقت للأسئلة التي تنوعت، ومن جملتها عن أول قصيدة كتبها.
فأجاب قائلاً: كانت مترجمة وفي بضعة أسطر، وأنا في عمر أقل من أعماركم بسنوات.
فقال السائل: من أية لغة؟ وهل لك أن تسمعنا أياها باللغة الأصلية والمترجمة.
فقال سركون: المترجمة ليست مشكلة. أما الأصلية فقد جهلتها واحتفظ بموسيقاها وهي ترجمة شخصية.
وهنا أنشد سركون قائلاً: (على ما أتذكر كانت بعنوان اغنية القطا)
انتظرُ
انتظرُ الآن
اشاراتٍ
في الأوراق
تدلُ على الصائد
وأموت مراراً
وأنا واحد.

وتجدر الأشارة هنا بأنه حدثني ذات مرة عن إقامة كونسيرت خاص تقديرا له في قلعة ميبرسدوس التي كان يسكنها والواقعة في ضواحي برلين والعائدة للكاتبة الألمانية الشهيرة بتينا فون آرنم المتواجدة صورتها على نقود ألمانية والتي كانت صديقة غوته وبيتهوفن. وفي تلك القلعة الأثرية التراثية شنف سركون أسماع الحاضرين بعدد من قصائده لالعربية والإنكليزية، إضافة لمطربة المانية ترنم صوتها متزاوجاً بمفردات قصائده بأعتزاز كبير وبتواجد جمع غفير من الحاضرين. وهنا كان قد باغتهم بأغنية القطا المذكرة أعلاه، والتي أعدها فيما بعد ليضمها ديوانه الصادر عام 1997 بالعربية والألمانية والموسوم quot; شهود على الضفاف quot;.

4

عام 1998 أصدر الكاتب الآشوري روبين بيت شموئيل دراسة قيمة عن حياة سركون وأدبه، وقبل ذلك اتصل بي لأزوده بمعلومات عن سركون وآخر اخباره ونتاجاته بسبب الحصار الإقتصادي والثقافي في العراق في حينها وانقطاع الأخبار الأدبية عن المهتمين في المجال الأدبي فيما يخص الشعراء والأدباء من المغتربين.. فاضطررت للإتصال به هاتفياً بغية تلبية طلبه وتحقيق امنياته.
على اية حال.. صدر الكتاب، وزودني به الكاتب، ونسخة منه مهداة لسركون، وهي بمثابة رسالة دكتوراه عن أدب سركون إذا ما قارناها بالرسائل الجامعية. وفي النهاية اخبرت سركون عن ذلك واعلمته عن الكتاب وارسلته له، بغية أن يكتب للمؤلف على أقل ما يمكن كلمة شكر أو رأيه عن المضمون. فرحب سركون بذلك ووعدني بتنفيذ مطلبي.. دارت الأيام، ولحقتها الشهور ومن ثم السنوات دون نتيجة، وهنا انتاب الشك مؤلفنا من جهتي، إن كنت حقاً قمت بالواجب من تسليم الكتاب، وبالتالي تيقن المؤلف من ادائي للواجب المحتم.
وفي كل مرة كنت اذكره فيما اذا قام بذلك، فيرد علي بقهقهة ليوعدني بكلماته التي تذيب الجليد، الى أن شاءت الصدف والأقدار أن يلتقيه في مهرجان روتردام العالمي هذا العام وهو يواصل دراسته العليا في هولندا، وبعد عشرة أعوام من نشر الكتاب، ليقدم المؤلف نفسه وبأنه زميلي وبواسطتي تم ايصال الكتاب المُهدى له.. وهنا إنبسطت أسارير سركون شاكرا له عمله وليعظمه بتعابير تنسيه اهماله وتغاضيه عما لم يقم به لمدة عشر سنوات.

