عبد الجبار العتابي من بغداد: في الساعة الثانية عشرة من ظهر الجمعة، وفي هذا الشهر، آب اللهاب، الذي تصل فيه درجة الحرارة الى الخمسين او اقل قليلا، وحيث الشمس كانت ساطعة وتقف بشكل عمودي، اجتمع مجموعة من الادباء والمثقفين والاعلاميين في شارع المتنبي للاستماع الى الشعر!!، نظموا كراسيهم على طرف من نهر الشارع وجلسوا يصغون بلا ملل ولا كلل،والطريف ان مساحة الاستماع كانت تسطيل كلما زحفت الشمس وتقلصت مساحة الظل، وهذا كان الاكثر اثارة في هذه الجلسة التي اقامها بيت الشعر العراقي واستضاف بها الشاعر رعد مشتت عبر قراءات لنماذج من شعره وشهادات عنه، تحت عنوان (شاعر كأنه قصيدة)، قدم له الشاعر عبد الزهرة زكي.
قال عبد الزهرة: في واحدة من المصادفات الجميلة، ربما كان ذلك في عام 1978، وكنت في القطار الصاعد من البصرة حيث ادرس في جامعتها، الى بغداد، حيث اقيم، التقيت الصديقين الشاعر هاشم شفيق والقاص الرسام فيما بعد سعيد فرحان، كان القطار مكتظا براكبيه وكان معتادا ان تصادف واقفين ونائمين في الممر الضيق للعربات ما بين صفي مقاعدها، كان هاشم وسعيد واقفين فاقترح هاشم ان نقتل بعض الوقت في عربة مطعم القطار مع وعد بان يطلعني على شعر جديد لشاعر جديد، وحين قال لي في المطعم ان هذه القصائد لرعد مشتت، قلت: اعرفه ولكن لم اقرأ له.
واضاف: لم يكن ممكنا لرعد حينها ان ينسى، كان لسيماه ولأناقته المعاصرة وحيوية وجوده الذي يكرسه وجه دائم الابتسام والضحك، وبما يشكل مفارقة مع لحية الهيبز الكثة التي كانت تؤطره، كان هذا يشكل الحضور الانساني لرعد مشتت بين صحبه نأى بهم تروتسكي وسارتر وتولستوي واخرون سواهم حتما عن التماثل مع مجاميع اخرى من شبان السبعينيات يوحدهم اخرون ويفرقهم اخرون ايضا، لكن الحضور الشعري لرعد انذاك كان هو الاخر ينأى به عن مجاميع الشعراء الاخرين، كنت اتوفع ذلك، وتأكدت منه بعد قراءة الاشعار، التي فوجئت ان لها لغة اخرى وموضوعات اخرى، ما كان للشعر في السبعينيات ان يألف اهتماما ما بها، كان موضوع الاشعار الكرد والنساء الكرديات ومناخ كردستان.
ومضى يقول: كان لقصيدة النثر فتنتها وكانت قصائد رعد مشتت تبث هذه الفتنة التي تأتى عليها رعد من الطبيعة الخاصة التي اغرتني في اشعاره وهي تحتفظ بقاموس بيئي وانساني خاص وبعلاقات لم أألفها في شعر اخر سواه من اقراننا في السبعينيات، كانت شعرية الواحدة من تلك القصائد توحي ان حميمية ما يسبغ بها الشاعر بعالمه الشعري وبموضوع هذا العالم، ولذلك كان رعد يبدو مقتصدا باللغة وبالتفاصيل على حد سواء، انه يأخذ للقصيدة كفايتها من جمل قصيرة حادة ومن تفاصيل مختزلة وتكتفي للارتباط ببعضها باشارات اكثر من احتياجها الى اواصر عملية، وربما سأعزو هذا الاقتصاد الى افتنان رعد مشتت بعالم السينما الذي لم يتمكن من دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة بعد تأميمها حزبيا اواسط السبعينيات.
ثم قرأ الشاعر بعض قصائده التي منها (برج الاسرار):
(اجهل
البلاد التي اتيت منها
ولون الطائرة التي اوصلتني
ربما كان
اخضر
كهذه القفازات الانيقة
من
الاوردة
التي تلبست فجأة
اصابعي المرتعشة)
و(برج ناري):
( استيقظت هذا المساء
وانا اتطلع الى
راحة يدي
التي تأكدت من وجودها
في
سبع مرايا
في
شراشفي الصيفية
التي أأتزرها كلما احتجت الى ان ارتطم
بنفسي المتمردة
وانا نائم ).
ثم تحدث الكاتب احمد المهنا في شهادة له عن تجربته مع رعد مشتت ولكن في مجال التلفزيون، بوصفه كما خبره عن قرب (شاعر الصورة) مضيفا بان مشتت كان السبب في انتقاله من ديسك الصحافة الى ديسكو التلفزيون، قائلا: وذات يوم جاء رعد مشتت وقذفني في بحر الصورة فقد السبب في انتقالي من ديسك الصحافة الى ديسك التلفزيون، وهذا الجهاز صورة تماما مثلما الاعمال التشكيلية صور، وخضنا التجربة شريكين: انا اؤلف الكلمة وهو يؤلف الصورة، بعده قرأ الناقد محمد غازي الاخرس شهادة بعنوان (رعد مشتت: متى يطلق سراحك أيها السجين!)، اشارفيها الى ان رعد مشتت شاعر مهجوس دائما باعادة نحت سيرته الحياتية شعرا، بل انك لتكاد وانت تقرأ قصائده تنظر الى أطياف تلك الاحداث والمواقف واللقطات الغائمة التي مرت في حياته).
وعاد مششت ليقرأ بعضا من قصائده،، وقد توسطت الشمس السماء واستطال ترتيب الكراسي حسب مساحة الظل مع ارتفاع محسوس في درجة الحرارة، لكن الجمع لم يتفرق بقدر ما كان الرصيف ظليا وتواجدوا عليه، واصبح من الواضح انعكاس اشعة الشمس على رأس الشاعر الذي راح يقرأ في قصيدة (ملاحظاتٌ لها كي أنسى):
اية حرب؟
صرخت امي فزعة.. حين سألتها
دفنت رحمها في انقاض مهجورة
اتهمت ابي بالجنون
وقرفصت في شرايين ابنائها
اية حرب؟
انفعلت جارتي
ووضعت مكان زوجها عصاه
اية حرب؟
استهجن الاب
ولام النساء
اية حرب؟
عاطت خالتي
ورمقت اولادها
يستهترون ويدفنون بعضهم
اية حرب؟
استشاط الفتى
وضع كفه على عنقي كالانشوطة
وعرض عضلاته
على رضيف القذائف
اية حرب؟
اصرت صديقتي التي علي ان احتفظ لها
بكم قميصي
فالعادة الشهرية لاتفرق
بينمواسم الطائرات
و (التنباكس)
اية حرب؟
اهتز صاحب المطعم ووضع على مائدتي
رئة دبابة ).
قرأ مشتت قصيدته الطويلة الحارة هذه والتي تفاعل معها الحضور بشكل لافت، وبقدر ما كان الشارع يفرغ من رواده كان هناك من يأتي ليقف مستمعا ومستمتعا ربما او مستغربا مما يحدث حيث الجمع صار ينتظمون في صفين اثنين، لكنها كانت جلسة وجد فيها العديدون متسعا من الحميمية افضل من القاعات المغلقة.