5
ذات يوم وقبل سنوات حمل لي بريدي العادي رسالة مُرسلها غريب علي، مستغرباً من اسمه الذي ذيل به رسالته بـ quot; ابراهيم سليمان نادر quot; مسترسلاً فيها ذكرياته التي مضى عليها 38 سنة مع سركون منذ أيام الصبا والشباب وأيام الدراسة والمحاولات القصصية، متحدياً فيها كل ألوان اليأس بلقائه أو سماع صوته، متسائلاً إن كان لا زال يحيا في ذاكرة سركون، كما يحيا هو في عقله وقلبه وذاكرته. ويضيف النص التالي: (امنيتي ورجانئ هو أن أسمع صوتك بالهاتف ولو لدقائق، وأنت جدير بالوفاء وخاصة نحوانسان يكن لك حب واعتزاز ومشاعر من طراز خاص. ظلت أذناي عطشى لسماع صوتك. ألا أستحق منك هذا الرجاء؟!).
ورغم رسالته الطويلة في عدة صفحات يذكر بأنه لا يريد أن ينهيها الى أن يجف مداد قلمه وتتلاشى الأوراق. وكان في ذات الوقت قد بعث بصور تذكارية نادرة مع رسالتين خطيتين قديمتين بخط سركون ليعيد به الذاكرة لمُرسلها الذي نوه ايضاً في رسالته العبارة التالية: (مجموعتي القصصية الجديدة quot; اطار لقلب في الظل quot; تنتظر النشر، وأمنيتي أن يتم نشرها على يديك، وأن تكتب مقدمتها بقلمك العزيز واسلوبك المتميز وخطك الكبدع المتألق أبداً داخل أحداقي).
بعد ذلك بفترة قصيرة أعلمت سركون بما استلمته، وهنا تأمل قليلاً وتذكر صديق الصبا والشباب، وليجيبني ببساطة متناهية وباريحيته المتعارف عليها سألبي مطلبه بالسرعة الممكنة. وتناسى أن يطلب مني ما استلمته.. وهنا ذكرته، فرد: نعم نعم، حتماً ستبعثها. فقلت له: سأصور نسخة اضافية لدي وابعث الاصلية لك لضمان حفظها وعدم ضياعها. فأجاب: فكرة صائبة باباشمهندس.
على أية حال مرت الأيام ولحقتها السنون وأنا أسأله ماذا فعلت يا سركون.. الرجل بأنتظار سماع صوتك أو مكاتبته.. حتام تظل متألقاً وهذه اللاأبالية؟ فيرد: هذه نوع من الراحة مثلما أتعامل مع كتاباتي.
واليوم.. رحل سركون ليناجي صديقه ابراهيم عبر نسائم الفردوس الأبدي.

6
بقي لي أن أنقل أقـل مما كتب عنه من مئات التعليقات والكلمات والقصائد وقبل أن يواري جثمانه الثرى في بلاد النأي والاغتراب في سوريس بسان فرنسيسكو، وبعد محاضرتي التي تناولت سيرة حياته ومحطاته الادبية في غرفة الأنصار للمحادثة الصوتية والتي دامت في حدود الاربع ساعات، لأقول بأنه كان كاتباً متين العبارة، فصيح ومحكم الكلام، نقي وسليم الأسلوب وبليغ اللفظ في معانيه، عادة ما يتمعن كتاباته لحد الإختمار، مؤكداً البرهنة على رؤياه وعمق تخميناته التي كان يكللها بالصبر والأناة.
كل هذه الصفات جعلته أن لا ينشر دواوينه الشعرية إلا بعد تجاوزه الأربعين من العمر، رغم نضجه وتيقنه من نفسه بدلالة صناراته التي كان يرمي بها في بحور الحداثة الشعرية التي أهلته لإصطياد أروع العبارات الهادفة التي أهداها لتأخذ مكانها على صفحات عشرات الصحف والمجلات الأدبية والثقافية على مدى الأربعين عاماً، وقبل أن يجمع ما قدحت به مخيلته وفكره الثاقب في دفتي كتاب كامل، وليستمر فيما بعد على اصدارها تباعاً وتجاوزها العشرة نتاجات اضافة للمخطوطات التي تنغمر في حزن عميق حداداً على رحيله بالروح الطاهرة التي يألفها كل من التقاه وصاحبه.
حقاً انه كان لا يعرف الكلل والملل، لا في مجال الكتابة، ولا في ميدان الترحال الدائم لخدمة الكلمة الأدبية، متنقلاً بين البلاد العربية والأوربية، عاشق للسفر كعشقه للكلمة التي جعل منها خبزه اليومي، وراية ترفرف فوق كل اعتبار، لا تبهره المظاهر أو صفات التعالي على أقرانه، حاملاً دوماً بين ثنايا قلبه مشاعر سذاجة الطفل الوديع، وهيبة الرجل الشامخ بإسلوبه المشوب بالمرونة والروية والهدوء.
السويد